بديهي أن محاولات استشراف المستقبل صاحبت وجود الإنسان فوق سطح الأرض.. ليس أدل على ذلك ما حفلت به سجلات الحضارات البشرية من صفحات قراءة الطالع ورصد النجوم والربط بين مصائر الناس وبين حركة الأفلاك والأبراج.. إلى آخر ما حاوله البشر من التنبؤ بما ستصير إليه الأحوال فوق سطح الكوكب.. ولعل أشهر المحاولات المعروفة في التاريخ الحديث تلك التي مازالت مرتبطة باسم «نوسترداموس» (1503-1566) .

 

إيكاروس وابن فرناس

مع تطور العقل البشري.. وبلوغ الحضارة الإنسانية آفاقاً أبعد من حيث الرشد أو النضج ظل التطلع إلى المستقبل مرهوناً بإطلاق العنان للخيال البشري كي يحلق في أجواء الابتكار والاختراع، وكانت تلك هي الطاقة الدافعة التي حفزت مواكب من أجيال المبدعين والمبتكرين.

ومن قبلهم أجيال الحالمين إلى أن يستشرفوا آفاقاً أوسع وآماد أبعد تتجاوز «الراهن» من حياة الناس إلى محاولة ملامسة «الآتي» من حيث تطوير قدرة الإنسان على المزيد من تطويع عناصر الطبيعة لصالح تطوير، وأحياناً تثوير، أساليب الحياة على سطح الأرض..

وهو ما يرادف بداهة ترجمة عملية لتكليف الإنسان من لدن الخالق عز وجل بعمران الكون بكل ما يحفل به الكون من موارد وإمكانات. ومن أجيال الحالمين ترد أسماء كثيرة تنتمي الى ثقافات وحضارات شتى، ما بين «إيكاروس» ابن الحضارة الإغريقية القديمة الذي تقول الأسطورة القديمة إنه اصطنع لنفسه أجنحة من ريش يحلق بها في السماوات.

ولكنه سقط في البحر المحيط بجزيرة كريت بعد أن انصهرت أحزمة الشمع التي استخدمها في أول محاولة عرفها الإنسان لمحاكاة الطيور في الارتفاع إلى أجواء الفضاء. وقد كرر نفس المحاولة.. ولكن دون النهاية المأساوية مواطننا الأندلسي المسلم «عباس بن فرناس» المتوفى عام 888 للميلاد.

 

الخيال العلمي

بيد أن مؤرخي المستقبليات في العصر الحديث يتوقفون ملياً عند الكاتب ــ المفكر الفرنسي «جول فيرن» (1828-1905) الذي يقول مؤرخو سيرته إنه كان رائداً في ابتكار ذلك النوع ــ الفصيل الأدبي والفكري الذي مازال يحمل عنوان «الخيال العلمي»، وهو ما تجلى في أعماله التي مازالت ماثلة في الأذهان، ومنها ما لايزال موضع إقبال بشغف لا يخفى من جانب جماهير القارئين. وفي مقدمة هذه الإبداعات كتاب «فيرن» بعنوان «رحلة إلى مركز الأرض» وكتاب «20 ألف فرسخ تحت سطح البحر»، فضلا عن كتاب «حول العالم في ثمانين يوما».

ولأن الاجتهاد البشري لا يزال يشكل سلسلة متواصلة الحلقات، ولأن الإنسان، كما أبدعه خالقه عز وجلّ، كائن موصوف بل محظوظ بميزة الفضول.. فقد شاءت أقدار «جول فيرن» الفرنسي أن يواصل ما سبق إليه «عباس بن فرناس» الأندلسي في محاولة ارتياد أجواء فضاء الله الفسيح..

ولكن بحكم القرون العشرة التي فصلت بين الرائديْن وشهدت بالتالي ما استطاع العقل البشري أن يراكمه من اجتهادات وإبداعات وإضافات إلى رصيد الخبرة الإنسانية بحثاً وفكراً وعلماً وتنظيراً وتجريباً، فقد عمد «فيرن» الى استيعاب وبلورة هذه الخبرة في مجال التحليق إلى الأجواء العلا.. واستطاع في عام 1885 أن ينشر كتابه الأشهر الذي يطرح فكرة تدور حول رحلة يقوم بها الإنسان على متن مركبة فضائية ــ نعم فضائية إلى.. القمر!

