اتسعت حركة الاحتجاجات والاعتصامات التي لم تعد تقتصر على الدول النامية ــ أو الفقيرة في عالمنا ــ فكان أن امتدت ومازالت تمتد لتشمل ــ كما أصبح معروفاً ــ أقطار العالم المتقدم وفي أعتى الدول الرأسمالية مثل الولايات المتحدة التي تحولت فيها حركة الاحتجاج من شرارة أزمة الرهونات العقارية إلى حيث اكتسبت زخماً متجدداً وجديداً لشكل دعوات وحركات احتجاجية ترفض انقسام المجتمع الأميركي إلى قلة محدودة تستأثر بمقاليده الاقتصادية وعلى حساب الأغلبية الساحقة من مواطنيه.
على أن أمر الإصلاح لم يعد ليقتصر على الأوضاع الداخلية أو الشؤون القطرية بقدر ما أن الأمر بات بحاجة إلى إصلاح يتم على المستوى الدولي ممثلاً في التحول بالمنظومة الاقتصادية ــ المالية العالمية التي تضم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية من واقع الأساليب التي درجت على اتباعها منذ إنشائها بمقتضى اتفاق وإطار «بريتون وودز» عام 1944، وهي أساليب التعامل مع اقتصاد السلع والصادرات إلى حيث تتوافق مع مقتضيات القرن الواحد والعشرين أي مع اقتصاد مجتمع المعرفة واقتصاد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذي يقوم على أساس حفز مسيرة الابتكار وتشجيع عناصر ونوابغ الإبداع وتكريس جوانبه الإيجابية مع الوعي بما قد ينطوي عليه ذلك من سلبيات في طول عالمنا وعرضه على السواء.
كان ذلك منذ 67 سنة بالتمام والكمال، وكان المكان بقعة قصية في أرياف منطقة «نيو هامباشير» بالولايات المتحدة.. صحيح أن كان اسم المكان بسيطاً ومجهولاً.. ولكن الاسم ما لبث أن تسامعت به آفاق ذلك الزمان الذي شهد أواخر الحرب العالمية الثانية، فيما شهد بنفس القدر تباشير أو إرهاصات عالم ما بعد الحرب الذي كان إنشاء منظمة الأمم المتحدة أشهر العلامات التي تميز بها.
نتحدث عن «بريتون وودز»، في تلك المنطقة وفي عام 1944.. التأم عقد الدول التي شاءت حظوظها أن يتحقق لها انتصار الحلفاء على أعدائهم: النازي (ألمانيا الهتلرية) والفاشي (إيطاليا ــ موسيليني) واليابان (امبراطورية الشمس المشرقة كما يسمونها) كان عددها 44 دولة وعكف مندوبوها يومئذ على مناقشة وإعداد وإقرار الترتيبات المالية المقرر أن تحكم وتنظم اقتصاد النصف الثانى من القرن العشرين.
والمعروف أن أسفر الاجتماع المذكور عن ميلاد «الثلاثي» الذي أصبح يعرف ضمن المنظومة الدولية المستجدة باسمه الشهير: مؤسسات بريتون وودز، وهي بالطبع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بما في ذلك المؤسسة المالية والاتفاق العام للتعرفات والتجارة (الغات) الذي يعده الاختصاصيون إرهاصاً بإنشاء أحدث كيان في مضمار الاقتصاد العالمي وهو «منظمة التجارة العالمية».
والشهادة لله، ولدوائر الاختصاص أيضاً، أن ظلت مؤسسات وآليات بريتون وودز المالية ــ الاقتصادية تؤدي دورها جيداً خلال سنوات نصف القرن الذي أعقب إنشاءها، وذلك رغم ما صادفته من عقبات بل إنها دخلت أحياناً في مصادمات مع قوى وقيادات حركة التحرر الوطني خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي (كان في مقدمتها مثلاً شروط البنك الدولي المجحفة لتمويل سد أسوان العالي في مصر ــ الخمسينات وهو ما أسفر عن تأميم قناة السويس ومن ثم العدوان الثلاثي في خريف عام 1956).
لكن هذا الدور الذي ظلت تضطلع به مؤسسات «بريتون وودز» تَقَادم عليه العهد وأصبح مهدداً بأن يتجاوزه زمن التطورات الجذرية التي استجدت مؤخراً على أحوال عالمنا ــ اقتصاداته وآلياته المالية على وجه الخصوص.
لقد تحولت هذه الآليات العالمية في مجالات الاقتصاد والإنتاج بالذات فبات الأمر يحتاج بالتالي إلى تحولات تجديدية في هياكل وأساليب عمل مؤسسات بريتون وودز السالفة الذكر.