قد يكون صحيحاً أن القبول بفلسطين دولة كاملة العضوية في منظومة الأمم المتحدة مازال يتهدده خطر استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) لتعطيل صدور القرار المطلوب في هذا الخصوص من جانب مجلس الأمن الدولي.
وهو ما دفع بأوساط سياسية ودبلوماسية وقانونية شتى في داخل وخارج الوطن العربي، إلى وصف الخطوة التي أقدمت عليها أوساط رام الله الفلسطينية بأنها جاءت خطوة رمزية (هل نقول دعائية) قبل أن يكون لها نتائج فعلية ومجسدة على أرض الواقع، إلا أن الصحيح أيضاً هو أنها لم تأت خطوة فارغة من المضمون.
دراسة منشورة
هكذا تعبر دراسة منشورة مؤخرا صدرت كي تشير إلى أن الطرف الفلسطيني تحرك على صعيد الجمعية العامة وتفريعاتها، فضلا عن التواصل مع عدد كبير بشكل ملحوظ من دول العالم أعضاء الجمعية العامة البالغ عددهم مؤخرا 193 دولة من أجل تحقيق ما وصفته الدراسة أيضاً بأنه «أهداف عملية ملموسة» ربما كان في مقدمتها ممارسة ما أمكن من الضغط السياسي المتوّلد عن أطراف المنظومة الدولية على كل من إسرائيل وأميركا من أجل الدخول في مفاوضات أكثر إنصافا وأعمق تأثيراً وأشد حرصا على تناول القضايا الجوهرية التي تتعلق بمصير الشعب الفلسطيني حاضراً ومستقبلاً.
بعيدا عن الجوانب الإجرائية والشكليات الدبلوماسية الدعائية التي تدور بالقضايا المصيرية في حلقات مفرغة أو دوائر جهنمية تستغرق، بل تستنزف، جهدا بغير طائل، وتضيع وقتا بغير محصلة، فيما تتواصل بل تتفاقم محنة شعب بأكمله مازال يكابد صنوف المعاناة في القلب من منطقة الشرق الأوسط.
الدراسة التي نحيل إليها صدرت في أحدث أعداد مجلة «الشؤون الخارجية» (فورين أفيرز) وعكف على إعدادها الباحث العربي «خالد الجندي» الذي قدمته المجلة الأميركية بوصفه أستاذا زائرا في مركز سياسات الشرق الأوسط التابع لمؤسسة «بروكينغز» الشهيرة التي تُعَد في مقدمة المواقع الفكرية البحثية (ثِنك تانك) في الولايات المتحدة (وقد نضيف من باب عبرة التذكير أن هذه المؤسسة هي التي توّلت من خلال بحوثها ما يمكن وصفه بأنه «هندسة» القرارات المصيرية بحق التي أخرجت إلى الوجود منظومة «التطبيع» إياها التي بدأت باتفاقات كامب ديفيد وانتهت في أواخر سبعينات القرن الماضي بإبرام معاهدة سلام (واعتراف) بإسرائيل)..
ولأن البروفيسور «الجندي» عمل مستشارا للقيادة الفلسطينية في ما يتعلق بمفاوضات الوضع النهائي التي سبق إجراؤها مع الطرف الإسرائيلي في الفترة 2004 2009 فالمعنى أن طروحاته والنتائج التي يستخلصها والأحكام التي يتوصل إليها إنما تصدر عن مزيج من البحث والتأمل الأكاديمي إضافة إلى الخبرة الميدانية والمعايشة المباشرة عند مستوى صنع القرار لدى الطرف العربي الفلسطيني.
النهج الواقعي
نلاحظ بداية في هذا الصدد واقعية المنطلق الذي يصدر عنه كاتب الدراسة حين يوضح أن التوصل إلى محصلة إيجابية أو ناجحة بعد طلب العضوية السابقة الذكر إلى الأمم المتحدة أمر لم يكن ليقتصر في رأيه على تسجيل أهداف إيجابية في مرمى الطرف الآخر.. ولكنه يشكّل بالأساس هدفا مركزيا بالنسبة لمحمود عباس، وللقيادة الفلسطينية التي ما برحت تهيمن على مقاليدها منظمة «فتح»، وبمعنى أن وجودهم بالأدق بقاءهم السياسي مرهون إلى حد ليس بالقليل على أمرين أساسيين هما:
مفاوضات سلام لها مصداقية عملية إقرار وتفعيل صيغة الدولتين كحل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني
الشعب العربي الفلسطيني، وقد تحَّمل كل ما ناءت به كواهله من صنوف المعاناة الحياتية إلا أن هذه المعاناة ربما زادت بقدر ما اعتمل في نفوس الشعوب العربية ومنها بالطبع الفلسطينيون من آمال كبار أثارتها المواقف التي استهلها الرئيس الأميركي أوباما ولاحت تباشير إيجابياتها على مستوى اللفظ أو الوعْد من سطور خطابه الشهير بجامعة القاهرة الذي أثار كما أسلفنا آمالا جاشت بها النفوس داخل وخارج الوطن العربي الكبير.
