أفلح المهاتما غاندي ببساطته وزهده وصدقه أن يقود بلاده الكبيرة على مهاد حركة التحرر الوطني فكان أن أوصل الهند إلى ضفاف التخلص من سيطرة إمبريالية واستغلال استعماري كانت قد فرضته بريطانيا الامبراطورية على أقدار الهند على مدار عقود طويلة من الزمن امتدت كما هو معروف من مطالع القرن الثامن عشر وحتى قرب انتصاف القرن العشرين.
بالمقياس نفسه يمكن التعامل مع شخصية قيادية أخرى تنتمي إلى قارة آسيا وعند جنوبها الأقصى. وهنا نتحدث عن قائد، شخصية قيادية من الصين هذه المرة، رحل صاحبها قرب نهايات القرن الماضي.. ولكن بعد أن نجح بكل مقياس في تمهيد الطريق نحو صعود الصين ــ كما أصبح معروفاً ومشهوداً في لحظتنا الزمانية الراهنة إلى حيث أصبحت في مقدمة الاقتصادات النامية بل هي الصاعدة والناهضة على المسرح الدولي بأسره.
ماوتسي تونغ
نتحدث عن رجل اسمه «دينغ هيساو بنغ». تسلم مقاليد الأمور في بلاده عقب رحيل زعيمها التاريخي ومؤسس جمهورية الصين الشعبية الاشتراكية ــ «ماوتسي تونغ» الذي قاد الكفاح الوطني لبلاده عبر ما أصبح يعرف في تاريخ العالم الحديث باسم «المسيرة الكبرى»، ثم قاد المقاومة الوطنية ضد السيطرة الأجنبية اليابانية وضد فلول الإقطاع وبقايا النظم الزراعية المتخلفة ومخلفات التآمر الاستعماري بحق الشعب الصيني الذي سبقت القوى الغربية الإمبريالية إلى الزج بأبنائه في اتون ودوامات ما عرف باسم « حرب الأفيون» إلى ان نجح الزعيم «ماو» ورفاقه في الخروج من هذا كله إلى حيث تأسيس الدولة الجديدة في عام 1949.
دينغ هيساو
رحل «ماو» عن الدنيا في عام 1976.. وعاشت بلاده ثلاث سنوات في ما يشبه دوامة الحيرة والارتباك إلى ان تسلم قيادتها «دينغ هيساو» في عام 1979 ليجسد، بحكم إنجاراته.. بل في ضوء التحولات الراديكالية التي بشر بها واستطاع إنجازها في كل مرافق وأوصال الحياة في بلاده رمزاً تاريخياً يشار له بكل بنان.
ومرة أخرى.. فإذا تأملنا صورة الزعيم الصيني المذكور لوجدناها أبعد ما يمكن ان يذهب إليه الخيال إزاء الصورة المنطبعة أو القالب النمطي (Streo type) لحكاية القائد الكاريزمى.
لقد صعد الرجل إلى مراقي القيادة وقد تجاوز الخامسة والسبعين.. وكان أيامها لايزال محافظاً على ارتداء تلك الحلة المتواضعة التي اختارها. هل نقول فرضها سلفه الزعيم ماوتسي تونغ على كل رجال الصين طوال عقدي الخمسينات والستينات..
ومن ثم إلى مطالع السبعينات من القرن العشرين.. وهي تلك البزّه من نوع السفاري المنطبق على العنق بحيث لا يظهر منها لا قميص غال ولا ربطة عنق أنيقة.. ولا أي شيء جذاب ولا حتى لافتاً للنظر، لا من قريب ولا من بعيد..
فما بالنا أيضاً وقد كان الرجل قصير القامة.. حاد الملامح.. أبعد ما يكون أيضاً عن سكنى المقر الرئاسي في الميدان السماوي في قلب العاصمة بكين.. بل كان أقرب ما يكون إلى شخصية فلاح قادم لسكنى الحضر ولكن من أعماق الريف الصيني.. تلك الشخصية التي ترسبت أبعادها في ذهن القارئين بلغات شتي بعد ان طالعوا أبعادها وسلوكياتها في الرواية التي سبقت إلى إبداعها الكاتبة الأميركية «بيرل بَكْ» (1892-1973) وأصدرتها في عام 1931 بعنوانها الشهير «الأرض الطيبة».
وفيما تحدثت الروائية الأميركية عما عايشته في صين - ذلك الزمان من تقاليد عتيقة وعوائد ينتمي بعضها إلى قرون خلت من عمر الزمن، فقد أوردت أيضاً بعضاً من لمحات التغيير التي أُضيفت على حياة وسكان ذلك البلد الآسيوي العتيق وخاصة بعد جولات الكفاح الوطني التي قادها خلال العقود الأولى من القرن الماضي حزب «الكوندتنانج» وزعيمه الكبير « صن يات صن».