 

قيمة العمل

كانت الفكرة نتاجاً لنسج الخيال.. جاءت أقرب الى «الفانتازيا» على نحو ما يصفها الكاتب الأميركي «جون مالوني» في كتاب شيق أصدره منذ سنوات تحت عنوان وثيق الصلة بالمبحث الذي تدور عليه سطورنا الراهنة.. والعنوان الرئيسي للكتاب هو: استشراف المستقبل، أما العنوان الفرعي، وهو بالطبع أكثر تحديداً وأوضح إبانة فيمضي كالتالي: «من جول فيرن الى.. بيل جيتس».

والحق أننا نعرض لمثل هذه الأنساق الفكرية ــ هذه التوجهات الابتكارية.. ونحرص على التطرق إلى أسماء لامعة، سواء في سجل التاريخ الحديث (مثل فيرن) أو في سجل الزمن الراهن (مثل جيتس) فيما يتمثل هدفنا الجوهري في استنهاض همّة الأجيال الطالعة من شباب الوطن العربي الكبير من أجل ارتياد مثل هذه الآفاق .

حيث يتعين عليها أن تطرح الماضي من وراء ظهرها وحسبها أن تعي دروسه المستفادة وأن تستلهم القيم الروحية المستمدة من تراثنا الروحي الأصيل.. وفي مقدمتها كما نتصور قيمة العمل بل قيمة إتقان العمل ومن ثم تنطلق هذه الأجيال الشابة مسلحة بإيمان قويم بالله.. وثقة راسخة في النفس، ونظرة واعية ومستنيرة إلى العلم ومنجزاته والمعرفة وثمارها، مستلهمة في ذلك هذه النماذج التي يفصل بينها.

كما ألمحنا، نحو قرن ليس إلا من عمر زماننا المعاصر، هي تلك الحقبة التي تفصل بين ثمانينات القرن التاسع عشر، وقد شهدت رؤية الفرنسي «جول فيرن» في استشراف المستقبل والتبشير بتطوير حركة الطيران في السماء بواسطة طيارة ومستقبل استكشاف أعماق البحار بواسطة غواصة..

فما بالنا برؤية الأميركي «بيل جيتس» الذي أهدى للعالم مفتاحاً يفضي الى ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات ودنيا الحواسيب الالكترونية الكفيلة ــ مع رشد الاستخدام - بالأخذ بيد البشرية أشواطاً بعيدة وطموحة إلى الأمام.

اختراع الفاكس

وبمناسبة عَالم الاتصالات ــ يعود بنا الكاتب «جون مالوني» إلى واحد من الفتوحات الباهرة أو التي كانت باهرة منذ نحو ربع قرن من زماننا الحالي.

نتحدث عن وسيلة «الفاكس» التي اضطر العرب الميامين إلى الإبقاء على اسمها في صيغته المعتمدة عند الفرنجة دون أن ينجحوا في تعريبها على نسق ما فعلوا في اصطناع لفظة البرق للتلغراف أو الهاتف للتليفون أو الحاسوب للكمبيوتر.

صحيح أن كان هــــناك من المصالح التجارية البـــــيزنس في عالمنا العربي - من كان يخاطب عملاءه بعبارة «فكسونا من فضلكم» لكن يبدو أن المسألة لم تخرج من حيز البيزنس إلى رحابة الاستخدام اللغوي الواسع الفسيح.

بيد أن المهم أن العقلية المجبولة على تجديد الابتكار هي التي دفعت صاحبها الفرنسي «جول فيرن» إلى تأليف عمل جديد وغريب جاء على شكل رواية تنتمي إلى فصيلة الخيال العلمي ثم نشرها في زمانه بعنوان: «باريس في القرن العشرين».

كان ذلك في عام 1863، وفيها أودع «فيرن» رؤيته عن حياة فرنسا (ومعها الإنسانية بشكل عام) في سنوات القرن العشرين الذي كان أيامها لا يزال مستكنا في ضمير الغيب. ومن عجب أن الناشر الفرنسي دفع الرواية الجديدة، الطموحة بعيداً وامتنع عن نشرها قائلاً:

آسف مسيو فيرن.