وبعدها بادرت إدارة الرئيس الأميركي الشاب إلى تعيين مبعوثها الخاص السناتور ميتشل الذي باءت كل جهوده بعقم الفشل وكان ذلك راجعا بالدرجة الأولى إلى الموقف الإسرائيلي الذي كان، ولا يزال، منطلِقا من أجندة مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني على حساب أرض ومستقبل شعب فلسطين.
اتجاهان مهمان
وتتوقف دراسة المفكر الفلسطيني المنشورة في المجلة الأميركية الرصينة عند ما تصفه سطورها بأنه ظاهرة الاتجاهين المتآزرين اللذين كان لهما تأثيرهما على سير الأحداث واتخاذ القرارات في الآونة الأخيرة.
كان أول الاتجاهين هو فشل جهود الوساطة السياسية بين الطرفين التي تصدّرتها الولايات المتحدة (بعثة السناتور ميتشل). وكان الاتجاه الثاني هو مشاكل الوضع الداخلي التي زادت تعقيدا بوجه منظمة «فتح» وقيادتها مما شكل بالنسبة لها خطرا سياسيا متفاقما باستمرار، خاصة في ضوء الخلافات التي اندلعت مع قيادة «حماس» المسيطرة حاليا على قطاع غزة.
ويضيف البروفيسور خالد الجندي في هذا السياق قائلاً:
هذه التيارات هي التي أفضت بالقادة الفلسطينيين إلى أن يخلصوا إلى نتيجة مفادها أنه برغم استجابتهم إزاء ما طرح عليهم من طلبات ما بين قضايا الأمن إلى قضايا بناء المؤسسات إلى استمرار محادثات السلام ـــ إلا أن الولايات المتحدة وشركاءها الدوليين لم يفوا بما كان مطلوبا منهم من شروط هذه الصفقة السياسية. من هنا فقد ظلت مشاعر الإحباط تساور نفوس الفلسطينيين على مدار فترة امتدت سنوات عديدة، ولكنها زادت زيادة واضحة الجلاء في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما.
فشل أميركي
والحق أن فكرة التوجه نحو إصدار قرار من مجلس الأمن يقضي بالاعتراف بدولة فلسطينية على طول حدود 1967 وتتخذ عاصمتها في القدس الشرقية ليست بالفكرة الجديدة تماما على مسرح السياسة في الشرق الأوسط.. فقد بدأت تطفو على سطح الأحداث منذ شهر نوفمبر 2009، وجاء ذلك كما ألمحنا تحت وهج فورة الحماس أو التشجيع التي سبق إلى إبدائها الرئيس أوباما.. ولكن الفكرة بكل ما حّف بها من تصورات وطروحات وتوقعات ما لبثت أن خمد توهجها بفعل اثنين من العوامل الجوهرية اللذين تشير إليهما دراسة « الفورين أفيرز » على الوجه التالي:
أولاً: الانهيار السريع لمحادثات سبتمبر 2010 وخاصة بعد أن فشلت واشنطن في ضمان وقفٍ، حتى ولو كان جزئيا لنشاط الاستيطان الاستعماري الصهيوني.
هنا يلاحظ صاحب الدراسة سلوك واشنطن الذي اتسم وقتها بالتقاعس عن استخدام نفوذها لتأمين قرار ناجز يقضي بتجميد بناء مستوطنات صهيونية جديدة على حساب أراضي الفلسطينيين.. وهو ما تبددت معه آمالهم التي كانت معقودة على توجهات الرئيس أوباما.. يومها أيضاً استدعت الذاكرة العربية المعاصرة ما عمد إليه الرئيس جورج بوش الأب من مجابهة حركة الاستيطان حين قرر من جانبه تجميد التسهيلات المالية المقدمة إلى إسرائيل مع مطلع التسعينات من القرن الماضي.
