جاءت خصائص التحول في آليات الاقتصاد العالمي فيما بعد مؤسسات «بريتون وودز» التي تكونت بعد الحرب العالمية الثانية لتشير ببلاغة لا تنكر إلى أن الدنيا تغيرت بالفعل من اقتصاد القرن العشرين الموروث بداهة عن عالم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر إلى اقتصاد القرن الواحد والعشرين الذي جاء ليطرح تحديات مستجدة تماماً على المشهد الدولي الراهن، يستوي في ذلك جنوب عالمنا النامي مع شماله أو غربه الذي بات يجمع بين نقيضي التقدم التكنولوجي المتسارع وبين الأزمة المالية المستحكمة بكل ما أسفرت وتسفر عنه مؤخراً من تصدعات اقتصادية انطوت بدورها وتنطوي على تشنجات اجتماعية مازالت تجسدها تلك الحركات الشعبية والتجمعات الجماهيرية والدعوات الشبابية التي ما برحت تشهدها أقطار العالم الأول في غرب أوروبا والولايات المتحدة: ما بين مظاهرات أثينا العمالية إلى احتجاجات الطلاب في لندن إلى «احتلالات» الجماهير الأميركية في وول ستريت وأوكلاند وبقاع شتى في طول الولايات المتحدة وعرضها.

 

تحولات المسار

وفضلاً عن الأسباب الاقتصادية ــ الاجتماعية لهذه الظواهر المشهودة حالياً ــ إلا أن المحور الأساسي الذي يشكل جوهر هذه الظواهر يتمثل فيما تتناوله دراسة متعمقة أعدها محلل اقتصادي أميركي جاد هو «ستيفن ايزيل» ونشرتها مؤخراً مجلة «وورلد بوليسي جورنال» في أحدث أعدادها (عدد خريف 2011).

هذا التحول في مسار الاقتصاد العالمي يتمثل في تصور الدراسة المذكورة في تطور حالة الاقتصاد العالمي من نظام كان يقوم على الإنتاج السلعي ــ المادي إلى نظام مستجد تماماً يقوم على الإنتاج المعرفي والرقمي (ديجيتال) والابتكار الحاسوبي.. وبمعنى أنه تغيير جذري تماماً ينتقل به عالمنا من تكنولوجيا المصنع إلى تكنولوجيا المعلومات ومن هدف المراكمة الكمية للمنتوجات إلى حد التكديس إلى هدف الاستخدام الابتكاري لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى حد تتجلى معه باستمرار ظواهر مستجدة تفرض بدورها مواجهة بأحدث الأساليب التي يعتمدها مجتمع المعرفة بكل ما ينطوي عليه من مشاكل وبكل ما يقتضيه من مواصلة التجديد والإبداع.

 

مطلوب معايير واضحة

من هنا تطالب الدراسة المنشورة بما تسميه وضع إطار دولي جديد يطرح بدوره معايير واضحة لما يمكن أن نصفه بأنه منافسة عادلة (أو مجحفة) في دنيا الإبداع والابتكار.

تسلمّ الدراسة في هذا السياق بأن كل أقطار وشعوب العالم ترنو بالطبع إلى تحقيق نمو اقتصادي وهو ما أصبح يقتضي مع سنوات الألفية الجديدة انتهاج سبيل الابتكار العلمي بالدرجة الأولى.. بيد أن تطبيق هذه السياسات الابتكارية يمكن أن يفضي إلى نتائج إيجابية بقدر ما تكون سلبية في آن معاً، وبمعنى أن تكون «إيجابية» لبلد ما بقدر ما تكون سلبية لبلد آخر».. أو بمعنى أن يستفيد بلد ما على حساب الإضرار ببلد آخر.

فمن الإيجابيات مثلاً أن يمعن بلد ما في زيادة الاستثمارات الطائلة في مجال البحث العلمي وفي الترحيب بالمهارات الرفيعة الوافدة إلى أرضه مهاجرةً من مواقع أخرى على خارطة العالم.. وعندما تؤتي هذه الجهود ثمارها الطيبة فمن شأنها بحكم تكور الاتصال الدولي أن تمتد آثارها الإيجابية على شكل ابتكارات وتجديدات يصل بعضها إلى درجة «الاختراقات» أو هي الفتوحات (Breakthroughs) كما قد نسميها في ميادين تمسّ في الصميم حياة البشر في كل مكان ــ ميادين من قبيل مكافحة المرض وأمن الغذاء والحد من غوائل الكوارث الطبيعية والنهوض بنوعية الحياة وما إلى ذلك من اهتمامات وهموم باتت مناطاً لطموحات البشرية في زماننا الراهن.