أخطاء الزعامة
ولأن الاجتهاد البشري يصيب ويخطئ.. ولأن الزعماء والقادة الكبار معرضون دوماً لمغبة الخطأ وثمرة الصواب، فقد حقق ماوتسي تونغ ورفاقه من صفوة قيادات الحزب الشيوعي الصيني وفي مقدمتهم رئيس وزراء الصين المثقف «شوين لاي» إنجاز بناء دولة الصين الشعبية، على نحو ما أسلفنا، ثم واصلوا تدعيم قدراتها التي كانت قد وهنت بشده نتيجة القتال ضد المحتل الياباني فضلاً عن الصراعات الداخلية والحروب الأهلية التي شهدها عقدا الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي..
مع هذا كله فقد ظلت صين تلك الحقبة التي بدأت مع منتصف القرن تعاني، في تصورنا، من أسوار العزلة التي استطاع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ان يفرضها على صين ــ ماوتسي تونغ.. ولدرجة ان ظلت الصين عبر السنوات الفاصلة من أواخر العقد الأربعيني إلى أواخر العقد السبعيني محرومة من مقعدها المشروع بوصفها عضواً دائماً ومستحقاً لحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وكان ذلك وضعاً بالغ الغرابة والشذوذ، حيث كانت الصين ــ الأم بشعبها الذي كان في طريقه إلى المليار نسمة من حيث العدد، محروماً من ذلك المقعد الذي يستحقه بموجب الأعراف الدولية فيما كان المقعد تشغله تحت وطأة الضغط الأميركي دولة الصين «الوطنية» التي عرفت وقتها باسم فورموزا ومن ثم تايوان ــ الجزيرة التي لم يكن سكانها يتجاوزون من حيث العدد ثلاثين مليون نسمة قد يقل أو قد يزيد.
ماو وكيسنجر وبوش
مع هذا كله، ولأن مسيرة الأحداث لا تتبع خطاً نمطياً واحداً، فقد شاءت أقدار الصين ان لا يرحل زعيمها «ماو» في عام 1976 إلا بعد ان انفتحت ثغرة أو كوة ظلت دائبة التوسع في جدار العزلة والانغلاق.. وكان ذلك في السنوات الأولى لعقد السبعينات.. حين استضاف الطرفان الأميركي والصيني فرقتين من لاعبي البنغ بونغ وكانت تلك فاتحة لاستهلال نهج في دنيا السياسة ومضمار الدبلوماسية دخل معجم العلاقات الدولية المعاصرة تحت اسمه الشهير: دبلوماسية تنس الطاولة.
والمعنى أن كانت تلك الفعاليات الرياضية بداية لبدء علاقات دبلوماسية بين واشنطن وبكين. وفي هذا السياق اشتهر اسم «هنري كيسنجر» بوصفه ساحر الدبلوماسية، فيما اشتهر اسم «ماوتسي تونغ» بوصفه الشخصية التي فتحت الباب كي تفسح سبل الدخول لمن دقوا على أبواب سور الصين العظيم على نحو ما عبرت يومها كلمات الزعيم الصيني المذكور.. وبعدها أوفدت أميركا أول سفير لها إلى عاصمة الصين، ولم يكن صدفة ان كان السفير هو ور بوش ــ الأب رئيس الولايات المتحدة فيما بعد.
دينغ هيساو بنغ
وقد يسترعي اهتمام الباحث معاودة الاهتمام أخيراً بتطورات الأمور في الصين.. وبالذات مع صدور أحدث كتاب في هذا المضمار عكف على تأليفه باحث أميركي كبير هو البروفيسور «عزرا وجل» أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة هاررد المرموقة بالولايات المتحدة.
وقد صدر الكتاب ليتناول حياة وأعمال الرجل الذي خَلَف «ماو» في إدارة شؤون الدولة الصينية ومن ثم خَالَفه من حيث المفاهيم التي انطلق منها والسبل التي سلكها والأدوات السياسية والاقتصادية التي توسل بها والشعارات المستجدة التي طرحها واستأثرت باهتمام جمهرة المحللين خاصة وأنها جاءت على عكس ما كان يذهب إليه مؤسس الدولة الصينية.
صدر الكتاب بعنوان «دينغ هيساو بنغ». ولكن المؤلف حرص في عنوانه الفرعي على ان يوضح لقارئيه انه ليس معنياً بالشخصية بقدر ما كان معنياً بالنهج الذي اختطته تلك الشخصية للصين.. حاضرها ومستقبلها. ولذلك فقد جاء العنوان الفرعي على النحو التالي: التحول في الصين (أو تحويل الصين).
