المعركة المحتدمة حاليا في أقطار الغرب على جانبي المحيط الأطلسي ليست معركة من أجل تحسين اقتصاد، بقدر ما هي في جوهرها من أجل تحقيق مبدأ أساسي أمرت به كل الشرائع وسائر الأديان وهو: العدالة الاجتماعية.
وفيما كانت مبادئ ومناهج النظام الرأسمالي قد استهدفت على مدار تطبيقات العقود، وربما القرون، التي سبقت تشجيع النشاط الاستثماري، وحفز المبادرة الفردية ودفع البشر إلى بذل ما وُهبوه من طاقات العمل والابتكار والإبداع.. فكان أن نجح هذا النهج الرأسمالي في تحقيق ثورات وطفرات في قدرة الإنسان بالنسبة إلى التعامل مع الطبيعة وفي استثمار ما وهبه الله سبحانه للبشر من موارد البر والبحر والجو على السواء.
آفة الاستعمار
هذا النهج الرأسمالي ما لبث أن وجد من ينحرف بمساره مدفوعا بآفة الجشع البشري فكان أن أفرخ هذا النهج آفة حملت اسم «الاستعمار» لموارد الشعوب المهيضة التي طالما خضعت على مدار عقود طويلة للاستغلال الإمبريالي، بنزح ثرواتها وخاماتها كي تصّب في شرايين اقتصاد القوى الإمبريالية ثراء ورفاهية على حساب شعوب المستعمرات.
لكن تشاء قوانين التطور، وفي مقدمتها إذكاء جذوة الوعي الوطني لدى تلك الشعوب المهيضة في القارات النامية الثلاث ـــ فإذا بها تنتفض وتطالب ومن ثم تحقق استقلالها عن قوى الاستعمار، بل وتتمكن من الإفادة من منجزات تلك القوى في مجالات العلم والاختراع والتطوير.. وبعدها بدأت تحتدم الصراعات الداخلية في مجتمعات الغرب ذاتها..
أولاً بعد انقطاع حبل الإمداد الذي كان موصولاً بين المركز (الكولونيالي) وبين الأطراف التي طالما خضعت لسطوة هذا المركز وظلت تمارس لحسابه دور التابع أو المحيط حسب مقولة المفكر العربي من مصر الدكتور سمير أمين..
ثم تزداد أزمة الغرب الرأسمالي - على نحو ما ألمحنا ـــ بازدياد نوازع الجشع واتجاهات الاستئثار التي استبدت بجموع النخبة من تكنوقراط الأنشطة المالية في الغرب وقوامها رؤساء مجالس إدارات البيوتات المالية وبورصات الأسهم والسندات والمواد الأولية ومديرو البنوك ومَنْ في حكمهم، فضلاً عن فئة «التايكونات» كما يعرفهم المصطلح المنقول من تراث اليابان، وهم بارونات النظم الرأسمالية وكبار المتنفذين على صعيدها.
ميدان التحرير
لا يتورع نفر من ثقات المحللين، ومنهم مثلاً الكاتب الأميركي مايكل غرينبورغ، عن الإحالة إلى حركة الشباب المصري في ميدان التحرير ابتداء من يناير من العام الحالي، وهو بصدد تحليل ظاهرة احتلال «وول ستريت» وإقامة جموع المحتجين في حديقة «زوكوتي» على أطراف مانهاتن وقد ذاع اسمهما مؤخرا، فأوضح أن أهم ما يربط الظاهرتين إنما يتمثل، في رأي الكاتب المذكور.
في استخدام أحدث وسائل التواصل ـــ الالكتروني بالذات.. من أجل حشد الجموع وتجميع صفوف المحتجين (مقال غرينبورغ بعنوان: في حديقة زوكوتي ـــ مجلة نيويورك للكتب، عدد 10/11/2011). على أن جوهر الظاهرة، على نحو ما ألمحنا في الجزء الأول من هذا المبحث، إنما يرجع الى الداء الجوهري الذي يُعد في صميم خصائص النظام الرأسمالي ويحمل عنوانه المعروف: الأزمات الدورية.
