في السياق الأميركي بالذات نتابع مثلاً مفردات التحليل الذي تّوصل إليه مفكر أميركي مرموق هو بول كروغمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد. لقد نشر البروفيسور كروغمان مؤخراً هذا التحليل في أحدث مقالاته بجريدة «نيويورك تايمز» (عدد 3/11/2011) تحت عنوان لا تخفى دلالته للوهلة الأولى وهو: أوليجاركيه.. على الطريقة الأميركية.
وفي صدر هذه الدراسة يحرص كاتبها على أن يسجل بشكل مباشر ما يلي:
أصبحنا نعيش مجتمعاً (في أميركا) تركزت الأموال فيه باطراد وكثافة في يد قلة قليلة وبحيث أصبح هذا التركيز للدخول والإيرادات والثروات يهدد نظامنا بأن يوصف بأنه ديمقراطي بالاسم ليس إلا..».
الموالون والإعلام
في نفس السياق يعترف البروفيسور بول كروغمان أن هناك من يخفّون على الفور إلى نجدة هذا النظام لا بالعمل الجاد من أجل التصدي لظاهرة احتكار الثروات أو الامتيازات.. ولكن ببذل ما في طوقهم من جهود للدفاع عن الأوضاع الاحتكارية القائمة في أميركا.. وفي مقدمة هؤلاء المدافعين من تضمهم مؤسسات البحوث والمجامع الفكرية (Think Tanks) التي لا تتورع كما يشير المفكر الأميركي أيضاً عن «تدبيج» تقارير تدعي أن هذه الأوضاع من اللامساواة ليست في تزايد في حقيقة الأمر.. أو أنها من الضآلة بحيث لا تستحق القلق أو الاهتمام.
هناك أيضاً من يشير إليهم بول كروغمان على أنهم سدنة الميديا دهاقنة الإعلام الأميركي كما نسميهم من جانبنا - ومنهم من يسعى إلى تزويق وجه ظاهرة الاحتكار أو اللامساواة التي يجسدها استئثار القلة الأوليجاركيه مقاليد المجتمع في أميركا وهو يحاولون في رأيه تجميل الظاهرة بزعم «أن القضية ليست في أثرياء مقابل بقية المجتمع ولكنها بالأحرى قضية متعلمين مقابل الأقل تعليماً».
الطبقة الوسطى
في هذا السياق، وهو سياق يهمنا في وطننا العربي، يحذر المفكر الاقتصادي الأميركي المذكور من تدهور أحوال الطبقة الوسطى بوصفها عماد المجتمع، أي مجتمع لأنها حسب إجماع المحللين تشكل المستودع الثمين لكل القدرات الخلّاقة والطاقات الابتكارية والموارد البشرية الإبداعية التي تؤدي بفضل ما تحرزه من إنجازات، وما تسديه من خدمات في مجالات التعليم والبحث العلمي وفي مضمار الاختراع والابتكار إلى دفع عجلة التقدم الحضاري في المجتمع أشواطاً إلى الأمام.
صحيح يعترف كروغمان أن العاملين الذين أحرزوا درجات جامعية حققوا دخولاً مالية أعلى وهيأوا مستويات أفضل لحياتهم لكن الثغرة الفاصلة حتى بينهم وبين أفراد القلة المحظوظة المحتكرة موجودة وما برحت في اتساع إلى درجة التفاقم المنذر بالخطر في بعض الأحيان.. لماذا؟
لأن هذه العناصر من المتعلمين بل والسوبر متعلمين لم تكن محصنّة مما حاق بالمجتمع الأميركي في الآونة الأخيرة (من صيف عام 2008 مثلاً) إزاء آفة ركود الإيرادات وثبوت الدخل ومن ثم تزايد حالة اللاأمن الاقتصادي، فما بالنا وقد فوجئ أفراد هذه القطاعات الحيوية من الطبقة الوسطى بمشاكل مستعصية من قبيل ضياع الغطاء بالتأمين الصحي أو عواقب أزمة الديون العقارية التي هددت وتهدد بفقدان السكن المرهون لقاء أقساط واجبة السداد.
السؤال المطروح
من هنا بات نصيب هذه الفئات المحورية في مجتمع أميركا في حال من الانكماش أو التضاؤل المنذر بخطر فادح.. حيث تتجلى هذه الظاهرة السلبية بالطبع أو حسب ما يورده البروفيسور بول كروغمان من إحصاءات في حقيقة تقول بأن ثمة نخبة فئة محظوظة في بلاده لا تتجاوز نسبتها واحدا في المائة أصبحت هي الأعلى دخولاً، وهي التي ظلت إيراداتها المالية في ارتفاع مطرد لدرجة فاقت كما يقول أيضاً نسبة 400 في المائة على مدار الفترة الفاصلة بين عامي 1979 و2005.
