استمرار تقلبات أحوال العملات في العديد من الدول هو ما دعا الكونغرس الأميركي إلى أن يبدأ مع أيام الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الحالي النظر في إصدار قانون يقضي بمعاقبة الأقطار التي «تتلاعب» بعملاتها الوطنية من حيث قيمتها وسعر صرفها. ويطلب القانون المرتقب من وزارة الخزانة الأميركية أن تُعد قائمة توضح فيها على وجه التحديد أسماء البلدان التي يشوب عملاتها «تشوهات متعمدة» في تسعير قيمتها وهو ما يلحق الضرر بالأطراف الدولية الأخرى التي تتعامل على أساس سعر صرف تلك العملات.

 

الميزان التجاري

ويطالب القانون المستجد أيضا إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أن يتخذ من الإجراءات الناجزة على صعيد أسواق العملة النقدية ما يكفل مواجهة ما تعمد إليه الصين من تسعير عملة «الرومبيني» بأقل من قيمتها.. بل يصل القانون المذكور إلى حمل وزارة التجارة بالولايات المتحدة على النظر في فرض رسوم تعريفية جمركية على المنتوجات الصينية الواردة إلى أسواق أميركا على أساس أسعار تقل عن قيمتها ومن ثم فهي توجه أكثر من ضربة قاضية وأحيانا قاصمة إلى نظيرتها من المنتجات الأميركية، وهو ما يزيد بالتالي من الخلل الهيكلي المزمن أو شبه المزمن الذي ما برح يصيب ميزان التبادل التجاري بين البلدين ولصالح الطرف الصيني بطبيعة الحال.

 

إجماع الحزبين

ولقد نلاحظ أن ثمة إجماعا قويا ساد بين الحزبين الرئيسيين في الكونغرس وهما الحزب الديمقراطي الحاكم والحزب الجمهوري المعارض على تمرير مشروع القانون الذي عرضنا له في مستهل هذه السطور.. وعندنا أن الطرف الديمقراطي الحاكم حاليا يحاول جاهدا أن يخفف من غلواء أزمة الاقتصاد وآفة الكساد ومشكلة البطالة التي تستبد حاليا بالاقتصاد الأميركي وقد تهدد حظوظ الديمقراطيين واستمرار رئيسهم الحالي «باراك أوباما» في سدّة الحكم في البيت الأبيض وخاصة مع بداية سنة الانتخابات الحاسمة حاليا للفوز بالولاية الثانية التي يكفلها الدستور لرئيس الولايات المتحدة.

ونظن أن تأييد الطرف الجمهوري المعارض يدخل في باب التمهيد أو الوقاية من مجابهة أزمة اختلال متفاقم في الميزان التجاري فضلاً عن أزمة مديونية شديدة الوطأة وذلك في حال فوز مرشح جمهوري مع انتخابات العام القادم الوشيكة برئاسة الولايات المتحدة بدلا من التجديد للسيد «أوباما».

 

اللعبة انتهت

المهم أن واحدا من أركان الديمقراطيين في مجلس الشيوخ هو السناتور «تشارلس شومر» وَصَف مشروع القانون إياه بأنه «يمثل رسالة واضحة وقاطعة بغير لبس موجهة من كلا الحزبين في الكونغرس الأميركي إلى قادة الصين.. ومفادها باختصار أن اللعبة انتهت وأن قد حان الوقت يضيف « شومر» - لوقف التلاعب بالنظم الموضوعة وإلا فالعواقب وخيمة.

مع هذا كله فقد لاحظنا كيف أن دوائر إعلامية رصينة رفعت عقيرتها اعتراضا على هذا الذي يدور في قاعات المجلس النيابي الأميركاني واصفة إياه بأنه يستهدف أصوات الناخبين في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى.

هكذا نشرت «النيويورك تايمز»، صباح الرابع من أكتوبر الحالي مقالها الافتتاحي تحت عنوان لا تخفى دلالته وهو: «الطريقة الخطأ للتعامل مع الصين».

وتبدأ «التايمز» بالتسليم بأن الصين مازالت تتلاعب بقيمة عملتها الوطنية، وأن ثمة أقطارا عديدة في طول العالم وعرضه، ومنها الولايات المتحدة، تخسر فرصا للعمل ويرتفع فيها مؤشر أو نذير البطالة بعد أن أصبحت صناعاتها التحويلية عاجزة عن المنافسة مع السلع الصينية الرخيصة التي يتم تسعيرها بصورة مصطنعة ومتعمدة بطبيعة الحال. وهنا لا تتردد الصحيفة الأميركية الكبرى في ضرورة المطالبة بأن تكف الصين عن هذا السلوك وأن تعمل على أساس ما يحقق مصالح الاقتصاد العالمي وآفاق تنميته في الأجل الطويل.

