رغم كل ما تمثله مصالح أميركا في منطقة الشرق الأوسط، فإن سلوكيات المحتل الإسرائيلي، وخاصة ما يتعلق بالتوسع في الاستيطان العنصري الصهيوني على حساب الأرض الفلسطينية.. مازال يمثل عنصراً يؤدي إلى إحباط السياسات والمصالح الأميركية في المنطقة.. ولعل هذا ما دفع السياسة الأميركية في الآونة الأخيرة إلى أن تمد البصر بعيداً إلى «شرق آخر هو الشرق الآسيوي، حيث مشارف القارة الآسيوية المطلة على المحيط الهادئ الذي مازالت أميركا من ناحية سواحلها الغربية - تعد من أطرافها بوصفها دولة باسيفيكية تشارك دول تلك المنطقة القصية، بكل مشكلاتها من ناحية ثم مواردها الكامنة والواعدة وخاصة موارد الطاقة من ناحية أخرى.. وربما زاد من هذا الاهتمام الأميركي بهذه المنطقة الآسيوية الباسيفيكية ما طرأ في السنوات الأخيرة على سلوكيات الصين في مجالات السياسة أو الاقتصاد.. ولاسيما تحوّل الصين لتصبح أكبر دائن لأميركا، فيما جاءت مطالبات الصين أخيراً بالشراكة في احتياطيات الطاقة التي تتمتع بها منطقة بحر الصين والمحيط الهادئ من كوريا الجنوبية إلى استراليا ونيوزيلندا كي تجدد اهتمام واشنطن بالمنطقة. ومن هنا جاءت زيارة الرئيس أوباما الأخيرة لاستراليا، حيث أمر بإنشاء وجود عسكري للبحرية الأميركية في إحدى قواعدها.. فيما ظل أوباما يحرص على عدم استفزاز الصين وعلى دعوتها إلى التواصل والتعاون.
لأن سياسات أميركا في الشرق الأوسط أصبحت محاطة بأكثر من علامة استفهام.. فإن ثمة تحولًا لا يخفى على المحلل الصبور يطرأ حالياً على بوصلة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية لواشنطن، حيث تتحرك هذه البوصلة إلى «شرق» جديد.. مغاير تماماً لتلك المنطقة التي تطل، كما هو معروف، على جنوبي وشرقي البحر الأبيض المتوسط، وتمتد، كما هو معروف أيضاً، عبر شبه الجزيرة العربية إلى حيث ساحات الخليج والبحر العربي والمحيط الهندي على السواء.
والحاصل أن علامات الاستفهام التي أصبحت تحفّ التوجهات والسياسات الأميركية في الشرق الأوسط أصبحت أوضح من أن تفوت حتى على المواطن العادي كيف لا وقد تركت واشنطن كل العنان لإسرائيل التي لم تتورع حكومتها اليمينية العنصرية عن تحدي ما تواضع عليه الرؤساء الأميركيون في العقود الأخيرة ما بين رفضهم أو عدم قبولهم أو على الأقل عدم ارتياحهم إزاء إمعان الاحتلال العنصري في التوسع في بناء مستوطنات الاستعمار الصهيوني فوق الأرض الفلسطينية التي ما برحت واقعة تحت الاحتلال الذي تشهد به حتى الآن قرارات الأمم المتحدة وصكوك القانون الدولي.
ورغم أن هناك من داخل المجتمع الأميركي نفسه من لا يفتأ يرفع عقيرة الرفض أو التحذير أو على الأقل التنبيه إزاء هذا الغيّ السياسي الذي أمعنت إسرائيل في اتباعه، وعلى أساس أنه أمر يشكل إصراراً لا ينكر للمصالح القومية العليا للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بكل ما تضمه من شعوب وأقطار، وموارد من الطاقة اللازمة لدفع عجلة الحياة في أميركا على وجه الخصوص (تأمل مثلاً ما ورد في كتاب الاستاذ «ميرشماير» وزميله بعنوان «اللوبي الإسرائيلي») إلا أن هذه السياسة العنصرية المدمرة من جانب صقور الحكم في إسرائيل مازالت سادرة في مشاريعها الاستيطانية لدرجة ألحقت وما انفكت تلحق أفدح الأضرار على نحو ما ألمحنا بالسمعة والوجود والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.