ومن الواضح أن الأستاذ الأميركي يقصد تحويل الصين من وضع العزلة إلى حالة الانفتاح، ومن الانكباب على الاستهلاك في الداخل إلى الانطلاق نحو الإنتاج بقصد التصدير للخارج.. ومن انغلاق الثورة الثقافية التي أغلقت جامعات البلاد.. إلى انفتاح النهج الأكثر استناره الذي بدأ في رفع أسوار العزلة .
وبما أدى منذ حقبة «دينغ هيساو» إلى فسح السبيل أمام تدفق المعلومات حيث بدأ هذا التدفق ضمن ما قد نصفه انه مسارب أو جداول، إلى حيث تحول إلى أنهار متدفقة بالأفكار والمعلومات التي ما برحت تبني جسوراً من التواصل والوشائج التي قصدوا بها ان تربط بصورة دينامية بين الصين وبين ما يجري في العالم.
التعليم أولاً
وقد يسترعي الانتباه، من منظورنا العربي بالذات، تلك الأهمية التي بات رفاقنا الآسيويون يُولونها للتعليم في سياق عملية التنمية التي يباشرونها في أقطارهم.. يستوي في ذلك الزعيم المسلم مهاتير محمد في ماليزيا.. مع الزعيم الصيني الذي تناول سيرته وإنجازاته الكتاب الأميركي الذي أومأنا إليه.
حيث أكد «دينغ هيساو» على أهمية التعليم، موضحاً منذ سنوات ان التعليم هو قاطرة التنمية، لا من أجل تنوير وتوعية جماهير شعبه وحسب، وذلك هدف مطلوب ومحمود في حد ذاته ولكن أيضاً، ومن الناحية العملية، لأن التعليم في ظل تحسين جودته وترقية مستواه هو في الأساس الينبوع الثري الذي تصدر عنه الكوادر المدربة والمقتدرة نظرياً وعملياً من الموارد البشرية التي أجمع بوسعها الآن.
وبعد نحو 15 سنة من رحيل الزعيم الصيني المذكور- ان تزود أسواق عالمنا بتدفقات لا تكاد تنقطع من السلع والأدوات والآلات التي تكاد تغمر هذه الساحات الاستهلاكية وفي مقدمتها سوق الاستهلاك الأميركية، ولدرجة رفعت الصين إلى مصاف الدولة الدائنة رقم واحد في العالم.. فيما جعلت من الولايات المتحدة بجلالة قدرها، الدولة المدينة رقم واحد أيضاً في هذا العالم نفسه.
القوة والثراء
والحق أن الزعيم الصيني، وكان كما أسلفنا في سن الخامسة والسبعين كان لديه من دينامية الفكر وقوة الإرادة ما دفعه وقتها (1979) إلى ان رفع شعاراً بالغ التبسيط ولكنه عميق التأثير في آن معاً. والشعار يقول: دعونا نحّول بلادنا.. كي نجعل من الصين بلداً يجمع بين القوة والثراء.
والمعروف أن هذا الشعار ظهر إلى الوجود خلال انعقاد المؤتمر الثالث عشر للحزب الحاكم.. أي بعد ان صعد «دينغ هيساو» إلى سدة السلطة في بكين وان كانت الموهبة القيادية للرجل تمثلت في وضوح فكره وقدرته على التبسيط غير المخلّ بجوهر الأشياء.. ومن هنا جاء اهتمامه أيضاً بطرح المعضلة أو المسألة الصينية على أساس أنها تضم مركزاً ذا جناحين وباعتبار ان المركز (أو المحور) يشير إلى هدف النمو الاقتصادي. أما الجناحان فأولهما اسمه «الإصلاح» (في مجال التعليم بالذات) والثاني اسمه «الانفتاح» ( الواعي على ما يدور في طول العالم وعرضه ).
وقد ظلت عناصر هذه المعادلة الجوهرية في حال من التفاعل ضمن بوتقة العمل الوطني حتى بعد رحيل الرجل عن الدنيا في عام 1997.. وظهرت تجلياتها في درجة الكفاءة والدقة إلى حد الإبهار، على نحو ما شهد به العالم والعصر خلال استضافة بكين دورة الألعاب الأولمبية الشهيرة في عام 2008.
