الكتاب موضوع هذا المبحث صدر ليحمل العنوان التالي: «أثر القوة البحرية في التاريخ». وحمل غلاف الكتاب اسم مؤلفه «ألفرد ثاير ماهان» (1849-1914) الذي درس العلوم العسكرية في كلية «وست يونيت» الشهيرة وشغف بالعلوم والقضايا البحرية التي تخصص فيها ثم قام بتدريسها في الكليات المعنية بهذا الموضوع، لا من زاوية العلم العسكري وحسب، ولكن من زاوية تأثير القوة البحرية على الأوضاع السياسية والتطورات الاقتصادية على مستوى العالم كله.
تاريخ المصطلح
وتفيد سيرة المفكر «ماهان» بأنه تولى في عام 1902 رئاسة الجمعية التاريخية الأمريكية.. ومن خلال تحليلاته السياسية ومحاولة استشراف آفاق العلاقات الدولية في مفتتح القرن العشرين استطاع «ماهان» أن يتنبأ بهزيمة البحرية (الإمبراطورية) الألمانية في حالة دخولها معمعة الصراع الدولي.. وهو ما حدث بالفعل بعد نبوءته بنحو 12 عاما هو تاريخ نشوب الحرب العالمية الأولى.
ورغم أن عام 1902 هو الذي شهد، كما ألمحنا صدور تلك النبوءة إلا أن اهتمامنا بالعام المذكور، ومن زاوية منظورنا العربي، إنما يرجع إلى أنه شهد إطلالة متعمقة من جانب «ألفرد ثاير ماهان» على الربوع التي تعيش فيها أمتنا العربية ومن يجاورها من أمم وشعوب ثم يخرج «ماهان» بصياغة المصطلح الذي مازال مشحونا بألف ألف دلالة، والمصطلح هو «الشرق الأوسط».
أصبح عمر هذا المصطلح الآن 110 سنوات بالتمام والكمال.. ومع ذلك فقد حارت البرية كما يقول التعبير المتواتر في رسم حدود المنطقة التي يصدق عليها المصطلح المذكور. ويكفي أن نقول أن الاستراتيجي الأميركي «ماهان» رسم خارطته الخاصة عبر المسطح المائي الشاسع الأرجاء ليحدد الشرق ـــ شرْقه الأوسط كما قد نسميه في المنطقة التي تبدأ من مدينة السويس شرقي مصر .
وتنتهي عند سنغافورة الجزيرة الشهيرة والديناميكية أيضا، الواقعة في جنوب الشرق الآسيوي. وهنا يتفق المحللون أن تحديد «ماهان» الأميركي لهذه المنطقة إنما جاء من واقع ما ارتآه وقتها أمرا حيويا من الزاوية الاستراتيجية بالنسبة لمصالح بريطانيا العظمى وإمبراطوريتها التي لم تكن تغيب الشمس عن رقعتها في ذلك الزمان شبه البعيد.
التركة العثمانية
هذا المنطلق على نحو ما يذهب إليه المحلل الأميركي المعاصر البروفيسور «مايكل هدسون» - هو الذي ظل معتَمدا من جانب رجال السياسة في لندن عبر تلك الفترة التي بلغت، كما ذكرنا، قرنا ونيفاً من عمر الزمان.. حيث كان هؤلاء الساسة يتصورون منطقتنا واقعة في وسط طرق التبادل الاقتصادي التجاري وسبل المواصلات ومحاور التواصل بين مواقعهم في غرب أوروبا وبين «ممتلكاتهم» الممتدة إلى الشرق الأقصى.
بل إن البروفيسور «هدسون» يذهب إلى أن الناس في عالم الغرب ظلوا على مدى فترة زمنية طويلة.. يربطون بين «الشرق الأوسط وبين ميراث أو تركة الكيان الضخم الذي عاش نحو 400 سنة أو أكثر، مهيمنا على أقطار شتى ومساحات شاسعة وشعوب عديدة، وكان متمثلا في الإمبراطورية العثمانية التي كان لابد وأن تصاب بوهن الشيخوخة وتصلب الشرايين السياسي حتى لتطلق عليها أوروبا ربما منذ منتصف القرن التاسع عشر.. الوصف الشهير التالي «رجل أوروبا المريض»
وكان الشائع أن تحدد تركة «الرجل العثماني العليل» بأنها تلك الرقعة التي تمتد من دواخل هضبة الأناضول شرقي المتوسط كي تضم الأصقاع العربية في آسيا شرقا، والساحات البلقانية في جنوبي أوروبا غربا، ولكن مع إضافة مصر في كل حال.