وربما زاد الأمر سوءا ـــ كما يشير الباحث الفلسطيني صاحب الدراسة ـــ ما أقدمت عليه واشنطن من استخدام حق النقض (الفيتو) لوقف إصدار مجلس الأمن الدولي قرارا كان يقضي بإدانة المستوطنات الإسرائيلية.. وكان ذلك في شهر فبراير 2011.. وبعدها مباشرة بادر «رياض المالكي» المسؤول عن حقيبة الخارجية في إدارة الرئيس عباس إلى إعلان الموقف الفلسطيني قائلاً في شهر مارس 2011: لقد انتهت عملية السلام الحالية، على أساس ما كانت تسير عليه.
الربيع العربي
ثانياً: هنا تحيل الدراسة إلى الملابسات والتطورات التي استجدت مع ظاهرة التحولات الجذرية التي طرأت على بقاع شتى من رقعة الوطن العربي.. ومنها مصر العربية على وجه الخصوص ومازالت تعرف بالوصف الشائع وهو «الربيع العربي» الذي أطاح بقوى كانت السلطة الفلسطينية تلتمس تأييدها، وهو أيضاً ما دفع جمهرة من المحللين والمراقبين إلى التطرق إلى الموقف الدقيق الذي تحولت إليه السلطة الفلسطينية فكان أن وصفوا شرعية وجودها بأنها معلقة بخيط رفيع مشدود. خاصة ولم يكن المجلس الوطني قد التأم عقده منذ عام 2007 فيما ظل الرئيس عباس يحكم بمقتضى مراسيم بعد أن انتهت مدة ولايته رسميا في يناير عام 2009.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة كان التقدم إلى طلب العضوية من الأمم المتحدة يشكل، في التحليل الأخير، وبصرف النظر عن أي عوامل أخرى، خطوة محورية من شأنها، في حال نجاحها، أن تؤدي إلى تحويل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني إلى قضية دولة عضو بالأمم المتحدة تنتهك حقوق « دولة» أخرى ذات سيادة.. هذا فضلا عن فسح المجال أمام انضمام «دولة فلسطين» المرتقبة إلى مختلف المحافل والآليات والمؤسسات الدولية التي تؤازر ما للفلسطينيين الشعب أو الدولة من حقوق مشروعة،
وفي مقدمة هذه الكيانات العالمية المنشودة تأتي هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان ومنها مجلس حقوق الإنسان في جنيف ومحكمة العدل الدولية في لاهاي إضافة إلى المحكمة الجنائية الدولية التي تختص بالنظر في ما يتم ارتكابه من جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب أو جرائم التعذيب وما في حكمها من جرائم تدينها الصكوك والبروتوكولات الدولية.
نصائح إلى واشنطن
ولأن الدراسة المنشورة في «الفورين أفيرز» (عدد سبتمبر/أكتوبر 2011) تتبع نهجا واقعيا خالصا كما نتصور فهي لا تتوانى عن تذكير الإدارة الأميركية الحالية بأهمية أن تبادر للعمل بالتعاون مع شركائها في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك مع شركائها في إطار الرباعية الدولية من أجل صياغة وطرح مبادرة جديدة وشجاعة كما تصفها الدراسة تستشرف حلا ناجعا وعمليا للنزاع الذي طال أمده.
وتخلق إطارا جديدا تتحرك ضمن نطاقه عملية السلام بشكل يستند إلى قاعدة من المصداقية ويقوم على أساس الشروط والأعراف المقبولة دوليا بالنسبة لعمليات التفاوض فيما تستهدف «في نهاية المطاف» إيجاد دولة فلسطينية وضمن إطار زمني محدد بشكل قاطع لا لبس فيه.
بغير ذلك تحذر الدراسة من أن أي جهود تبذلها أميركا ( أو أي أطراف أخرى ) بعيدا عن هذا المجال.. فمعنى ذلك أن يؤول الأمر إلى التأخير، مجرد التأخير، ولكنه لن يحول دون وقوع واستحكام أزمة ما برحت ماثلة عند منعطف الطريق.