العظماء بأعمالهم وليس بشكلهم
يظل البون شاسعاً، وهذا أمر طبيعي وإنساني أيضاً، بين النظرية والتطبيق أو بين الرؤية الفكرية وساحة الواقع بكل تجلياته ودينامياته وتعقيداته. ويتجلى ذلك مثلًا في ما يمكن أن نعاينه من فرق بين طروحات عالم الاجتماع الألماني «ماكس فيبر» بشأن نظرية القيادة الكاريزمية التي رأي «فيبر» أنها قد تتجسد في تلك النوعية شبه النادرة من الزعامات التي تتمتع بجاذبية آسرة لجماهير البشر، الذين تؤثر فيهم شخصية القائد أو الزعيم، بفضل ما تمتعت به تلك الشخصية من مواهب بدنية وعقلية.
بيد ان الواقع والتاريخ لا يلبث يفند هذا الطرح النظري، ففي مجال التطبيق يصعب القول مثلًا ان رجلاً مثل غاندي تنطبق عليه مواصفات كاريزما الزعامة. ومع ذلك فقد قاد غاندي شبه القارة الهندية، كما هو معروف، إلى فضاءات التحرر من السيطرة الإمبريالية البريطانية وأيضاً إلى آفاق ما برحت واعدة عبر عقود الزمن بمواصلة مسيرة الهند إلى مستويات أعلى من التنمية والتقدم.
ويصدق الشيء نفسه، أو يكاد يصدق، على الزعيم الصيني «دينغ هيساو بنغ» الذي تسلم مقاليد الأمور في الصين بعد 3 سنوات من رحيل زعيمها التاريخي «ماوتسي تونغ» دون ان يكاد يصدق على «دينغ هيساو» أي من خصائص كاريزما الزعامة.. ولكن الرجل استطاع ان يستخدم دينامية الشخصية كي يتحول بالصين من الانغلاق السياسي والجمود عند الدوجما المذهبية.
وبادر إلى طرح وتفعيل شعارات الانفتاح إزاء تحديات العالم الخارجي وإلى دفع عجلة التنمية وإعادة فتح الجامعات والتركيز على التعليم وجدواه في تدريب وتخريج الكوادر والكفاءات اللازمة لكل مسارات النمو. وكان في ذلك تمهيد للمكانة المتميزة التي تتمتع بها الصين في الوقت الحالي.
عندما طرح رؤيته النظرية بشأن أنماط قيادة الشعوب، لم يكن المفكر الألماني ماكس فيبر (1864-1920) يتصور ان نظرياته يمكن ان تجد تفنيداً لها على مسرح الواقع المعاش بقدر ما وجدت من يتحمس لها ويروجها بوصفها فتحاً من فتوحات علم الاجتماع السياسي.
لقد ارتبط اسم «فيبر» بحكاية القيادة الكاريزمية بمعنى حكاية ــ هل نقول أسطورة ــ القائد أو الزعيم الموهوب سواء من ناحية بسطة الجسم وجاذبية الشخصية أو من ناحية سحر البيان والقدرة الآسرة على ان يحشد جماهير الناس الذين يؤمنون بما يقول ومن ثم فهم يتبعون خطاه على ذات الطريق.
وفيما شهد التاريخ القديم والمعاصر أنماطاً من هذه الشخصيات التي انطبقت عليها مواصفات الكاريزمية، فقد شهد التاريخ نفسه شخصيات وقيادات فندّت بوجودها وبمسيرتها بل وإنجازاتها طروحات الفيلسوف الألماني، وكادت تؤكد ان حكاية الخصائص والمواصفات التي بشر بها فيبر ما هي إلا اجتهادات شخصية في التحليل الأخير.
تأمل مثلاً شخصية زعيم مازالت سيرته وما برحت مآثره وإنجازاته مسجلة بحروف من نور في دفتر التاريخ.. نتحدث عن «موهنداس.. المهاتما غاندي».. صحيح أن قومه اضفوا عليه لقب الروح الأعظم.. ولكن الصحيح أيضاً ان مرأى الزعيم الهندي.. ما بين ملامحه الداكنة.. وحلاقة شعره العتيقة ونظارته الطبية المتواضعة الإطار وطبعاً الزهيدة الثمن..
فما بالك بتلك الأسمال التي كانت أو كادت تستر أعضاءه. كل هذا لم يكن ليوافق ما ذهبت إليه نظريات «فيبر» ولا أي نظريات مماثلة بالنسبة للقائد الكاريزمي الذي تنقاد من خلفه جموع الملايين. لكن غاندي فعلها كما قد نقول حين واصل كفاحه الوطني المقدس وحين اكتسب محبة الملايين من أبناء شبه الجزيرة الهندية على اختلاف الأديان والمذاهب والطوائف.. يستوي في ذلك الهندوكي والسيخ بقدر ما يستوي المسلم والبوذي.
