مازال الشأن الأميركي في اللحظة الراهنة معنيا بما يدور في جنبات الشارع الصغير من أقاصي جزيرة مانهاتن الواقعة في قلب نيويورك الحاضرة ــ ذات البعد العالمي ــ الكوزمو بوليتان كما يسمونها - على طول الساحل الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة.
يحمل الشارع الصغير اسمه الذي يكاد يعرفه كل فرد في عالمنا « وول ستريت ».
ولا يكاد يخلو من ذكره، وبوتيرة تكاد تكون يومية أي وسيلة من وسائل الإعلام.. مذاعا كان أو مطبوعا أو إلكترونيا وتحت الصفة الأشهر التي تقول: إنه حي المال والأعمال حيث بورصة وولت ستريت بجلالة قدرها ومحورية دورها وعمق تأثيرها على أسعار السلع والمنتوجات والموارد في طول العالم وعرضه على السواء.
اليد الخفية
وفيما أصبح وول ستريت رمزا يدل على المصالح المالية الكبرى لأميركا، على نحو ما تذهب إليه «موسوعة كولومبيا» فمازالت عيون دوائر المال والتجارة والنشاط الاقتصادي مسلطة على التطورات المستجدة على مؤسساته جنبا إلى جنب مع تسليطها على قرينه في انجلترا «كومبارد ستريت»، حيث تتحدد على صعيدهما مسارات وربما مصائر حركة الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة.
وكان بديهيا أن تعتمد عجلة النشاط الاقتصادي في «وول ستريت» أسس وقواعد النظريات الرأسمالية الذي ظلت خاضعة على مدار عقود طويلة خلت من عمر الزمان المعاصر لنظرية العرض والطلب، وبالتالي إلى فكرة اليد غير المنظورة ــ أو اليد السحرية التي سبق وأن قال بها واضع النظرية الرأسمالية الحديثة ــ الاقتصادي الإنجليزي الأشهر آدم سميث (1723-1790) ومؤداها ــ كما أصبح معروفا ــ أن هذا النمط الرأسمالي من أنماط الاقتصاد، إذ يقوم على معادلة العرض والطلب كفيل بأن يصحح نفسه بنفسه، وبمعنى أن هناك ما يوصف مثلاً بأنه اليد ــ الشبح التي تصحح الأخطاء من خلال تحقيق التوازن المطلوب بين أحجام عرض السلع والمنتجات (والخدمات) وبين معدلات الطلب عليها.. وبذلك تنصلح الأحوال وتعود العجلة إلى الدوران من جديد.
الكساد العظيم
وربما كان اقتصاد القرن التاسع عشر مجالا ميسورا لإثبات نجاعة مثل هذه النظرية وربما لم يولِ الفرقاء من سياسيين واختصاصيين اهتماما كافيا بل واجبا بما سبق إليه آدم سميث وأتباعه ومنهم مثلا ديفيد ريكاردو (1772-1823) من التنبيه أو التحذير من مغبة ما يصيب هذا النمط الرأسمالي من النشاط الاقتصادي من أزمات دورية تحيق به بين حقبة وغيرها.. وهو عين ما حدث عندما أحاق بالاقتصاد الأميركي الواعد أيامها من أزمة دورية رهيبة مازالت تحمل في تاريخ القرن العشرين اسمها المعروف وهو: الكساد العظيم.
وكان من الدروس المستفادة، والمريرة أيضا، من أزمة أو كارثة هذا الكساد الرهيب التي بدأت مع مغيب عشرينات القرن وحتى أواخر الثلاثينات، أن أفضت إلى اجتهادات نظرية حاولت بلورة هذه الدروس وكان في مقدمتها المقولة التي سبق إلى صياغتها المفكر الاقتصادي الإنجليزي جورج ماينارد كينز (1883-1946) تحت عنوانها الشهير: النظرية العامة.
وكان محورها باختصار شديد هو أنه لا ينبغي ترك كل مقاليد الاقتصاد في يد فئة أو طبقة أو شريحة بعينها في أي مجتمع.. وإلا فمثل هذه الأوضاع من شأنها أن تؤدي إلى آفات الاستئثار والاحتكار ومن ثم الفساد الإقصاء والاحتكار الاقتصادي وبالتالي إلى تحوّل الاقتصاد الحديث إلى ما أصبح يعرف مع بدايات هذا القرن الواحد والعشرين تحت مصطلح يسمونه في الإنجليزية بأنه: Crony Economy ويقابله في عربيتنا الشريفة المصطلح التالي: اقتصاد المحاسيب (أو الأزلام).