ويعزو الباحثون وقوع هذه الأزمات في معظمها إلى حالة الاستقطاب الشديد، تلك التي تؤدي إلى تجميع معظم إمكانات وموارد المجتمع في أيدي، أو تحت سيطرة قلة ـــ أوليجاركيه تتحكم في هذه الإمكانات والموارد وتعمد باستمرار إلى الاستحواذ عليها احتكاراً واستئثاراً. ويتم هذا بالطبع، وبحكم محدودية الموارد، أي موارد، على حساب الأغلبية الساحقة من المجتمع: يستوي في ذلك جموع الفقراء مع شرائح غفيرة من الطبقات الوسطى.
إبعاد الدولة
وكان طبيعياً أن تكرِّس تلك القلة المحظوظة ظاهرة إبعاد الدولة عن مجالات نشاطهم متذرعين بالشعار الأشهر الذي سبق وأن رفعته ثورة فرنسا الكبرى (14 يوليو 1789) وهو: دعه يعمل، دعه يمر.
وبمعنى الدعوة إلى الحرية المطلقة للتجارة (ومن ثم الأعمال - البيزنس وما يتصل بهما من أنشطة). على أن الشعار المذكور حمّال أوجه ـــ كما قد نقول ـــ ظاهِره دعوة الحرية ولكن باطنه يمكن أن ينطوي على، أو يفضي، إلى آفة الاستحواذ والاحتكار.
ولقد دلت تجربة «الصفقة الجديدة» (نيوديل) التي شهدتها أميركا في عقد الثلاثينات إلى أن للدولة دوراً لا ينكر ـــ بل هو دور حيوي استدعاه «فرانكلين ديلانو روزفلت» ـــ رئيس أميركا خلال العقد المذكور من القرن العشرين، حين استدعى الدولة من حالة الإقصاء أو التهميش أو النفي التي كان يدعو إليها عتاة الاحتكار الرأسمالي، وكان أن دخلت الدولة «الأميركية» لتؤدي دور مؤسس المشاريع وصاحب الأعمال، ومقاول التوظيف لصالح جموع الملايين من عاطلي تلك الفترة التي كانت مأزومة بكل معنى..
وأسفرت قاعدة «النيوديل» عن مشاريع عملاقة شهدتها منظومة المرافق الأساسية في أميركا من جسور وطرق كبرى وسدود عملاقة واستخدمت فيها الملايين من العاملين الذين تقاضوا أجورهم فانطلقوا إلى شراء واستهلاك السلع المعمّرة والاستهلاكية.
وحين تدفقت أسعار المشتريات إلى خزائن الصناع والتجار ـــ بادروا من جانبهم إلى سداد الضرائب المستحقة عليهم إلى خزائن دولة «روزفلت»، فكان أن توافرت لها تدفقات الأموال التي عمدت بدورها إلى دفعها إلى شرايين منظومة الأجور والاستثمار من جديد.
الصدام الفكري
في هذا كله جاء الرد على دعوات ومقولات صفوة مفكري الرأسمالية وكبار منظِّريها، وكان على رأسهم ميلتون فريدمان أستاذ مدرسة شيكاغو الشهيرة في الاقتصاد، إضافة إلى فريدريك فون هايك الذي اشتهرت مراسلاته ومناظراته مع منافسه جون ماينارد كينز، وقد جرى نشرها مؤخرا في كتاب مهم صدر في الأشهر القليلة الماضية تحت العنوان التالي: «كينز وهايك: الصدام الذي حدّد علم الاقتصاد الحديث».
لقد كان «كينز» هو الداعية الأهم لنظرية تدخل الدولة من أجل ترشيد مسيرة الاقتصاد.. وكم تصدى هذا المفكر الإنجليزي (1883 ـــ 1946) للفكرة التي ألمحنا إليها وهي فكرة إقصاء الدولة ورفض أي دور تدخلي من جانبها في أحوال السوق التي طالما كرسّوا الدعوة الى ترك ديناميتاتها كي تتحكم بها أو لكي توجه مسارها الآلية الشهيرة المزدوجة لجانبْي العرض والطلب.