لماذا؟

- لأن الرواية تتحدث عن زمن مازال بعيدا وهو عام 1960 (يعني بعد 80 سنة أو نحوها).

وما المشكلة؟

إنك تحكي عن وسيلة اتصال وَتراسُل غريبة ولا يمكن تخيلها.. اسمها «الفاكس» وتنقل فيها الرسائل والصور لاسلكياً عبر الفضاء وتلك أفكار لا أتصور أن يصدقها جموع القراء أو يأخذونها على أي محمل من الجد أو التصديق.

تبسيط الحاسوب

ثم تشاء الأقدار أن يتكرر نفس الموقف أو ما يقاربه بعد 130 سنة.. وكان ذلك في عام 1995.. ويومها تساءل الناشرون عن إمكانية نشر كتاب جديد لشاب أميركي وثّاب الطموح اسمه «بيل جيتس».

كـــــان ذلك تحــــديداً فـــي عــام 1995 وقــــــد صدر كتابه تحت العــــنوان الذي نراه أوثق صلة بموضوعنا وهو: «الطريق إلى الأمام».

وبعقليته المتفتحة على دنيا الابتكار التكنولوجي.. وهو عالم البحث والتطوير كما يقول المحللون ــ عمد بيل جيتس إلى التركيز على موضوع واحد بذاته كان منشغلاً به تأملاً وتفكيراً وتطويراً.

نتحدث عن دور الحاسوب (الكمبيوتر) في حياة الناس.. وهو دور رآه «جيتس» بحاجة إلى تغيير بل إلى «تثوير» كما قد نسميه. لماذا؟.. لأنه كان يحلم.. يطمح.. يرنو ثم يعمل من أجل أن يتحول الحاسوب من جهاز ضخم وأحياناً عملاق.. منصوب عبر آلات وقنوات وتوصيلات أقرب إلى الشبكة الواسعة النطاق.. بينما يريد «جيتس» أن يصبح هذا الحاسوب أداة أبسط وأرخص وأنفع في حياة الناس ــ عامة الناس.

عن جهاز الحاسوب الذي كان يطمح إليه، يقول «جيتس» في كتابه «الطريق إلى الأمام» ما يلي:

إنه جهاز يعــــــرض لك الرســـائل والمواقيت، ويتيح لك أن تقرأ وأن تبعث بالبريد الالكتروني ورسائل الفاكس، وأن تطلع على أحوال الطقس وتقارير البورصة، وأن تمارس الألعاب البسيطة بل والمعقدة أيضاً.. وإذا كنت في اجتماع فهو يتيح لك تدوين ملاحظاتك ومراجعة مواعيدك ومتابعة المعلومات.. فما بالنا بتمكينك من التقاط صور تستطيع أن تستدعيها بيسر وفي أي لحظة تروق لك.. ولأولادك.

و.. هكذا كان يطمح بيل جيتس

و.. قد كان.

 

 

سيناريوهات التفاؤل والتشاؤم

 

 

كلمة السيناريو مشتقة في الأساس من اللغة اليونانية القديمة ثم تحولت إلى اللغة اللاتينية تمهيداً لأن تدخل إلى اللغات الحديثة المعاصرة في غرب أوروبا بمعنى مستجد بخلاف دلالتها الأساسية التي كانت تفيد معنى «الخيمة» أو الفسطاط وبعد أن أصبحت «سيناريو» تفيد أولاً معنى المشاهد والمناظر سواء في المسرح أو الطبيعة ومن ثم في دنيا السينما..

إلى أن استعارتها علوم المستقبليات المستجدة في مرحلتنا الزمانية الراهنة لتفيد «تصورات المستقبل» الذي اصطلح المختصون في هذا المجال على تقسيمها إلى ثلاثة تصورات أو سيناريوهات: ما بين الأول «التفاؤلي» الذي يشير أو يتوقع أن تؤول الأحوال إلى صورة أفضل وأكثر تقدماً عن الواقع، ثم السيناريو «المتشائم» الذي يتوقع العكس إلى السيناريو الثالث الذي يحمل عنوان «لا تغيير».