تاتشر وريجان
والحق أن كان المفكر الإنجليزي كينز يطالب بدور واع وفعال ودينامي للدولة بالنسبة لتنظيم وترشيد عملية النشاط الاقتصادي وليس للتدخل اليومي في صميم تفاصيلها.. والمعنى هو توخي التوازن الذكي المرهف بين دور الدولة الحديثة والملتزمة والساهرة على مصالح مواطنيها وبين ضرورات فسح المجال للمبادرات الفريدة والإبداعات غير الحكومية والمؤسسات الخاصة التي تعي مسئولياتها الاجتماعية بالدرجة الأولى.
والحاصل أن جاءت إلى سدة الحكم في بريطانيا مرغريت تاتشر في عقد الثمانينات، وتزامنت معها حقبة الرئيس رونالد ريغان في أميركا.. وكان أن هيمنت على مقاليد الأمور في كل من لندن وباريس نظرية «دعه يعمل.. دعه يمر» التي رفعت شعارات الحرية الاقتصادية بغير ضابط ولا رابط.. حيث كان تحقيق الربح هو سيد المبادئ وغاية الغايات.
ولكن الذي حدث بحق أن تكريس مبدأ الربح فقط.. جاء على حساب غياب مبدأ العدل وبمعنى أن زاد الأغنياء ثراء إلى حدود احتكار الموارد ومن ثم قدرة الهيمنة، ولو بصورة غير مباشرة ــ على مؤسسات الحكم، وبالتالي على منظومات إصدار وتفعيل التشريعات.. هذا في حين زادت ترديا أحوال الشرائح الاجتماعية الأخرى في المجتمع الأميركي بالذات وكان من أهمها الطبقة الوسطى التي تعد بحق، وفي كل المجتمعات الحديثة، قطب الرحى.. رمانة الميزان ومستودع المهارات والقدرات التي تمد المجتمع باحتياجاته من القوى والموارد البشرية اللازمة لدفع عجلة الإنتاج وحّث خطى التقدم إلى الأمام.
كلينتون وبوش
وفيما استطاعت حقبة كلينتون بالذات أن تحقق قدرا من التوازن المطلوب خلال العقد الأخير من القرن العشرين، فقد جاءت حقبة «بوش ــ الابن» مع السنوات الأولى من القرن الجديد لتشهد تراكما للسلبيات التي منيت بها دورة الاقتصاد الأميركي، سواء باستنفاد ما كانت إدارة كلينتون قد حققته من فوائض سخية في الميزانية القومية، أو بتحميل الخزانة الأميركية تكاليف المجهود الحربي الباهظة.
وربما الهائلة في حربي أفغانستان والعراق ثم تزامن مع هذا إمعان إدارة بوش في اتباع أفكار حزبه الجمهوري القائمة على تكريس المبادئ والممارسات الرأسمالية ولصالح كبار المتنفذين وصفوة المليارديرات ــ التايكونات كما يقول المصطلح الأميركي مع إطلاق كل عنان أمام المصارف ومؤسسات التمويل ــ العقاري بالذات كي تقدم قروضا وتتعامل في مشتقات القروض بصورة تجمع بين الجموح إلى حد الانفلات وبين الغلّو إلى حد لا يتدبر العواقب وهو ما أفضى كما هو معروف إلى نشوء أزمة الديون والتمويل التي أدت بدورها، وبحكم نظرية الدومينو، بمعنى الآثار المتوالية الناجمة عن الاقتصاد الأميركي والممتدة إشعاعا إلى سائر اقتصادات العالم.. إلى إصابة هذا العالم بأزمة اقتصادية مازال يعاني من براثنها حتى اليوم.
غياب العدل
ورغم ما أمعن فيه المعنيون من تحليلات ودراسات.. فربما كان المحور الأساسي قبل الأزمة وبعدها يتمثل في الكلمة البسيطة التي مازالت تشكل جوهر تعاليمنا الإسلامية العظيمة.. وهذه الكلمة هي: العدل.
لقد أصبحت هذه الكلمة بكل معانيها وظلالها ومدلولاتها في الإنجليزية هي الشعار المرفوع حاليا على المخيمات والحشود المتجمعة حاليا في «زوكوتي بارك» وهي حديقة لم يكن لها اسم مذكور رغم قربها من شارع وحّي المال والأعمال في «وول ستريت» بحيث لا تفصلها عنه سوى بضع بنايات على نحو ما تقول كاتبة النيويورك تايمز «جيل كولنز» التي تنبأت في مقالها (بتاريخ 7 أكتوبر) بأن هذه المئات من الشباب المتجمع هناك يمكن أن تزيد إلى آلاف عندما يقررون تحويل تجمع الاعتصام إلى مسيرة تذرع أرجاء الحي المذكور.
