تُحذّر الشرائع القانونية والنظريات السياسية من آفة تحمل اسم «الاوليجاركيه» وترادف في أصولها المستمدة من اللغة والحضارة اليونانية معنى «استئثار» القلة في أي مجتمع بالمقاليد السياسية في حكم هذا المجتمع فضلاً عن احتكار هذه القلة لموارد المجتمع وفعالياته الاقتصادية..

 وعندما تتجسد مثل هذه الظاهرة من حكم واستئثار الأقلية، تنتج عن هذه الأوضاع آفة الفساد التي لم تعد تقتصر على دول نامية أو نظم متخلفة في الشطر الجنوبي من عالمنا، ولكنها باتت تجتاح مجتمعات العالم الأول في أوروبا وفي الولايات المتحدة على السواء.. من هنا يكتب محلل أميركي بارز وحاصل على جائزة نوبل العالمية في الاقتصاد عن الظاهرة السلبية التي باتت سائدة في تصوره جوانب المجتمع في الولايات المتحدة وهي تجسّد حالة الهوة التي باتت تفصل بين قلة الأغنياء المحتكرين وبين جموع الغالبية من الفقراء الذين ما برحت إيراداتهم في حال من الانكماش المطرد، وهو الأمر الذي يهدد بانحسار الطبقة الوسطى بكل ما تؤديه في أي مجتمع معاصر من أدوار الابتكار والبحث العلمي والخدمات الجوهرية اللازمة لكي يندفع المجتمع أشواطاً من التقدم إلى الأمام.

ويتوازى مع هذه السلبية في أميركا.. آفة الفساد التي ظلت تمارسه الأقلية «الأوليجاركيه» في أوروبا الغربية على شكل سلوكيات مرفوضة تجمع ما بين إدراج أسماء السياسيين في ألمانيا على كشوف مرتبات تدفعها الشركات الكبرى.. وقد تصل كما حدث في انجلترا إلى رشوة أعضاء مجلس العموم بتزويدهم بالأشرطة الإباحية بل وقوالب الشيكولاتة (!)..

ورغم أنها كلمة سبق وأن ترددت في المعاجم والدوائر السياسية في كل مكان من عالمنا إلا أنها تتردد حالياً في أميركا بوتيرة ملحوظة من حيث الانتشار أو التكرار والشّدة على نحو ما يقول مصطلح الإحصاء.

ولعل الظلال من المعاني حول مصطلح «أوليجاركية» هي التي أفضت بمفكري السياسة وفلاسفة الاجتماع والاقتصاد إلى الربط بين وضعية الأوليجاركيه وبين حالات الاحتكار، باعتبار أن العامل المشترك بينهما هو «استئثار» القلة المحظوظة بالطبع - بمقاليد الاقتصاد احتكاراً، وهو المرادف الطبيعي باستئثار نفس القلة المحظوظة استبداداً بتسيير دفة السياسة والإدارة.

وبديهي أن هذا الاحتكار أو الاستئثار، سواء انطبق على مجال الاقتصاد أو دنيا السياسة إنما يتم لصالح الأقلية على حساب الأغلبية من عامة المواطنين.

وإذا كان الكثير من أقطار العالم الثالث، في أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية، قد عانى من هذه الظاهرة الأوليجاركيه كما قد نسميها.. سواء جاءت تلك الأقليات الحاكمة المستأثرة على صهوة دبابة في انقلاب عسكري أو آلت إليها أمور بلادها نتيجة تهاوي البنى السياسية والهياكل الاقتصادية أو بسبب وصاية استعمارية من دولة كبرى، إلا أن الظاهرة المستجدة في الوقت الحالي وهي ظاهرة غريبة بكل المقاييس - باتت تشير إلى ما أصبحت تعانيه أقطار أوروبية (حالة اليونان نموذج بارز) بل وما يعانيه بلد كبير مستقر مثل الولايات المتحدة من مغبة الأزمات الاقتصادية بعد أن انقسمت مجتمعات تلك البلدان إلى أغنياء وفقراء. صحيح أن المسائل ما برحت نسبية حيث الغنى والفقر في زمبابوي أو الصومال الأفريقية مثلاً يختلفان من حيث حجم المشكلة..

وعقابيلها أمر يختلف تمام الاختلاف عن الثراء والإملاق في وول ستريت أو أوكلاند من ربوع الولايات المتحدة.. لكن الصحيح أيضاً أن الشعور الممضّ الممرور يكاد يتساوى إزاء وجود وتفاقم الهوة الفاصلة في الحالتين بين الثراء المستشري والفقر المدقع.