وهذه التصورات ــ السيناريوهات مازالت معتمدة على نحو أو آخر فضلاً عن اتباعها بشكل عام في تخصصات الاقتصاد والتنمية وما في حكمها حيث تستند إلى استخدام أسلوب الإسقاطات الرياضية التي تتوسل بداهة بتحليل الأرقام وتفسير الإحصاءات.

وفيما ترتبط السيناريوهات بمحاولة الإطلالة على المستقبل، فإن محاولات استشراف المستقبل التي واكبت الإنسانية منذ فجر تاريخها كان لابد وأن تنطلق من علوم التنجيم وقراءة الطوالع، ثم تتطور إلى محاولات ارتياد آفاق لم يسبق لأحد أن ارتادها، ومنها الطيران مثلاً، إلى أن وصلت إلى أطوار النضج الذي استخدم الأساليب العلمية فكان أن خلقت بذلك تراثاً رائعاً تراوحت ثماره ما بين الخيال العلمي عند الفرنسي «جول فيرن» إلى استشراف المستقبل الحاسوبي عند الأميركي «بيل جيتس».

«الخيمة» أو «الفسطاط» في اليونانية القديمة عرفها الإغريق باسم «سكيني» ونقلوها إلى اللاتينية باسم «سكينا» ثم دخلت اللغات الأوروبية الحديثة باسم «سينا» لتعني المسرح أو الأرضية أو المهاد.. ولتنسحب على معاني المشهد أو المنظر.. ومنها اشتقوا لفظة ومعنى «السيناريو».

وإذا كان السيناريو قد دخل متون اللغة من باب معجم فنون الأداء.. المسرحي ومن ثم السينمائي.. إلا أن علم ودنيا السياسة احتاجا مع عقود النصف الثاني من القرن العشرين إلى إثراء معاجم ومصطلحات الممارسة السياسية وفن إدارة الحكم.. وتمثلت هذه العملية في استعارة مصطلح «السيناريو» من مشاهد السينما إلى تصورات الأوضاع في شتى المؤسسات التي أصبح لها أدوارها الدينامية الفاعلة في حياة البشر المعاصرين ــ يستوي في ذلك مؤسسة الحكم مع مؤسسة الاقتصاد بقدر ما تستوي تصورات باتت تخضع لأساليب علمية مستقاة بدورها من علم الرياضيات.

وهي تستخدم أسلوب الإسقاط بمعنى التنبؤ المحسوب بالأرقام والإحصاءات لرسم صور بما يمكن أن تكون عليه أحوال المجتمعات في مستقبل الأيام. ولقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين تنامياً للطروحات والجمعيات والدعوات والمؤسسات التي انشغلت بما أصبح يعرف باسم «علم المستقبليات» وهو المرادف لمحاولات القراءة المتأنية لسِفر الغد كما قد نسميه .

ومن منطلق أسلوب الاستشراف المستند بدوره إلى ما هو متوافر في الحاضر من معلومات وأرقام وإحصاءات. من هنا يكاد علماء المستقبليات يجمعون على أن ثمة 3 سيناريوهات أساسية لابد وأن ينشغل بأمرها المفكرون والباحثون وسائر المهتمين بهذا المجال.. وهم يتناولون هذا الثلاثي من التصورات على الوجه التالي:

سيناريو التغيير إلى الأفضل (السيناريو المتفائل) حيث التحليل هنا يتم على أساس رصد ما تحقق من خطى التقدم المادي والنهوض المعنوي في هذا المجتمع أو ذاك. التصور المقابل هو بداهة سيناريو التغيير إلى الأسوأ وهو ينطلق بدوره إلى ما أمكن رصده من سلبيات تمثلت في إبطاء، فضلاً عن توقف، بل ونكوص، عجلة النمو في المجتمع عبر تنّوع الأسباب التي يأتي في مقدمتها ــ كما دلت تجارب عالمية عديدة - اندلاع الصراعات الأهلية الداخلية أو النزاعات الإقليمية الدموية.

ثم هناك السيناريو المنطقي الأخير الذي يحمل عنوان «لا تغيير» بمعنى أن تبقى الأوضاع على ما هي عليه.