اندفعت السياسة الأميركية إلى التماس «شرق» جديد.. ليس هو بالأوسط بداهة.. ولكنه «شرق» على أي حال.
الذي نتحدث عنه هو الشرق الأقصى، أي أقصى الطرف الجنوبي والشرقي من قارة آسيا.
نتحدث عن الظاهرة المستجدة في الفترة القريبة الماضية على مسرح السياسة العالمي.. وتجسدها تحركات واشنطن.. وعند مستوياتها السياسية المسؤولة العليا.. ابتداءً من زيارة وزيرة الخارجية «هيلاري» وليس انتهاءً برئيس البلاد أوباما.. وفي صحبة كل منهما وفود تضم صفوة مخططي السياسة وعلماء الاختصاص الشرق آسيوي.
التفاعل مع الصين
وقد لا يفوت المراقب السياسي مثلًا أن الرئيس أوباما نفسه لم يكن يضع الشأن الصيني بكل أهميته - على قمة جدول أعماله على مدار فترته الرئاسية الأولى الموشكة بالطبع على الانتهاء.. في هذا السياق تذهب «النيويورك تايمز» في أحدث افتتاحية نشرتها في هذا الخصوص و(بتاريخ 19 نوفمبر الحالي) إلى أن أوباما كان يتبع خطى سَلَفه «جورج بوش» في توقي أي احتكاك مباشر.. ناهيك بالطبع عن أي صِدام لا تحمد عقباه بالصين.. بل كان السلوك المفضَّل في إدارة الرئيس السَلَف والرئيس الخَلَف هو كما توضح «التايمز» أيضاً «التفاعل مع بكين الصينية على صعيد المنظمات العالمية وفي إطار الاتفاقات الدولية، حيث كان الأمل يحدو الإدارتين والرئيسْين في تشجيع زعماء الصين على التصرف بمزيد من الشعور بالمسؤولية..».
لعبة العصر
لكن يبدو أن واشنطن كما يبد من تصرفاتها الأخيرة - بدأت تدرك أن مثل هذا النهج السياسي، بكل حصافته أو فلنقل رقته أو حتى نعومته بات بحاجة إلى مزيد من الدفع قدماً أو حتى مزيد من التصدي.. على أساس أن قليلًا من الخشونة قد يصلح الأحوال.. خاصة وأن الصين دأبت خلال السنوات الأخيرة بالذات على مواصلة انتهاج سلوكيات القوة الآسيوية العظمى.. لا بفضل دعايات أو منشورات الحزب الشيوعي الحاكم.. فقد أصبحنا في زمن لم تعد تنطلي فيه الدعاوى الأيديولوجية ولا الطروحات المذهبية المترعة بمصطلحات الدوغما المستمدة من قواميس المفكر «ماركس» أو مفردات الزعيم «ماوتسي تونغ».
لقد أجادت الصين في تصورنا ممارسة لعبة العصر.. وهي لعبة ذات شقين أحدهما يجسد القوى الناعمة والآخر يمثل القوى الخشنة إذا ما استخدمنا المصطلحات التي أدخلها إلى المعجم السياسي البروفيسور «جوزيف ناي» أستاذ علم السياسة في جامعة هارفارد.
القوى الناعمة
على مستوى «الناعمة» لم تتورع بكين عن ارتياد آفاق الانفتاح الثقافي والإبداع الفني في عالم الألفية الثالثة: دخلت مضمار التأليف والأداء السيمفوني في عالم الموسيقى.. تعكف حالياً على تدريب وتكوين فرق وطنية من أمهر لاعبي رياضات كرة القدم وكرة السلة والبيسبول، ناهيك عن لعبة تنس الطاولة التي كان التباري فيها مفتاحاً ذهبياً وضعوه في يد «هنري كيسنجر» منذ 35 عاماً أو نحوها فكان أن فتح به كوة في سور الصين التاريخي العظيم دخلت منها أول علاقات ربطت بين أميركا والصين، ودلف على أثرها أول سفير لواشنطن في الصين، وكان اسم هذا السفير الأميركي للتذكرة هو «جورج بوش» الأب الذي أصبح رئيساً فيما بعد للولايات المتحدة الأميركية.