تستعيد الكاتبة الأميركية ذكريات شبابها الأول حين كانت بدورها تنتظم في سلك اعتصامات وتجمعات ومظاهرات في عقدي الستينات والسبعينات احتجاجا على حرب فيتنام.. ورغم هذه المشاعر من نوستالجيا الحنين لكن لا يفوتها أن ترصد محاولات الحزب الديمقراطي ورئيسه الحالي باراك أوباما في استغلال تظاهرات وول ستريت الراهنة لتصبح قرينا أو معادلا، أو تصبح كما تقول الكاتبة الأميركية ــ هي النسخة ــ «الديمقراطية» (نسبة إلى الحزب المذكور) من جماعة «حفلة الشاي» التي نجح الحزب الجمهوري المعارض في تكوينها كي تصبح فصيلا تضم غلاة الجمهوريين المعارضين لأوباما من جهة والمنضويين تحت لواء اليمين الأميركي ــ المعادي لتيارات الانفتاح والتسامح والعدل الاجتماعي من جهة أخرى.
الفقر والثراء
من ناحية أخرى يتساءل مفكر أميركي آخر هو البروفيسور روبرت ليبرمان أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا في دراسة نشرتها مؤخرا مجلة الشئون الخارجية فورين أفيرز عما آلت إليه أحوال أميركا التي كانت توصف دوما بأنها أرض الفرصة السانحة. والتساؤل بسيط بقدر ما أنه بليغ الدلالة حين يقول عن أحوال أميركا: لماذا يصبح الأغنياء أكثر غنى؟
وبديهي أن الجواب يتمثل في عبارة من شأنها أن تفيد قائلة: لأن الفقراء يزدادون فقرا. وتلك إجابة لا تستمد كلماتها من معين البلاغة اللغوية، بل لأنها تكاد تجسد واقعا ملموسا في أميركا وفي أقطار أخرى (اليونان نموذجا) وهو كذلك طروحات اثنين من كبار علماء السياسة في أميركا وهما جاكوب هاكر وبول بيرسون اللذان تنقل عنهما دراسة «الفورين أفيرز» ما يذهبان إليه من أن الرابح (وهو الأغنى والأقدر) بات يستأثر بكل شيء وبما يؤدي إلى تشويه الواقع في أي مجتمع صحي، وهو ما أدى بالفعل إلى وصول المجتمع الأميركي ذاته إلى مستوى من اللامساواة بشكل غير مسبوق منذ أيام الكساد العظيم في عقد الثلاثينات من القرن العشرين..
والسبب في رأي هذين المفكريْن الأميركيين يتمثل في ما تحظى به من «المكافآت ــ بمعنى العوائد المالية» - قلة من صفوة المحظوظين، حيث يتم هذا على حساب المخاطر التي بات يتعرض لها على نحو متزايد جموع الطبقات الوسطى التي أصبحت تفتقر إلى سبل الحماية ومن ثم فهي مكشوفة أمام المخاطر ومعرّضة بسبب ما ينجم عن ضعف أوضاعها الاقتصادية إلى مختلف العواصف والأنواء.
إضاءة الأثرياء والأزمة
ازداد الأثرياء ثراء العام الماضي رغم أن العالم واجه أسوأ أزمة ركود اقتصادي ومالي منذ عقود.
فقد أظهر أحدث تقرير بشأن الثروة العالمية أعدته شركة ميريل لينش، أن تعافي سوق الأسهم ساعد في زيادة ثروات الأثرياء في العالم بنسبة 19 بالمئة.
وكانت أسرع وتيرة لنمو الثروات في الهند والصين والبرازيل والتي كانت بين الأسواق الأكثر تضررا خلال عام 2008. وزادت الثروات في أميركا الجنوبية ومنطقة آسيا والمحيط الهادي إلى مستويات قياسية.
كما زادت طبقة المليونيرات في آسيا إلى ثلاثة ملايين لتتساوى مع أوروبا للمرة الأولى، وفي أميركا الشمالية اتسعت طبقة الأثرياء إلى 17 بالمئة، حيث قدرت ثرواتهم الإجمالية بحوالي 10.7 تريليون دولار. وضمت الولايات المتحدة أغلب المليونيرات في 2009 حيث وصل عددهم إلى 2.87 مليون شخص، تلتها اليابان بعدد 1.65 مليون وألمانيا بعدد 861 ألفا والصين 477 ألفا.
وشهدت سويسرا أعلى كثافة في المليونيرات بلغت حوالي 35 لكل 1000 من البالغين.