 

تفاقم البطالة

وبديهي أن الجريدة الأميركية تنشر آراءها على خلفية العلاقات الجديدة بين واشنطن وبكين التي امتد عمرها، كما أسلفنا، على مدار عقدين من الزمن وإن كان من مراقبي الشأن الاقتصادي من يتهم هذه العلاقات التي انفتحت فيها أميركا على الصين الشعبية (الشيوعية) بأنها كانت من أسباب البطالة التي أصابت عمليات الاستخدام بمعنى تدهور معدلات التوظيف في مجالات الصناعة التحويلية بالولايات المتحدة.

ومن ثم فهناك إجماع أو شبه إجماع في أوساط الاقتصاديين الأميركان على أنه لو طرأ ارتفاع معقول على سعر صرف العملة الصينية لأمكن للصناعة الأميركية أن تسترد أنفاسها، وإن كانت الأوساط المذكورة تضم محللين يستشرفون آفاقا أوسع في المستقبل وينادون بأن الحل لا يكمن في الوقوف أمام سور الصين العظيم للمناشدة من أجل رفع قيمة الرومبيني.

وبدلا من ذلك فالأنسب هو المزيد من تطوير الصناعات والأنشطة الجديدة عالية التكنولوجيا في أميركا ومنها مثلا تصنيع وتسويق الألواح الشمسية السوبر متقدمة من حيث توفير الطاقة واستثمار بديل فعال لموارد الوقود الاحفوري التقليدية، وهو مجال يبشر بتفوق الطرف الأميركي بفضل ما يتمتع به من ميزة نسبية في مجال البحث والتطوير، أو في مضمار العلم والتكنولوجيا، ومن ثم يستطيع منافسة النظير الصيني الذي لم يكن مجديا سوى الاعتراف بأن منتوجاته، ومن ثم صادراته ستظل بفضل رخص أسعارها وسهولة تناولها متمتعة بميزاتها التنافسية وخاصة في مجال دمى الأطفال ومنتجات الغزل والنسيج.

 

انتقام صيني

المهم أن الدوائر الرصينة في الإعلام الأميركي إذ تولي اهتمامها بقضية المنافسة المطروحة على صعيد علاقات أميركا الصين، وإذ تحضّ على التماس أنجع أساليب التصدي لاستمرار هذا الرجحان في كفة الصين إلا أن جريدة مثل « التايمز» لا تلبث في افتتاحيتها التي ألمحنا إليها أن تضيف على سبيل الاستدراك السياسي فتقول: « في ضوء تاريخ بكين (الصينية ) من مجابهة النيران بالنيران، فإن كثيرا من الخبراء يخشون من أن تشن الصين غاراتها الانتقامية على جبهات أخرى، كأن تُقدم مثلا على فتح تحقيقات جديدة مناهِضة للسلع الأميركية التي تستوردها أو تتباطأ بالعمد في بذل جهودها الرامية لوقف عمليات السطو على الملكية الفكرية للابتكارات الأميركية، بل قد تعمد الصين أيضا إلى كبح متعمد لمعدل الارتفاع الحالي في سعر عملتها الوطنية مقابل الدولار».

والمهم هو أن تنشط أميركا في الضغط على شركائها في الاتحاد الأوروبي وربما على البرازيل أيضا كي يزيدوا من وطأة شكاواهم بحق الصين بعد أن ثبت أن انخفاض عملتها يلحق الضرر باقتصاداتهم بنفس المقياس.

مستقبل الهيمنة

في ضوء هذا كله، علينا أن نوسع أبعاد المنظور الذي نطل منه على أوضاع الصين في الحاضر وعلى آفاق تطور أوضاعها في المستقبل. ويبدو أن الإطلالة الشاملة في هذا الخصوص ستكون في صالح الصين مع نهاية المطاف. وليس ببعيد ما يذهب إليه مفكر أميركي مرموق هو «آرفند سوبرامانيان» كبير الباحثين في معهد الاقتصادات الدولي بالولايات المتحدة الذي يستعد لإصدار أحدث كتبه تحت العنوان التالي: «الخسوف: الحياة في ظل الهيمنة الاقتصادية للصين».وبديهي أن الباحث الأميركي يقصد بالعنوان السابق خسوف أو غروب مكانة التفوق أو الهيمنة التي ظلت أميركا تنعم بها في مضمار الاقتصاد الدولي ومن ثم في السياسة الدولية على مدار عقود من الزمن حتى خلال تنافسها مع الغريم السوفييتي خلال حقبة الحرب الباردة التي امتدت من أواخر الأربعينات الى مطالع التسعينات من القرن العشرين.

وعندما قدم المفكر الأميركي المذكور خلاصة أطروحاته المقرر أن يشملها كتابه المرتقب فقد نشرتها مؤخرا مجلة الشؤون الخارجية «فورين أفيرز» في مقال حمل عنوانين يتفقان بداهة مع متون الكتاب المذكور.