وغير بعيد تلك الصورة المثيرة، بل المبهرة، التي طرحتها بكين على عالمها بالأمس القريب حين استضافت العاصمة الصينية آخر حدث للأولمبياد وكانت صورة دالة بكل بلاغة على مدى إجادتها استخدام واستثمار هذه القوى الناعمة.
وربما آلت واشنطن على نفسها أن لا يكون لديها مانع معلن على الأقل إزاء هذا الاستثمار للقوى اللامادية على النحو الذي أوضحناه.
أكبر دائن ومدين
لكن مشكلة أميركا هي أن الصين لم تتورع بالقدر بنفسه عن استخدام القوى الخشنة الصلبة المادية بكل معنى.. تقصد أولًا القوى الاقتصادية التي جعلت من الصين أكبر دائن لأميركا فيما جعلت أميركا بالمقياس التناسبي نفسه أكبر مدين للصين.
والمشكلة هنا أيضاً لم تكن لتقتصر على ديون مستحقة ولا مديونية تنوء بها خزانة دولة هي المفروض أن تكون الأغنى في العالم: المشكلة هي استمرار الرسم البياني المتصاعد إن لم يكن المتفاقم لهذه المديونية، حيث لا تزال مؤشرات الاستهلاك في السوق الوطنية الأميركية تنبئ بمواصلة إقبال المستهلك الأميركي العادي على الواردات من السلع الصينية التي اتسمت رغم كل مشكلاتها.. بمهاودة الأسعار وضخامة المعروض.. ثم دعك عن الوعي الدقيق بفضل بحوث السوق بكل ما تتطلبه أجيال الناس في الولايات المتحدة ابتداءً من الملبوسات العَرَضية البسيطة والرخيصة (كاجوال) وليس انتهاءً بأبسط وأدق وربما أرخص أجيال الحواسيب الالكترونية التي تستعد الصين لطرحها قريباً في الأسواق.
ومع هذا كله فقد كان بالإمكان في تصورنا أن تظل أمور العلاقات الأميركية الصينية مكفولة ضمن حدود الاحتمال، لولا أن الصين طرحت أخيراً دعوات نتصور أن رددت بعدها أميركا المقولة التراثية العربية: إن لم يعد في القوس منزع.
لماذا؟
لأن الصين شرعت كما تقول الأوساط السياسية الأميركية التي نتابع تحليلاتها - في استخدام قوتها الإقليمية اقتصادياً وعسكرياً من أجل تهديد جيرانها إلى حد انتشار حالة من الترويع التي سادت أخيراً منطقة شرق وجنوب شرقي آسيا.
موارد الطاقة
وعندنا أن مكمن الخطر كما تصورته واشنطن هو مجرد التلويح من جانب الصين يفرض نوعاً من التسيد الإقليمي على جاراتها في مناطق آسيا أو المحيط الهادئ.
الخطر الأكبر عند أميركا هو أن الصين طرحت في الآونة الأخيرة مطالبات بحقها في الركازات الاحتياطيات الهائلة من موارد الطاقة التي تتمتع بها هذه المنطقة عند بحر الصين الجنوبي على وجه الخصوص.
وكان طبيعياً ومنطقياً أن تبادر دول المنطقة الآسيوية الباسيفيكية إلى إقرار حقوقها المشتركة في هذه الثروة من موارد الطاقة.
وكان طبيعياً أيضاً أن تخف الإدارة الأميركية إلى مؤازرة تلك الدول وإنعاش ما يربطها مع واشنطن من علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية على السواء.
وربما يفوت على البعض أن أميركا تتصرف في هذا السياق، وعلى صعيد تلك المنطقة، لا بوصفها فحسب دولة كبرى أو هي الدولة العظمى المتبقية بعد زوال غريمها الاتحاد السوفييتي عند مطلع التسعينات.
لكن يبدو أن الذي حرك واشنطن أخيراً هو ما أعلنه رئيس وزراء الصين «ون جيباو» في أحدث مؤتمر قمة عقد على هذا الصعيد حين مضى قائلاً:
- ليس من حق أي قوى خارجية أن تكون ضالعة في القضايا التي نحن بصددها.