يبقى السؤال الملّح باستمرار وهو: ترى ممّن تتشكل هذه الفئة المحظوظة فئة الواحد بالمائة من مجتمع الولايات المتحدة؟
بادئ ذي بدء.. تنفي الدراسة المنشورة التي نحيل إليها أنها تعني فئة منظمي المشاريع وعناصر المستثمرين ومنشئي الأعمال التجارية الذين يصدق عليهم مصطلح (entrepreneur) وهو مصطلح محترم لأنه يشير إلى تلك الفئة من المستثمرين الجادين.
على العكس من ذلك تمضي الدراسة كي تقول:
إنهم في غالبيتهم العظمى مديرو الشركات ومسؤولوها التنفيذيون بعد أن أوضحت أحدث البحوث الصادرة في هذا الشأن أن نحو 60 في المائة من أفراد نسبة الواحد في المائة إياها ينتمون إما إلى فئة المديرين أو إلى فئات من المضاربين الذين لا عمل لهم سوى المتاجرة في النقود داخل البورصات حيث لا إنتاج ولا أصولا حقيقية ملموسة من شأنها أن تضيف بحق إلى موارد الثروة القومية وتدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام ومن ثم تسهم في تقدم المجتمع إلى آفاق جديدة تتحقق على ضفافها آمال مواطنيه. وقصارى هذه الفئة أن تتبع وهْماً شائعاً في تلك الأوساط يتصور أن النقود هي أصل حقيقي ملموس وهو تصور خاطئ حقاً على نحو ما يؤكده المفكر الكندي المرموق جون رالستون سول في كتابه الصادر منذ سنتين بعنوان «انهيار العولمة وإعادة اختراع العالم».
فئات أخرى
في نفس السياق يعمد البروفيسور كروغمان إلى أن يضيف إلى فئة المديرين التنفيذيين فئات أخرى بخلاف المستثمرين الحقيقيين ما بين جموع المحامين أو العاملين في مجال المضاربات والرهونات العقارية.
والرجل لا يطّل على هذه الظاهرة من التمييز المالي واللامساواة الاقتصادية من منظور خيري أو مفعم بالروح الإنسانية.. وبوصفه اقتصادياً مرموقاً كما أسلفنا فهو يذهب إلى أن هذه الأوضاع من اللامساواة معناها، في التحليل الأخير، أن معظم أفراد العائلات المؤهلة في أميركا لا تتاح لها فرص المشاركة في النمو الاقتصادي لبلادهم.
ثم هناك المنظور السياسي أيضاً، وبمعنى أن هذا التركيز المفرط للثروة والدخل أصبح ظاهرة تتنافى بداهة مع أسس الديمقراطية الحقيقية. وفي هذا الصدد تطرح الدراسة الأميركية تساؤلاً نراه بديهياً على النحو التالي:
- هل يستطيع أي امرئ أن ينكر أن نظامنا السياسي أصبح لنفوذ الثروات الكبرى وأن هذه الظاهرة السلبية تزداد تفاقماً كلما تحولت الثروة القومية كي تتداولها أيادي القلة «الاوليجاركيه» القليلة.
آفة الفساد
ومرة أخرى فالقلة الأوليجاركيه تظل متهمة بإساءة التعامل مع موارد مجتمعها سواء بفعل محاولات الاستئثار بتلك الموارد أو باحتكار عوائدها ناهيك بمساعي تلك القلة المحظوظة باستخدام امكاناتها المالية في سبيل الحصول على المزيد من النفوذ السياسي سواء على صعيد دوائر الحكومات أو على مستوى مقاعد البرلمانات.
هنا تتحدث المجامع السياسية عن ظاهرة أو آفة الفساد الذي اضطرت المنظومة العالمية إلى إنشاء مؤسسة متخصصة من أجل مكافحته أو على الأقل من أجل تحجيمه ومحاولة الحد من استفحاله. ويومها ارتأت هذه المؤسسة العالمية لمكافحة الفساد أن أبلغ وأنجع وسيلة لهذه المكافحة ربما تتمثل في خطوة جوهرية وفعالة أيضاً تتمثل فيما يلي:
كشف الفساد
هنا نحيل أيضاً إلى مفكر كندي آخر هو البروفيسور مايكل اتكنسون الذي نشر مؤخراً دراسة ضافية عن آفة الفساد، لا في بلاد العالم النامي أو المتخلف حيث يتحالف الفساد المالي مع الفساد السياسي.. ولكن حتى في أعرق الدول التي ترفع شعارات الديمقراطية.