أهل الشرق
والمهم أن كان العلماء والساسة ورجال الدولة في الغرب يطلقون على أهل الأجزاء الآسيوية وصف أهل الشرق (أورينتال) ويقصدون بذلك على أساس،بالسلب والإيجاب، الشعوب التي تدين بعقيدة لا تروق للغرب اسمها «الإسلام».. فضلا عن تصورهم بأن تلك الشعوب تتملكها، بل تتقمصها، كما يضيف «مايكل هدسون» موروثاتها التقليدية الراسخة من أعراف ثقافية وعوائد اجتماعية فضلا عما كانت ترزح تحت وطأته في ذلك العهد البعيد من نظم حكم قامت وقتها على أسس من التحكم والاستبداد.
ماذا عن الواقع الراهن الذي تعيشه اليوم منطقة الشرق الأوسط؟
لقد أصبحت المنطقة محوراً لاهتمام العالم.. يستوي في ذلك الساسة والمحللون والأكاديميون وربما قطاعات واسعة النطاق من الجمهور العالمي في شرق العالم وغربه على السواء.
ولم يعد هذا الاهتمام مقصورا، على نحو ما سبق، على الموقع الاستراتيجي لمنطقة الشرق الأوسط ولا على كونها واحدة من أهم المواقع النقطية في عالمنا، من زاوية الإنتاج أو الاحتياطي، بل زاد على هذه العوامل الحيوية ما باتت تشهده المنطقة من تحولات ومتغيرات كان لابد وأن تكون، وأن تظل، موضعا للرصد والمتابعة والدرس والتحليل، فضلا عن التنبؤ السياسي والاستشراف العلمي.
اهتمام أكاديمي
ويندرج في حيز هذا الاهتمام.. تلك الدراسة التحليلية والتفصيلية التي نشرها البروفيسور «مايكل هدسون» في أحدث الأعداد الصادرة من مجلة «كرنْت هستوري» المهتمة برصد الأحداث والتطورات السياسية: نشير هنا إلى عدد ديسمبر 2011 من المطبوعة الأميركية التي عمدت إلى تخصيص العدد بأكمله ليحمل ملفا واحدا ومتكاملا أو شبه متكامل يحمل بدوره العنوان التالي: الشرق الأوسط.
وبالمناسبة أيضا فقد قدمت «كرنْت هستوري» لصاحب الدراسة التي نحيل إليها في السطور الحالية وما قد يتلوها من مبحث آخر، بأنه «مايكل هدسون» مدير معهد الشرق الأوسط بالجامعة الوطنية في سنغافورة.
وفي ذلك دلالة بديهية تفيد بالطبع إلى ما أصبحت تحوزه منطقتنا من أهمية لدرجة أن تكون محورا لاهتمام مؤسسة أكاديمية في سنغافورة وفي غيرها.
أغنياء فقراء
المهم أن «مايكل هدسون» يؤكد في دراسته أن منطقتنا تغيرت أحوالها جذريا عما كانت عليه في الماضي: أصبحت في رأيه أكثر تطورا وأعلى أهمية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بقدر ما أصبحت أشد خطرا عما كانت عليه أحوالها منذ 100 عام مضت، وهنا يحيل الأكاديمي الأميركي إلى المفكر العربي الدكتور «كلوفيس مقصود» الذي وصف الشرق الأوسط.
وبالذات، منطقة الأمة العربية بأنها «أمة غنية وإن كان أهلها فقراء».. خاصة وأن المنطقة تعيش حاليا فيما أصبح يعرف بأنه «أزمة الهوية» حيث باتت تتفاعل على رقعتها تيارات سياسية وعقائدية متضاربة أحيانا بل متصارعة في أحيان أخرى.