هتلر وستالين
ويمكن القول في هذا السياق بالذات إن كانت طروحات «كينز» التي تبلورت تحت عنوانها الشهير: «النظرية العامة» جاءت بمثابة الترجمة النظرية أو التكييف العقائدي لدعوة «روزفلت» التي حملت ـــ كما أسلفنا ـــ عنوان «الصفقة الجديدة» بقدر ما يمكن القول إن عنصر التماسّ الزمني بين الدعوة إلى تدخل الدولة في آليات السوق، أو الدعوة لإسناد دور فاعل وإيجابي للدولة في حركة الاقتصاد القومي ـــ وبين ما كان يترامى من معلومات .
وما يذاع من أنباء عن استبداد الدولة البلشفية في حقبة «ستالين» في الاتحاد السوفييتي وخاصة مع سنوات الثلاثينات ثم الأربعينات، بكل ما استطاعت الدعايات الأمريكية المنافِسة أن تروج له في سبيل رفض وتبشيع تجربة الدولة الستالينية مستفيدة في ذلك من ديكتاتورية الحزب الشيوعي الحاكم في موسكو مع التذكير، من منطق الإدانة التاريخية طبعا بالدور الجوهري الذي أفضت به تدخلات الدولة النازية إلى دمار ألمانيا الهتلرية وهزيمتها في صراع الحرب العالمية الثانية ـــ كل هذا ظل يصّب لصالح الرفض لدور تقوم به الدولة بوصفها المؤسسة المسؤولة عن تحقيق التوازن بين مصالح رعاياها ورفاه مواطنيها والانتصار لفقرائها على اختلاف الشرائح والتوجهات.
الأزمة والسياسة
في نفس السياق تشير الدراسات الموثوقة إلى أن أمر الأزمات الدورية التي عادة ما تصيب النظام الرأسمالي لا تقتصر نتائجه السلبية على مجرد استشراء ظاهرة البطالة، وخاصة بين صفوف الطبقات الدنيا والشرائح الأفقر من الطبقات الوسطى.. رغم أن تلك لعنة في حد ذاتها ـــ بكل ما ينجم عنها من آثار مادية ونفسية على السواء.
إن واضعي مثل هذه الدراسات يحذرون، من واقع العبرة التاريخية، من أن الأزمات الرأسمالية تمثل البيئة الحاضنة لانتشار الدعوات الديكتاتورية والنظم الفاشية التي يعمد قادتها إلى استغلال الأزمة بكل عقابيلها من أجل الترويج لدعاواهم، وكأنما يلقون بواسطتها طوق الإنقاذ الذي تتلهف على التقاطه جموع اليائسين والبائسين الذين يتهددهم طوفان البطالة والتعاسة والإحباط الشديد.
هكذا كانت تجربة أدولف هتلر في ألمانيا، بقدر ما كانت تجربة بنيتو موسوليني في إيطاليا خلال سنوات خلت من عقدي الثلاثينات والأربعينات من عمر القرن العشرين.
من هنا يتجلى دور الدولة القومية (NATION ـــ STATE) بمعنى الدولة التي تبسط سلطانها المدني على سائر رقعة الوطن، وتؤدي دورها في حراسة حدوده والسهر على رفاه مواطنيه، وينّظم دورها ومهامها دستور عصري ينص على الحقوق والواجبات.
الأزمة العالمية وتصدع الغرب
مازالت الأزمات الاقتصادية مائلة وبقوة ملحوظة في انعكاساتها السلبية على النظم النقدية والمالية في الغرب الرأسمالي عبر ضفتي المحيط الأطلسي. ويشهد بهذا استمرار محاولات مواجهتها على نحو ما تبدّى مؤخرا في أحدث اتفاق أبرمته 23 دولة في الاتحاد الأوروبي ـــ ما عدا بريطانيا ـــ من أجل إنشاء اتحاد مالي «فيما بينها يعمل آملاً على إنقاذ منطقة اليورو من عثراتها».
مع ذلك فلا تزال تتوالى الاحتجاجات التي تتردد أصداؤها تحت شعارات «احتلوا وول ستريت» في نيويورك واحتلوا «ميدان سانت بول» في لندن فيما يذهب بعض المحللين الأميركيين إلى أن هذه الأصداء جاءت تجاوبا على نحو أو آخر مع ما شهدته احتجاجات «ميدان التحرير» في القاهرة مع أوائل العام الحالي، مع الإشارة إلى أن هذه التفاعلات إنما نجمت أساساً عن استخدام أحدث أدوات التواصل ـــ الإلكتروني بالذات ـــ من أجل حشد الجموع وتجميع الصفوف..