العنوان الأول هو: القوة العظمى المحتومة، والعنوان الثاني هو: لماذا أصبحت هيمنة الصين في حكم المؤكد.

 

معنى الهيمنة

إن الباحث الأميركي ينطلق أساسا من تعريف للهيمنة، بمعنى السيطرة أو الغَلَبة الاقتصادية يقول بأنها تتمثل في قدرة الدولة على أن تستخدم وسائلها وأدواتها الاقتصادية كي تحمل البلدان الأخرى على أن تقوم بما تريده الدولة المذكورة، أو أن تحول بين تلك البلدان وبين أن تفعل ما لا تريد أن تفعله. ومن هذه الوسائل والأدوات ما يتصل بحجم اقتصاد البلد المعني، وحجم تجارته وصحة مساراته المالية في الداخل والخارج، وحالة المَنَعة العسكرية التي يتمتع بها وأوضاع ديناميته (حيويته) الاقتصادية ثم المكانة الدولية التي تشغلها وتنعم بها عملته النقدية الوطنية.

ويمضي «آرفند سوبرامانيان» ليوضح أنه تولَّى صياغة مؤشر لقياس أوضاع السيطرة أو الغلبة الاقتصادية لبلد ما بحيث يمثل المؤشر بالأرقام القياسية عوامل أساسية ثلاثة هي:

(1) الناتج المحلي الإجمالي.

(2) التبادل التجاري مقاساً بحجم الصادرات والواردات السلعية.

(3) الدرجة التي يعد بها البلد المعني دائنا صافيا بالنسبة لسائر دول العالم.

ونحسب أن كانت تلك خلفية أو «فَرشة» نظرية كما قد نسميها استخدمها المحلل الأميركي البارز مهادا لرسم صورة موضوعية لأوضاع أميركا والصين في مستقبل الأيام حيث استخدم الحاسوب الالكتروني لمعالجة هذا المؤشر الذي ألمحنا إليه على مدى حقبة زمنية طويلة نسبيا حدد بدايتها في عام 1870 ورسم نهاية مستقبلية لها في عام 2030 المقبل.

 

تفاقم الديون

صحيح يضيف الباحث أيضا أن ناتج أميركا المحلي أكبر حاليا من نظيره في الصين، إلا أن أميركا تمثل موضوعيا طرفا مدينا بصورة متفاقمة ومن ثم فهي طرف يتسم بهشاشة التعرض والاستضعاف أمام ما قد يهّب من أنواء الأزمات الاقتصادية وغير الاقتصادية في مستقبل الأيام، وفي المقابل مازالت الصين، ولأسباب شتى، دائنا صافيا على مستوى العالم كله فما بالنا عندما تواصل الصين عمليات تنويع أنشطتها الاقتصادية وفي مواقع شتى من عالمنا تلقى فيها القبول ومنها مثلا أفريقيا ومن ثم أميركا اللاتينية حيث يأتي الوافد الصيني وفي أعطافه تجاره أو عماله أو استثمارات مبرأ من تركة الإمبريالية الصريحة التي تنوء بها مواريث الغرب الأوروبي أو مواريث الهيمنة التي ارتبطت في الذهنية الجمعية في العالم الثالث تجاه الولايات المتحدة.

ويسترعي الانتباه أخيرا ما يصفه المحلل الاقتصادي الأميركي بأنه «درس السويس» حيث يوضح أن بريطانيا العظمى لم تصبح عظمى بل خسرت معركة السويس التي أممها (الزعيم العربي) عبد الناصر.. لأن بريطانيا كانت دولة مثقلة وقتها بالديون.. وهكذا يطبق الكاتب «عبرة السويس» كما يسميها على أميركا المثقلة بدورها بأعباء الديون مما من شأنه أن تتحول معه بوصلة القوة العظمى أو القطب الأوحد في العالم بعيدا عن أراضيها كي تستقر خلال 20 سنة أو نحوها على سواحل بلد يقع في أقصى الشرق الآسيوي اسمه الصين.

 

إضاءة

بحلول عام 2030 من المتوقع أن يصاب النموذج الأميركي بحالة انحدار ومن ثم لا يُسلم فقط إلى عالم متعدد الأقطاب بل سوف يُسلم إلى ما يكاد يكون عالَما يتحكم فيه أو يهيمن على مقاليده قطب مستجد واحد اسمه: الصين.. لماذا؟ ستكون الصين خلال العقدين المقبلين قد أحرزت ما يقرب من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم كله (مقاسا نصفه بالدولارات والنصف الآخر على أساس القوة الشرائية الحقيقية) هذا في حين أن أميركا لن تحوز وقتها سوى نسبة 15 في المائة.