تشهد الساحة الأميركية في الوقت الحالي ظاهرة مزدوجة تتوزع سياسياً واجتماعياً واقتصادياً بين جهتين تتمثل أولاهما في حركة «احتلال» وول ستريت فيما تتجسد الثانية في حركة «حفلة الشاي»: الأولى ترفع شعارات اجتماعية تطالب فيها بالعدالة في المجال الاقتصادي بالذات وخاصة ما يتعلق بإيجاد فرص العمل وتوسيع التغطية بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي ومن ثم فهي تعد الأقرب إلى أطروحات الحزب الديمقراطي الحاكم حالياً في الولايات المتحدة، فيما ترفع الثانية شعار معارضة الديمقراطيين والحيلولة دون حصول رئيسهم «أوباما» على ولاية التجديد الثانية التي يكفلها له دستور البلاد وهي تستغل أبعاد الأزمة الاقتصادية الراهنة في دعاياتها ضد أوباما وحزبه الديمقراطي. ويلاحَظ أن الفريق الأول في وول ستريت يوجه اللوم على ما آلت إليه الأحوال الاقتصادية إلى جشع الأغنياء وأطماع واحتكارات المؤسسات الاقتصادية الكبرى في حين يوجه الفريق الثاني كل الملام إلى الحكومة التي يتهمها بأنها توسعت سواء في حجم مرافقها أو كثرة تدخلاتها وهو ما يصادر في تصور هذا الفريق على المبادرة الفردية وحرية النهج الرأسمالي.. ورغم أن هذه المساجلات وجدت طريقها إلى ساحات الدراسات الأكاديمية والاجتهادات الفكرية إلا أنها بدأت تقترب بعيدة نسبياً من اهتمامات الأغلبية الصامتة من جماهير الشعب الأميركي.
سائق التاكسي البرازيلي الأصل يبادر الراكب سائلاً في نبرة تنطوي على مزيج من الاستفهام والاستغراب:
- أتقصد يا سيدي التوجه إلى وول ستريت؟
بعدها يمضي إلى المكان المطلوب دون مناقشة وربما بانتظار مكافأة يقدمها له الراكب الغريب القادم من بلاد الشرق العربي في زيارة كانت قصيرة نسبياً إلى نيويورك.
وربما لا يجد الزائر شيئاً مستجداً حين يحاول التجول بحذر شديد عند مشارف «وول ستريت» التي طالما زارها من قبل.. لكن الحقيقة المستجدة لا تلبث أن تطالعه قائلة بالفُم المليان كما يقولون:
- وول ستريت وعلى عكس ما قد نتصور، ويتصور الكثيرون، لم يعد حاليا هو حي المال والأعمال أو موقع الحل والربط في قضايا اقتصاد أميركا أو اقتصاد العالم الذي تؤثر أميركا في شؤونه وتطورات أحواله بين المسير والمصير.
أصبحت الحقيقة المستجدة هي أن معظم وأهمّ الشركات وبيوت التمويل التي طالما اتخذت مقارها ومبانيها في ذلك الشارع الصغير الكائن في منطقة نيويورك السفلى كما يسمونها، وهي المنطقة التي تتاخم رأس جزيرة مانهاتن ذاتها وعلى مقربة من تمثال الحرية هذه الشركات والمؤسسات المالية هجرت موقعها على مدار الأعوام القليلة الماضية، وكان ذلك منذ سنوات التسعينات إلى حيث اتخذت مقارها الجديدة في عدد من الضواحي خارج مدينة نيويورك. ولهذا فلم يعد «وول ستريت» يتمتع بالوصف التاريخي باعتباره حي المال حيث انتقلت مؤسسات المال بعيداً عن حدوده، ولا حي الأعمال حيث يدور الخطاب الجمعي العام في أميركا في الوقت الحالي حول قضية البطالة وخاصة بين أوساط الشباب من جهة دعك من البطالة المفاجئة التي تحل بأرباب العائلات نتيجة إجراءات «الاستغناء» من جهة أخرى، وهو الإجراء الأقسى حيث يصبح الكيان العائلي مهدداً، لا في رفاهيته، وحسب ولكن في ألزم مقتضيات معايشه وفي مقدمتها السكن المرهون لقاء أقساط شهرية ينبغي أداؤها في مواعيدها بطبيعة الحال.
الخطاب الجمعي الأميركي أصبح يحمل مفردات غير مسبوقة على مجتمع تسوده نزعة الاستهلاك المفرط في بعض الأحيان، ومن هذه المفردات مثلاً ما يمكن أن يطالعه الزائر ميدانياً في لغة اللافتات المرفوعة أو يطالعها إعلامياً على شاشات التليفزيون وفي مقدمتها الشعار الرافض لاتساع الهوة المتفاقمة بين الأغنياء والفقراء في أميركا..