لكن المهم هو مواجهة تلك الأزمات الدورية التي لا تفتأ تصيب النظام الرأسمالي رغم كل إنجازاته عبر مراحل التاريخ الحديث، وخاصة ما يتعلق بذلك من اختراعات وابتكارات، فضلاً عن سلبياته وفي مقدمتها بالطبع أنه كان حافزا على استشراء ظاهرة الاستعمار وآفة الاستغلال الإمبريالي لموارد شعوب المستعمرات في القارات النامية الثلاث.
هنالك أيضاً أهمية استرجاع دور الدولة بوصفها الكيان المؤسسي المسؤول دستورياً عن تحقيق التوازن بين سائر الطبقات وخاصة لصالح الطبقات الأفقر في المجتمع، وعدم ترك الأمور لمجرد قانون العرض والطلب، وذلك درس مستفاد من تجربة «الصفقة الجديدة» (نيوديل) التي استطاع بها الرئيس الأميركي الأسبق «روزفلت» أن يواجه أخطر أزمات الركود الاقتصادي في العالم الرأسمالي خلال عقد الثلاثينات.
ورغم أنهم يحاولون ويحاولون.. إلا أن المسألة أوضحت أنها أكبر من مجرد محاولات تُبذل هنا أو هناك.. نتحدث عن أهل الغرب ـــ في أوروبا بالذات ـــ وقد كانت آخر محاولاتهم لإنقاذ الكيان الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي هي الاتفاق المبرم في الأيام القليلة الماضية بشأن إقامة «اتحاد مالي» يتضمن تشديد القواعد المالية المتبعة على صعيد دول منطقة اليورو بخلاف بريطانيا التي خرجت باقتصادها، وبمشاكلها عن هذا الإجماع.
ويبدو للمراقب الموضوعي أن الرأسمالية الأوروبية بدأت تسدد غرامات الماضي ـــ وهي فواتير واجبة الدفع نظير الافتقار إلى البعد الاجتماعي الذي جعل رأسمالية الغرب في أوروبا وفي أميركا مسيرة بلا قلب أو بلا وجدان.. حيث تَرَكز همّها الأول والأخير على مراكمة الثروات وتكديس الأموال والتماس وشيجة الزواج المحرّم، بحكم التعريف، بين الثروة والسلطة.. وهو ما هيأ المناخ الأمثل للأسف من أجل استشراء الفساد واستئثار الثروة ومقاليد النفوذ، وجاء هذا كله بداهة على حساب جموع الأغلبية غير المحظوظة التي ما برحت تعاني مغبّة النبذ والإقصاء والحرمان من نصيبها العادل من كعكة الثروة الوطنية.
ورغم أن أقطارا شتى على خارطة العالم الثالث تعاني نفس الظواهر السلبية، إلا أن «الحالة» الأميركية ـــ الأوروبية مازالت تشغل بال العالم بحكم ما توافر لها من إمكانيات النشر والذيوع الإعلامي من جهة، وأيضاً بحكم ما تمارسه من تأثيرات باتت تنعكس سلباً على سائر أنحاء العالم من جهة أخرى.
والملاحظ أن سلبيات هذه «الحالة» الأورو- أميركية تعبر عن نفسها على صعيدين: أولهما هو صعيد المكان الذي تراوحت مواقعه ومسمياته ما بين شعار احتلوا «وول ستريت» في الجزء الأدنى من جزيرة مانهاتن ـــ قلب الحاضرة الأميركية نيويورك، إلى شعار «احتلوا لندن» الذي ترجمه النشطاء المحتجون في بريطانيا إلى نصْب الخيام أمام كاتدرائية «سانت بول» التي ترمز بالطبع إلى مرجعية الكنيسة الانجليكانية، بل زاد من وطأة الموقف الراهن تصريحات الدكتور روان ويليامز كبير أساقفة بريطانيا التي أعلن فيها أن السبب الأساسي لحركة الاحتجاجات إنما يرجع ـــ في رأيه ـــ إلى «أن الشباب الإنجليزي فقدوا الأمل في تحسن الظروف الاقتصادية».