الدراسة منشورة في أحدث الأعداد الصادرة عن «المجلة الأميركية للعلوم السياسية» (عدد خريف عام 2011) وتتابع سطورها ظواهر بل فضائح الفساد التي دوّت أصداؤها في جنبات دول أوروبية أعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي وهي أكبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي. تبدأ الدراسة من عام 1999 حين اجتاحت ألمانيا فضيحة ذات جذور سياسية واقتصادية مالية في آن معاً.
نواب الشيكولاتة
في عام 1999 اهتزت ألمانيا بفعل فضيحة تمويل كان فيها مساس بسمعة مستشارها السابق مما أطاح به بعيداً عن منصبه بوصفه المسؤول رقم واحد في البلاد. وفي عام 2005 تراكمت اتهامات تتعلق برشاوى مدفوعة في عقود البناء والمصرف الصحي واتضح من خلالها أن مِن كبار السياسيين الألمان من كان مدرجاً على كشوف مرتبات سرية طبعاً تدفعها كبريات الشركات الألمانية لقاء العقود «السمينة» بمعنى الطائلة العوائد والامتيازات..
وفي فرنسا انكشف اتهام رئيسها السابق جاك شيراك إذ كان رئيساً لبلدية العاصمة باريس وأفضت لائحة الاتهام إلى تقديم 47 من الساسة المرتبطين بشيراك إلى المحاكمة بتهمة الفساد والرشوة على حساب جموع الشعب الفرنسي.. وفي بريطانيا نشرت صحيفة «الدايلي تلغراف» في أحد أعدادها الصادرة في شهر مايو 2009 كشوف الحسابات التي شهدت بأن عدداً من أعضاء مجلس العموم البريطاني حصلوا على أموال ومزايا لا يستحقونها نظير خدمات برلمانية أو إدارية قدموها لشركات ومؤسسات لا تستحقها أيضاً.
شرائط محظورة
ومن الطريف أن هذه المزايا التي أدت إلى فساد النواب الإنجليز المحترمين كان من بينها مثلاً تقديم عمال وخدمات لتشذيب حدائق النواب بلا مقابل بطبيعة الحال، إضافة إلى تجديدات لبيوتهم فما بالك بتزويدهم، كما ذكرت الصحيفة البريطانية، بسلع ومواد لا تليق بمركزهم النيابي بحال من الأحوال.. حيث شملت الرشاوى المقدمة أشياء من قبيل شرائط البورنو بمشاهدها الخليعة.. فضلاً عن كميات من قوالب الشيكولاتة التي تقّبلها النواب لزوم إرجاء الفراغ ولكنها كانت رشاوى غير مقبولة بطبيعة الحال..!
وأياً كان الأمر.. وسواء اتخذ الفساد شكل الاحتكار من جانب القلة «الأوليجاركيه» على حساب الأغلبية الساحقة من أبناء الوطن، أي وطن.. أو اتخذ الفساد شكل رشاوى مدفوعة نقداً أو مقدمة عيناً.. فلاشك أن هذا كله يخلق وضعاً من اللامساواة.. من الظلم.. من غياب تكافؤ الفرص.. قد يبدأ هينا ولكن استمراره كفيل بأن يعصف بكيان بل وبسلام المجتمع في نهاية المطاف.
معنى المصطلح
شأن أغلب مصطلحات العلوم السياسية، فإن مصطلح أوليجاركيه مستمد في أصوله أو جذوره من اللغة اليونانية التي يقول متنها بأن أوليجوي (أو أوليغوي) تؤدي معنى القليل أو الحفنة القليلة.. ثم يضاف إليها بداهة المقطع أركو أو أرشو بمعنى السيادة السلطة أو الحكم ليكتمل مصطلح أوليجارك كي يفيد المعنى المحوري التالي: حكم الأقلية، ومن هنا تصبح «أوليجاركيه» هي سيطرة أقلية من المتسلطين المتنفذين على مقاليد السلطة السياسية ومن ثم الفعاليات الاقتصادية في مجتمع ما أو في بلد من البلدان.