 

جوانب سلبية

على الجبهة المقابلة تخلص الدراسة إلى الجوانب السلبية من ظواهر التحولات العالمية الحالية.. ويصفها الباحث ستيفن ايزيل وهو بدوره متخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بأنها سياسات «شائهة» أو «دميمة»، ويورد منها على سبيل المثال سرقة المِلكية الفكرية بمعنى استحلال جهود استغرقت إمكانات طائلة وسنوات طويلة من موارد وأعمار وجهود باحثين ومفكرين، ومنها أيضاً فرض قيود حكومية تعوق هجرة المهارات الرفيعة وتصادر حرية النوابغ من العلماء وصفوة الباحثين في الحركة والعطاء والإبداع.

والحاصل أن حكاية سرقة واستحلال ثمار المِلكية الفكرية ليست بالأمر البسيط.. ففي عام 2007 أدت سرقات المِلكية الفكرية إلى تخفيض معدلات التجارة العالمية ــ كما تقول الدراسة التي نحيل إليها ــ بنسبة وصلت إلى 7%، هذا فضلاً عن أن مثل هذا الاستحلال من شأنه أن يخلق روحاً أقرب إلى التواكل وأبعد عن الدافعية المشروعة نحو ارتياد آفاق الابتكار وبذل جهود البحث العلمي وارتياد طموحات التجديد.. فما دام الجديد متاحاً بالسرقة أو جاهزاً بالتهريب فماذا يحفز إذن على العمل الجاد والدرس الهادف البنّاء؟

 

الصندوق والبنك

ويزيد من هذا الموقف السلبي حقيقة أن نظام «بريتون وودز» الذي أشرنا إليه بوصفه الآلية المعتمدة عبر سنوات نصف القرن لم يتم تصميمه على أساس تعظيم نزعة الابتكار بقدر ما أنه قام على أساس التعامل مع حركة الأموال النقدية وتدفق السلع الصناعية ــ المادية عبر الحدود الفاصلة بين الدول والكيانات والقارات.

في هذا الإطار ظلت مسؤولية صندوق النقد الدولي معنية في الأساس بأسعار صرف العملات وحجم المدفوعات التي تتيح بها الدول لمواطنيها شراء السلع والخدمات بين دولة وأخرى ــ فيما ظل البنك الدولي مهتماً بالدرجة الأولى بالواقع التمويلي في دول العالم وهو يمارس دوره في إطار تراه الدراسة الأميركية قائماً على التجزئة ــ بعكس التكامل ــ وبمعنى أن لكل دولة مكتباً أو دائرة (Desk) مهما كانت صغيرة أو محدودة يكاد اهتمامها يقتصر من حيث المتابعة والتحليل والتركيز على تحقيق النمو المدفوع بقوى الإنتاج والتصدير.

عالمنا يتغير..

ورغم أن المتغيرات ــ الاجتماعية بالذات ــ كانت نظرياً أقرب إلى الأمر غير المرئي أو غير المحسوس ومن ثم كان رصد مسارها ومتابعة إيقاعها وتأثيرها يقتصران على اختصاص علماء الاجتماع أو يكاد يكون.. إلا أن هذه المتغيرات أصبحت في اللحظة الزمانية الراهنة ظاهرة تنطق بكل الأصوات العالية وتطالب من ثم بأفكار جديدة وأطروحات جديدة وسياسات جديدة حتى في أعتى الدول التي طالما كرست السياسات الرأسمالية واستندت على نحو أو آخر إلى أطروحات سبق إليها مفكر الرأسمالية الأول ــ الاقتصادي الاسكوتلندي آدم سميث منذ 235 عاماً من عمر الزمان الحديث.

