جيل يولد في صحراء التشرّد ويحلم بوطن لم يره

«الزعتري» لاجئون بين المؤقت والدائم

صورة

يخال للمرء وهو يسمع عن مخيم الزعتري للاجئين السوريين أن الأمر يتعلّق بمساكن من صفيح وطرقات ترابية ومياه صرف صحي بلا مجارٍ، وهي تلك الصورة التي رسمتها في الأذهان مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في السنوات الأولى بعد النكبة، قبل أن يتحوّل معظمها إلى مدن كاملة الأركان، بقصد سياسي أو بغير قصد.

لكن التطور الذي احتاج عقوداً في المخيمات الفلسطينية، حدث في بضع سنوات بمخيم الزعتري للاجئين السوريين الواقع في الصحراء الأردنية، والذي بات البعض يصنّفه باعتباره رابع أكبر مدينة أردنية.

كل المظاهر والمرافق التي تخطر ببال المرء موجودة تقريباً، لكن أحد وجهاء المخيم يتساءل: هل وجود المظهر يعني أن الجوهر موجود ويلبي الحاجة؟ إضافة إلى ذلك، يفتقر اللاجئون في هذا المخيم للوطن الأم وذكرياته وتفاصيل الحياة فيه، إذ أنه مهما توفّر للإنسان من احتياجاته للحياة، يبقى الوطن حاجة أصيلة قائمة بحد ذاتها.

مركز طبي

داخل مركز طبي متكامل أنشأته دولة الإمارات، رأينا مراجعين ومراجعات من مختلف الأعمار. بعضهم كان يبدو عليه المرض على نحو واضح، لكن المركز يوفّر كل وسائل التعامل المريح للمرضى. كانت هناك امرأة تحمل طفلاً وتنتظر أمام قسم الأطفال، كان تبادل الحديث معها صعباً، إذ تحمل طفلاً يبكي طوال الوقت من شدة الألم. ورداً على سؤالنا الفضولي قالت: اسميناه مصعب لأنه وُلد في ظروف صعبة.

وعلى سبيل المواساة المستندة إلى الموروث الشعبي القائل «إن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته»، استعرت من الذاكرة حالة مشابهة، ورويت لأم مصعب أنني سألت عجوزاً فلسطينياً ذات يوم عن سبب تسميته لابنه بـ«مصعب»، فقال إنه وُلد في يوم من أيام حرب الـ 67 الستة، قبل أن يضيف وهو يزفر تنهيدات متتالية «جاء طلْق (مخاض) أمّه مع انطلاق المدافع». هزّت رأسها موافِقة، وتنهّدت قبل تقول بما يشبه الهمس «الحال من بعضه يا خوي.. الله يجازي كل من كان السبب في مصايبنا».

وعن سؤال متى غادروا سوريا، قالت المرأة الستينية إن أسرتها غادرت درعا سنة 2013، قبل أن تضيف: «اعتقدنا أننا سنعود بعد أسبوع أو أسبوعين، وها نحن ندخل السنة السابعة هنا».

خسرنا الكثير

كان من الصعب اختراق الكثافة البشرية للوصول إلى شخص ما تبدو عليه مظاهر الإعياء، فالعيادة التي أنشئت بدعم إماراتي في المخيم تستقبل المئات من المرضى في اللحظة ذاتها. بعد شيء من العناء وصلت إلى رجل سبعيني يحاول النهوض عن المقعد كلما رأى الممرضة تفتح الباب لتنادي مريضاً، حاولت اختبار صبر العجوز، فقلت له: هل تسمح لي بأخذ دورك يا حاج؟. صمت برهة وقال: خسرنا كثيراً وقليلاً ولن تقف الأمور عند ربع ساعة في عيادة.

يقول مسؤول في المركز الطبي إن قرابة 90 طفلاً يولدون يومياً. هذه النسبة المرتفعة من المواليد الجدد تنتج جيلاً لم يعش في الوطن الأم، سوريا، أو يكاد لا يحمل من ذكرياته شيئاً يكفي لإشعال نار الحنين. لكن إجابات أغلبية الأولاد على أسئلتنا بهذا الصدد تقدّم استنتاجات مضادة، فهم يؤكدون أنهم يفضّلون أن يصبحوا مهندسين محامين أو مهنيين للمشاركة في إعادة بناء الوطن.