ثم يضيف البروفيسور «هدسون» قائلا: إن الشرق الأوسط توقفت أهميته الحيوية التي سبقت عندما كانت المنطقة تضم محاور ومعابر الطرق إلى الهند - درّة التاج الإمبراطوري البريطاني في حقبة أصبحت بعيدة في الزمن الحديث هي الحقبة الكولونيالية. ولكن الشرق الأوسط في اعتبار المحلل الأمريكي، مازال مهما، وربما ازدادت أهميته الآن من الناحية الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة بشكل خاص ولصانعي السياسة الغربيين بشكل عام، بقدر ما أصبح مصدرا لقلق وهواجس ما برحت تساورهم وتقّض مضاجعهم باستمرار.
تعريف الهوية
والطريف من ناحية الهوية أن الباحث الأميركي المذكور يؤكد أنه لم يسمع واحدا من أهل المنطقة يعرّف نفسه أو يحدد هويته ليقول مثلا: أنا شرق أوسطي.
والحاصل أنه دائما يسمع من أهل المنطقة من يقول أولا.. أنا عربي.. وقد يتبعها (ربما على سبيل التخصيص أو التحديد) على نحو ما يوضح البروفيسور «هدسون» - حيث يقول: أنا مصري أو أنا مسلم.. الخ.
بل إن من مثقفي المنطقة من يتحفظ، إلى درجة الرفض أحيانا على استخدام أو تعميم أو استسهال مصطلح الشرق الأوسط لأنه يرتبط في رأي هؤلاء المثقفين بتراث الحقبة الإمبريالية وطروحات الغرب وآثارها على فكر ووجدان شعوب المنطقة، خاصة شعوبها الناطقة بالعربية.
تغيير الخارطة
وقد يهمنا في هذا السياق أيضا أن نعرف كيف تخضع خارطة المنطقة الشرق أوسطية لعمليات الجمع والطرح.. الزيادة والإضافة، الحذف أو الاستبعاد على السواء: في الدراسة المنشورة في مجلة «كرنت هستوري» أن معهد الشرق الأوسط أصدر أول أعداد من مجلته الدورية في عام 1947 ونشر خارطة منطقة الشرق الأوسط كما تصورها ولكن بنوع من «السخاء الجغرافي» .
حيث تصوَّر امتداد المنطقة من المغرب (مراكش) وعبر أقطار الشمال الأفريقي ثم مصر والسودان فضلا عن أثيوبيا والصومال في القرن الأفريقي.. وبعدها قفز التصور عبر البحر والمحيط الهندي إلى إيران وأفغانستان ثم باكستان والهند.. دون أن تفوته أيضا الأقطار المسلمة في وسط آسيا: بيد أن معهد الشرق الأوسط ما لبث في عام 2005 أن قام بتعديل خارطته «السخيّة» المذكورة أعلاه.
حيث استبعد منها منطقة القرن الأفريقي، في حين أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية مازالت تسند منذ عام 1975، وكما يضيف البروفيسور هدسون، شئون الشرق الأوسط من حيث المعلومات العلنية والسرية.. فضلا عن العمليات النظيفة وطبعا العمليات التي على خلاف ذلك، إلى مكتب يحمل لافتة «شئون الشرق الأدنى وجنوب آسيا» وهو يغطي كما تقول دراسة «هدسون» جميع أقطار العالم العربي إضافة إلى كل من إيران وباكستان وأفغانستان والهند وبنغلاديش..
ورغم أن دوائر الاستخبارات كما تضيف الدراسة الأميركية التي نحن بصددها تستبعد تركيا بالذات من مجال الشرق الأوسط، إلا أنها مازالت تسلّم بأن «الشرق الأدنى» و«الجنوب الآسيوي» منطقتان مختلفتان.
عند هذا المنعطف من المبحث نطرح التساؤلات الجوهرية التي تنشأ بعد الحديث عن جذور التسمية وتطور التعامل مع الشرق الأوسط وهي تساؤلات تتعلق بمستقبل المنطقة وما تضمه من البلدان والشعوب والآمال والهموم.
هذا هو موضوع الجزء الثاني والأخير المتمم لهذا الحديث إن شاء الله.
أوروبا وأميركا ومبدأ مونرو
عمدت مجلة وقائع التاريخ المعاش المعروفة باسم «كَرْنت هستوري» الصادرة في أميركا إلى تخصيص أحدث أعدادها الشهرية (عدد ديسمبر 2011) للملف المحوري الذي يحمل عنوان «الشرق الأوسط».