 

الكبت والانفجار

وكم درج القوم ــ في الغرب بالذات ــ على أن يوكلوا أمر الدراسة والانتقاد والمعارضة الفكرية إلى جموع العلماء والمحللين والمنظّرين ومن ثم المفكرين والكتّاب الذين درجوا بدورهم على أن يودعوا انتقاداتهم وربما احتجاجاتهم النظرية والعقائدية في سطور كتب.. وقصاراهم في حالات الضرورة القصوى أن يرفعوا عقائر احتجاجهم على صفحات الجرائد أو على موجات البث الأثيري المرئي أو المسموع.

لكن كبت الضغوط ما لبث أن أسفر عن تفجر الاحتجاجات التي تجاوزت نطاق الرجل «المفكر» إلى «الرجل البسيط».. وهكذا خرجت من مقالات الصحف إلى أرصفة الشوارع وتجاوزت أزمات الإسكان ــ الرهن العقاري في بلد مثل أميركا فإذا بها تغطي نطاقات أشمل وتتصدى لقضايا أكثر عمقاً وأوسع آفاقاً.

 

أساليب البنوك

تقول صحيفة «ذي نيشن» في تحليلها:

لم يعد الهدف ببساطة يتمثل في مساعدة أصحاب البيوت على الاحتفاظ بمنازلهم.. بل أصبح الهدف متمثلاً في خلق وتصعيد شعور بحالة طوارئ عامة تدفع البنوك إلى تغيير أساليب تعاملها، وتدفع السياسيين إلى تغيير سياسات الحكومة. وهنا ــ توضح المجلة الأميركية أيضاً ــ تتداخل الحركات والاحتجاجات والغايات التي تشهدها الولايات المتحدة في المرحلة الراهنة ولدرجة تسلمّ معها «ذي نيشن» بأنها قد تثير شعوراً بالخلط أو الاضطراب ما بين حركة تندد بالأزمة العقارية وحركة أخرى تتناول أزمة المجتمع (الرأسمالي) بشكل عام.. بيد أن كلاً منها تتداخل مع الأخرى.. ويجمعهما سورة الغضب كما تصفه المجلة المذكورة.. وهو في تصورنا غضب ساطع وعارم.. لماذا؟ لأن القوم في أميركا بات يجمعهم غضب إزاء نسبة الواحد في المائة إياها التي تستأثر بثروات مجتمعهم.. فيما تظل النسبة الأخرى.. وهي بداهة الغالبية السوبر ــ ساحقة في حال لا يسر إذ تعاني ــ كما تضيف «ذي نيشن» تدهوراً في ثروتها وإيراداتها وفي مستويات معيشتها.

 

العدل والعلم

وبديهي أن ليس هناك عصا سحرية تتغير بها الأوضاع بين عشية وضحاها.. ولكن هناك أكثر من سبيل ناجع لتخطي الأزمات.. ومن هذه السبل ما يتعلق بالعدل وهو ما تقضي به الرسالات والأديان.. ومنها أيضاً ما يتعلق بالتعويل على جهود البحث العلمي والتطوير العملي والابتكار الإبداعي سواء على مستوى كل دولة وكل شعب.. أو على صعيد المنظومة الدولية ــ المالية والاقتصادية بالذات التي قارب عمرها السبعين عاماً ومن ثم فقد حان وقت تقاعدها كي تحل محلها منظومة أكثر شباباً وأوسع انفتاحاً وأعلى قدرة على التعامل مع طموحات العصر.

 

إضاءة

احتجاجات كاليفورنيا

 

تشير دورية أميركية مستنيرة هي مجلة «ذي نيشن» (عدد 24/10/2011) إلى أن ولاية كاليفورنيا التي كان الظن أنها بمنأى عن الاحتجاجات الجماهيرية في أميركا أصبحت تشهد مؤخراً حركات احتجاج بدأت شرارتها مع أصحاب المنازل من عوام المواطنين المهددين بفقدان مساكنهم تحت وطأة الأزمة العقارية. ولكن لم تعد المسألة هي أزمة البيت أو الرهن أو العقار.. بل أصبح الهدف أمراً أوسع شمولاً وأعمق أهدافاً، ويخشى من تطور الأمور لتصل إلى حد أن يكون النظام العام ككل هو الهدف.