محمد محمد في الثالثة عشرة من عمره من حمص وغادرها 2014، وجاء العيادة لمعالجة أسنانه. تردّد في المفاضلة بين الحياة في حمص والحياة في المخيم، ثم قال بكل براءة الطفولة، بعد أن كرّرنا السؤال، إن الوطن غالٍ، لكن الحياة هنا أمان وما في مشاكل.

ذكريات

أمام المركز الصحي، يمر صبي راكباً دراجته الهوائية ويتجوّل جيئة وذهاباً ويتبادل الابتسامات مع بعض أترابه الذين لا يستطيعون شراء دراجات على ما يبدو. وعلى سؤال عن اسمه أجاب أنه بشار عقلة. يبلغ من العمر 13 عاماً وجاء مع أسرته من درعا إلى مخيم الزعتري سنة 2012، أي أن عمره لحظة الخروج لم يتجاوز سبع سنوات، لكنه يتذكر منزله وأصدقاءه وجيرانه هناك. حين سألناه عن مشاهداته لحظة المغادرة، لخّص المشهد باقتضاب:«ضرب وقذائف وصواريخ وناس تبكي». لكنّه عبّر عن سعادته وحسن حظّه لأن أحداً من أهله لم يصب بأذى، لكنّه يأسف لمقتل الكثيرين، ولإضاعته سنة دراسية.

عن طفولته في درعا، قال إنه يتذكّر أصدقاءه في الحارة، ومنهم معاذ ورائد وهشام، ويستدرك بالقول إنه يتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتمنى لهم السلامة.

من فوق ربوة قليلة الارتفاع وسط المخيم كان يبدو المخيم قطعة لا حدود لها في كل الاتجاهات. رأينا على بعد بضعة أمتار نساء يرتبن أشياء أو ينظفّن أو ينشرن الغسيل أمام هياكل تسمى منازل.

اقتربت منا طفلة وطفل عرفنا بعد السؤال أنهما لُجين وشقيقها إسماعيل (8 و7 سنوات). الغريب أنهما كانا مبتسمَيْن طيلة الحديث. من المفارقات المؤلمة أن تقابل طفلة تحمل اسم لُجين في مخيّم بيوته من الصفيح. سألت لُجين عن معنى اسمها فقالت إنه الفضّة، لكن من المشكوك فيه أن تكون تعرف الفضّة أو رأتها.

تحدّث الطفلان عن رغبتيهما في استكمال الدراسة. لُجين تأمل أن تصبح مدرّسة علوم، لكننا لم نفهم تماماً منها إن كانت أحبّت التخصص أم لأنها تحب مدرّسة العلوم عبير.

«الشانزليزيه»

غادرنا المركز الصحي، واخترقت السيارة التي كنا نستقلها شارعاً وسط المخيم. قالوا لنا إن اسمه «الشانزليزيه». ظننا للوهلة الأولى أن في الأمر طرفة مؤلمة أو سخرية مرّة، قبل أن نتبيّن أن لا اسم آخر لهذا الشارع الذي يمتلئ جانباه بالمحال التجارية والمخابز والمطاعم ومحلات الحلويات وورش تصليح السيارات، بل حتى مكاتب لوكالات السفر.

ففي هذا الشارع المكتظ بالمحال والمارة، ثمة خدمة لتوصيل البيتزا للمنازل، ومقاهٍ تقدّم الشيشة، وأشخاص يلعبون الورق، ومحلات لبيع الأقمشة والملابس الجاهزة وفساتين الزفاف، ودمى تعرض آخر«الموديلات»، ويافطات بالخط العربي، ليست مضيئة بطبيعة الحال، لكنها تؤدي الغرض.