أوباما في استراليا
من هنا لم تقتصر واشنطن على المشاركة بواسطة وزيرة خارجيتها.. بل انطلقت إلى حيث رتبت رحلة رئاسية مشهودة حقاً قام بها باراك أوباما وتركزت بالذات على زيارة استراليا القارة الدولة وهي أكبر الكيانات السياسية في المنطقة الآسيوية المذكورة بعد الصين بطبيعة الحال.. وفي استراليا اجتمع الزائر الأميركي الكبير إلى رئيسة وزرائها، ثم ألقى خطاباً مشهوداً أمام البرلمان..
وقد سبق الزيارة واللقاء الوزاري والخطاب البرلماني استعداد البنتاغون في واشنطن وعلى نحو ما أعلنه الرئيس أوباما، لنشر قوة من مشاة البحرية الأميركية (المارينز) قوامها 2500 عنصر مزودين بالسفن الحربية والطائرات العسكرية كي يتخذوا مقراً لهم اعتباراً من مطلع عام 2012 القادم في قاعدة «دارون» البحرية في استراليا. ورغم أن هذا العدد ليس بالكبير على نحو ما أشارت إليه أوساط ودوائر شتى إلا أنه يأتي كما تصفه النيويورك تايمز أيضاً بمثابة «رمز بالغ الدلالة على حقيقة المصالح الأميركية» في تلك المنطقة.
استفزاز الصين
لكن تشاء أحكام السياسة.. ولنقل أنها مقتضيات العلاقات بين الدول المحورية الكبرى أن يحرص أوباما في زيارته الآسيوية الاسترالية على عدم استفزاز الصين: صحيح أنه عمد إلى استحداث وجود عسكري أميركي عند تخومها الجنوبية، وصحيح أيضاً أن الرئيس الأميركي وكأنما كان يخاطب الناخب الأميركي أيضاً حرص على القول خلال زيارته ان: «للصبر حدوداً»، وأن الصين قد نضجت وعليها من ثم أن تتصرف على نحو أعلى من المسؤولية سواء في سياستها التجارية أو سياستها النقدية (الإشارة هنا تحيل أولًا إلى سياسة الإغراق السلعي الذي تمارسه بكين.. وتلمح ثانياً إلى تقاعس الطرف الصيني عن رفع قيمة عملته الوطنية سعر صرف الرومبيني الصيني..
أكثر من هذا صرح أوباما بأن أي تخفيضات للميزانية العسكرية في أميركا لن تكون على حساب «حلفائنا في منطقة آسيا المحيط الهادئب.
لغة التقارب
مع هذا كله فقد تضمنت أحاديث وتصريحات أوباما أكثر من نغمة إيجابية وأحياناً تفاهمية إزاء الغريم الصيني، فقد دعا أوباما إلى التماس المزيد من فرص التعاون مع بكين، وتكلم عن مزايا التجارة الحرة، وعن الاستعداد لتوسيع آفاق التفاوض التجاري مع سائر أقطار حافة الباسيفيكي ابتداءً من كوريا الجنوبية..
معرباً عن الأمل في أن تشارك الصين في المفاوضات في مستقبل منظور. في كل حال، ولأن هناك من صفوة المحللين السياسيين في أميركا من يتصور أن الصين هي القوة العظمى الصاعدة بالحتم في المستقبل (أنظر مثلًا الدراسة المنشورة في هذا الصدد مجلة الشؤون الخارجية «فورين أفيرز»، عدد سبتمبر/أكتوبر 2011) فإن المتابعة الموضوعية للمشهد السياسي الأميركي والعالمي.. ما برحت تؤكد اتباع أسلوب الاتزان والحصافة في هذا الخصوص.
هنا تخلص النيويورك تايمز إلى أن تقول:
- «على أميركا ألا تبالغ في سلوكها (إزاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ) فالصين تتصور أن هدف واشنطن هو «احتواء» القوة الصينية.. وهنا تتأكد أهمية مواصلة الحوار بين القادة في كل من واشنطن وبكين.. وعلى أميركا أن تضفي عنصر الشفافية على سلوكياتها وأن تحرص على مشاورة الصين.. بل وعلى مشاركتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا».