ومن محتويات هذا الملف دراسة لواحد من الخبراء الأمريكيين المتخصصين في قضايا المنطقة، الذي اهتم بمتابعة منشأ التسمية موضحا كيف دخل مصطلح «الشرق الأوسط في أدبيات السياسة الدولية في عام 1902 مع صدور كتاب مهم ارتأى في المنطقة محوراً لطرق المواصلات البحرية، ومعبرا للتواصل بين العواصم الإمبريالية الغربية وممتلكاتها الاستعمارية في أرجاء قارتيْ أفريقيا وآسيا، ولقد جاءت هذه النظرة مقترنة بالتعامل مع أرجاء العالم العربي بالذات على أنه جزء من «تركة» «الرجل المريض» .
وهو التعبير الذي كان يصدق منذ انتصاف القرن 19 على ما آلت إليه أحوال الإمبراطورية العثمانية التي أغلقت صفحتها من سجل التاريخ مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. والحاصل أن زادت أهمية منطقة الشرق الأوسط مع اكتشاف النفط وتطور الأحوال الاقتصادية في المنطقة وإن كانت الدوائر المختصة، سواء في عالم الأكاديميا أو الاستخبارات مازالت على اختلاف فيما بينها بشأن الأقطار والشعوب التي تغطيها تسمية الشرق الأوسط رغم الاستقرار في نهاية المطاف على أنها تشمل العالم العربي إضافة إلى إيران وربما أصقاع أفغانستان وباكستان.
في عام 1980 صدر في الولايات المتحدة كتاب في مجال الاستراتيجية الدولية كان له صدى واسع النطاق في دوائر شتى خلال ذلك العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وكان العقد التسعيني المذكور يشكل ذروة المد الإمبريالي الذي دفع بالدول الاستعمارية الكبرى، وفي مقدمتها بالطبع كل من إنجلترا وفرنسا، إلى احتلال أصقاع واسعة شتى من خارطة القارتين الأفريقية والآسيوية.
فيما كانت أميركا قابعة وراضية ببسط نفوذها وهيمنتها السياسية على «ردهتها الخلفية» كما كانت تسميها على امتداد منطقة أميركا الوسطى وجُزرها المنبثة في مياه البحر الكاريبي ومنها إلى أرجاء قارة أميركا الجنوبية حيث كانت الولايات المتحدة قد ورثت بصورة أو بأخرى تركة الهيمنة الاستعمارية الإسبانية على تلك القارة اللاتينية.
وحيث تكرست عناصر النفوذ الأميركي الشمالي مجسدة فيما يعرف حتى الآن في حوليات التاريخي الأميركي باسم «مبدأ مونرو» الصادر عن واشنطن في عام 1824 بإعلان إطلاق يد الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي (الهيمسفير) الذي يضم بداهة كلا من قارتي أميركا الشمالية والجنوبية وكلتاهما تتحصن جغرافيا خلف متراس عملاق من صنع الطبيعة اسمه المحيط الأطلسي.
مبدأ مونرو بيان أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو في رسالة سلّمها للكونجرس الأميركي في 2 ديسمبر 1823م. نادى مبدأ مونرو بضمان استقلال كلِّ دول نصف الكرة الغربي ضد التدخل الأوروبي بغرض اضطهادهم، أو التّدخّل في تقرير مصيرهم. ويشير مبدأ مونرو أيضاً إلى أن الأوروبيين الأمريكييّن لا يجوز اعتبارهم رعايا مستعمرات لأي قُوى أوروبية في المستقبل. والقصد من هذا البيان هو أن الولايات المتحدة لن تسمَح بتكوين مستعمرات جديدة في الأميركتين، بالإضافة إلى عدم السماح للمستعمرات التي كانت قائمة بالتوسع في حدودها.
ومن المحتمل أن مبدأ مونرو لم يأت بفائدة تذكر للولايات المتحدة من وجهة النظر التجارية؛ لأن أوروبا استمرت في الحصول على النصيب الأكبر من تجارة أميركا اللاتينية، والتي حصلت بريطانيا على أكثرها. كما أن المبدأ لم يحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وأقطار أميركا اللاتينية أيضاً. حيث إن الدول التي يفترض أن تحميها هذه الفلسفة قد استاءت من الطريقة التي فرضت بها الولايات المتحدة استعلاءها عليها؛ فقد تخوفت هذه الدول من هيمنة الشمال أكثر من تخوفها من أي دولة أوروبية.