وبالنظر إلى الظروف الصعبة التي يواجهها الناس في المخيم المترامي الأطراف، تستطيع أن تلمس بحواسك الخمس أن قوة المبادرة والتحدي حاضرة بكل تجلّياتها. ثمة أناس يتصرّفون وفقاً لمنطق لسان حاله يقول إن الحياة يجب أن تستمر لأنها«تنتصر لمن ينتصر لها». بعض اللاجئين الذين قابلناهم قالوا إنهم لم يحتاجوا وقتاً طويلاً كي يدركوا أن وقت اللجوء سيطول. ذاكرتهم تعجّ بحكايات سمعوها من اللاجئين الفلسطينيين الذين انتهى بهم مطاف الشتات في مخيمات على الأرض السورية منذ بدايات النكبة سنة 1948.

لقد راكموا ما يكفي من الحكايات لفهم أكثر وعلى نحو أعمق بأن تجارب الآخرين تساعد في اختصار المسافة بين الحدث وفهم معناه ومداه. ورغم أن المشهد برمّته يعطي إحساساً بالعادية والديمومة، إلا أن غالبية الذين تحدّثنا إليهم من اللاجئين يؤكدون أنهم لا يحلمون سوى بالعودة. وجدنا غرفاً في مدارس المخيم مليئة بعبارات الشوق للعودة إلى الوطن، رغم كل ما يظهر من استثمار في المكان، وكل صعوبة الأوضاع هناك في الوطن.

خدمات طبية شاملة

في ساحة انتظار واسعة نسبياً، يتحدّث رئيس منظمة العون الصحي الأردني د. يعرب العجلوني أمام حشد من الإعلاميين. يقول إن المؤسسة التي يرأسها، وتأسست عام 2005، شريك تنفيذي لمبادرة القلب الكبير الإماراتية

من خلال المفوضة السامية لشؤون اللاجئين. ويضيف إنه منذ اللحظة الأولى للجوء السوري قامت هذه المؤسسة بتقديم مختلف الخدمات الصحية بدعم من مؤسسات المجتمع الدولي والمجتمع العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وقال إن منظمة القلب الكبير الإماراتية تعد بمثابة صمام أمني صحي داخل مخيم الزعتري من خلال دعم وإنشاء وتطوير مركز صحي متكامل يتعامل مع المرضى في أي وقت لتلقي الخدمات من الألف إلى الياء، أربعاً وعشرين ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع. يضيف إنهم منذ الأيام الأولى للجوء عملوا على تقديم الخدمات الصحية للاجئين. 600 يوم 24 ساعة سبعة أيام في الأسبوع. 70 ألف سكان المخيم.

ويقول إن العدد التراكمي للحالات التي جرى التعامل معها منذ افتتاح المركز زاد عن ربع مليون حالة.

ويوضّح أن التكلفة التشغيلية لعيادة القلب الكبير تصل إلى مليوني دولار سنوياً وتستقبل يومياً حوالي 600 مريض، وأن العيادة بها مميزات حصرية حيث تقدّم للاجئين في المخيم على مدار 24 ساعة يومياً.. وبها مختبر مركزي حديث يُجري فيه كادر عدده 80 موظفاً قرابة ألفي فحص مخبري يومياً.

وقال إنها العيادة الوحيدة التي تتوفر بها خدمات الطوارئ ونقل المرضى خارج المخيم، كما توفّر خدمات التطعيم وفق البرنامج الوطني الأردني للأطفال السوريين، ولديها فريق خاص يصل للمرضى غير القادرين على الوصول للعيادة، إلى بيوتهم.

ويؤكّد أنها العيادة الوحيدة التي فيها مختبر مركزي حديث، وخدمة النقل الإسعافي خارج المستشفى، وهي الوحيدة التي تقدم خدمات التطعيم ضمن البرنامج الوطني في مخيم الزعتري الأردن، وهي الوحيدة التي تقدم الأدوية لكل الأمراض المزمنة بشكل كامل دون انقطاع.

جميع المرضى الذين يحوّلون للعلاج خارج المخيم في مستشفيات عمومية أو خاصة، تجري تغطية تكاليف علاجهم كجزء من البرنامج الممول من مؤسسة القلب الكبير.

تعليقات

تعليقات