جدل السؤال حول طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة
الطلب الذي تقدم به الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابه المشهود لدى افتتاح الدورة السادسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قبول «دولة فلسطين» عضوا كامل العضوية في المنظومة الدولية مازال يحدث أصداءه وردود أفعاله.. سواء في دوائر القرار السياسي أو في دوائر البحوث الأكاديمية، ومنها دراسة منشورة مؤخرا لأكاديمي فلسطيني يعمل أستاذاً زائراً لدى مؤسسة « بروكنغز» الأميركية التي تضم مركزا لبحوث الشرق الأوسط، فيما يعرف عنها اهتمامها بأمور المنطقة وقضاياها على نحو ما تبّدى منذ عقود سبقت في «هندسة» القرارات التي أفضت إلى اتفاقات كامب ديفيد وبعدها إبرام معاهدات السلام مع إسرائيل.
وتحرص الدراسة المنشورة مؤخرا على تأكيد استحقاق فلسطين للدولة المنشودة، باعتبار أن قضية فلسطين باتت تمثل واحدة من القضايا التي تنطبق عليها قواعد وجهود الأمم المتحدة في مجال «تصفية الاستعمار»، فيما جاء طلب عضويتها كدولة، محصلة لآمال كانت تجيش في نفوس الفلسطينيين والعرب بعد خطاب أوباما الشهير في القاهرة ولكنها اندفعت مؤخراً بفعل مشاعر الإحباط إزاء فشل جهود المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط إضافة إلى استخدام واشنطن حق النقض (الفيتو) لإحباط قرار كان مطروحا على مجلس الأمن في فبراير 2011 .
وكان يقضي وقتها بإدانة حركة الاستيطان الاستعماري الصهيوني على حساب الأرض والحقوق الفلسطينية.. وتخلص الدراسة إلى أهمية وضع إطار واقعي ومحدد زمنيا لمواصلة عملية تفاوض جادة تراعي المطالب الفلسطينية تفاديا لأزمة خطيرة مازالت ماثلة على الطريق.
«على إسرائيل أن تعد نفسها لمواجهة تسونامي دبلوماسي وشيك الوقوع». تلك هي العبارات التي استخدمها «إيهود باراك» وزير الدفاع الصهيوني في معرض تعليقه على عواقب الطلب الفلسطيني المقدم في الآونة الأخيرة لنيل عضوية «دولة فلسطينية» في منظمة الأمم المتحدة.
وليس ببعيد أيضاً عاصفة الرفض الأميركي التي عبّرت عنها القيادات السياسية في الولايات المتحدة قبيل تقديم الطلب، وبعد خطاب السيد محمود عباس لدى افتتاح الدورة الجديدة السادسة والستين للجمعية العامة التي من المقرر أن يمتد انعقادها حسب أعراف المنظمة الدولية إلى النصف الثاني من شهر ديسمبر القادم. ومازال لسان حال الإدارة الأميركية يقول بالتالي:
إن الأمر يستلزم في الأساس معاودة المفاوضات المباشرة مع الطرف الإسرائيلي.
ويقول أيضاً: إن الجهود التي يبذلها الفلسطينيون طلبا لدولة مستقلة لهم.. من شأنها أن تنزع الشرعية عن إسرائيل.. وبالتالي فهي جهود مصيرها الفشل في نهاية المطاف.
ماذا يقول القانون الدولي؟
وربما يغيب عن الانتباه حقيقة بديهية وجوهرية في آن ومفادها أن فلسطين هي الآن دولة في نظر العديد من فقهاء القانون الدولي وأساتذة العلوم السياسية، لأنها تلبي المعايير الأربعة للدولة بوصفها كيانا سياسيا وشخصية قانونية اعتبارية. وهذه المعايير الأساسية الأربعة هي:
(1) سكان دائمون (وهم بالطبع أبناء الشعب العربي الفلسطيني).
(2) رقعة أرض ذات معالم واضحة ومحددة (وهو في هذه الحالة ما ينطبق على الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة على نحو ما أوردت تعريفة خطوط عام 1967.
(3) هيئة حاكمة تدير شؤون هذا الكيان القانوني (وهو ما تجسده السلطة الوطنية الفلسطينية).
(4) القدرة على الدخول في علاقات متبلورة وفاعلة مع الدول والبلدان الأخرى (وهو ما يتم كذلك بواسطة منظمة التحرير الفلسطينية).
