من طرائف التاريخ العربي المعاصر أن اكتشف الزعيم العربي المصري عبد الناصر في مرحلة من عقد الخمسينات أن ثمة بندا من بنود الميزانية المصرية كان لا يزال مرصودا بقصد سداده إلى الخزانة التركية.. وكان بندا منسيا يتعلق بنوع من الجزية التي كانت تدفعها القاهرة إلى تركيا السلطانية ولكنه خضع لتقاليد البيروقراطية المصرية التي دأبت على سداده دون أن يسأل أحد عن الأسباب أو المبررات!
الأتاتوركية
اضطربت العلاقات بين تركيا ومناطق المشرق العربي بالذات على امتداد سنوات استطال أمدها ردحا من مراحل النصف الثاني من القرن العشرين. وبلغت أحيانا درجات من السخونة وخاصة في عقديْ الخمسينات والستينات بين حركة التحرر والاستقلال التي كانت بازغة وعفّية وقتها في أقطار العالم العربي وبين تركيا التي طالما اجتاحتها في تلك السنوات آفة الانقلابات العسكرية واستيلاء الجنرالات ذوي الأفكار الأتاتوركية على مقاليد الأمور في أنقرة التي عملت العسكر على إدراجها ضمن محاور ومحاولات السيطرة الإمبريالية على العالم العربي مجسدة كما هو معروف تاريخيا في مشاريع ومخططات كانت تعرف باسم حلف بغداد ثم الحلف المركزي، هذا ناهيك عن ظاهرة التباعد الفكري الوجداني.
وربما العقائدي بين عالم عربي كان ولايزال يضع الدين في بؤرة الاهتمام والاحترام والتفعيل في حياة المؤمنين برسالات السماء.. وبين تركيا الكمالية التي طالما جَهَد حاكموها الكماليون خلال تلك الفترة من القرن الماضي في فصْل أو فلنقل إقصاء الدين بكل سماحة تعاليمه عن قضايا الشأن العام تكريسا لدعوة زعيمهم كمال أتاتورك (1881- 1938) التي أكدت هذا الفصل وهذا القطع للوشائج التاريخية بين البلاد وميراثها المنتمي إلى حضارة الإسلام ورسالة المسلمين، وتحت أعلام صيغة متعسفة ومغلوطة رفعت شعار العلمنة وجهدت في تغريب تركيا والتنكر لموقعها الجغرافي ومواريثها التاريخية بوصفها جسرا بين عالم الإسلام والعروبة وبين العالم الغربي الأوروبي.
استفاقة تاريخية
في كل حال، ولأن تحولات الأحداث جزء لا يتجزأ من حياة الناس، فقد جاء ذلك الحين من الدهر وقبل أن يودع عالمنا سنوات القرن العشرين.. فإذا باسطنبول.. وأنقرة وأزمير وأدرته وغيرها من حواضر تركيا وأريافها تكاد تعيش نوعا من الاستفاقة التاريخية حيث قررت أن تعاود استيعاب وتفعيل ميراثها الحضاري بوصفها دولة مسلمة ومتوسطية وشرق أوسطية وعصرية أيضا.. وهو ما بدأ مع زعامة الراحل نجم الدين اربكان ثم استوى ناضجا بقدر ما أنه واعد مع وصول حزب «العدالة والتنمية» الى سدة الحكم في أنقرة وكان وصولا ديمقراطيا من خلال صندوق الانتخابات بقدر ما كان تعبيرا عما وصفه واحد من أركان النظام الحاكم حاليا في تركيا وهو وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو في عبارة تقول: انه عملية تطبيع للتاريخ. بمعنى اعادة تاريخ تركيا الى مساره الطبيعي بعيدا عن التكلف أو التعسف.
كانت تلك عودة من جانب تركيا الى أصولها وجذورها. ولم تكن عودة عاطفية ولكنها كانت عودة أملاها الواقع في الحاضر وفرضتها المصالح المرتقبة في المستقبل.
التاريخ والجغرافيا
وعلى مستوى الحاضر.. فثمة وشائج ما برحت تربط بين تركيا والعالم العربي.. منها وشائج نابتة في تربة التاريخ والجغرافيا على نحو ما أسلفنا ومنها وشائج على مستوى الحياة اليومية بكل عفويتها وبساطتها.
تنشر جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية (عدد 28/5/2011) تحقيقا صحافيا لمندوبها الذي زار مؤخرا منطقة الحدود بين تركيا وسوريا ليتحدث المراسل عن «أحمد شيخ سعيد» ابن بلدة «كيليس» التركية الحدودية.. ويعمل بقالا بسيطا ويصفه مقال التايمز قائلا:
السيد سعيد يتكلم التركية بوصفها لغته الأم ولكنه يصغي داخل حانوته إلى برامج قناة الجزيرة المذاعة بالعربية.
زوجته ووالدته من الأتراك ولكن الدماء العربية مازالت تجري في عروقه كما يقول «بغير انقطاع إلى يوم الدين».
ثم لا يفوت مراسل الصحيفة الأميركية الكبرى أن يلاحظ موجة الشغف المستجدة ربما خلال سنوات العقد الأخير من جانب جماهير المشاهدين في الوطن العربي بالدراما التركية بكل ما تحفل به من شخصيات تحمل أسماء لها إيقاع عربي ومسلم.. وتعكس أبعادا وظلالا تومئ الى شراكة مؤكدة وموثّقة بين الإنسان العربي وبين نظيره التركي ولو عبر حدود مرسومة وراسخة ودولة قومية (Nation - State) لها تاريخها وهيبتها وشخصيتها المستقلة وقوانينها وأعرافها الوطنية الواجبة الاحترام.
السياسة والرومانسية
مع هذا كله فلابد أن نستعيد من جديد قولة السيد داود أوغلو وزير خارجية أنقرة وهو يكاد يستشرف من منظوره الخاص آفاقا جديدة لعلاقات الطرفين ثم يمضي قائلا في هذا السياق بالذات: «ليس من حدود تركيا ما يمثل حدودا طبيعية، إن أغلب تلك الحدود مصطنعة. صحيح أن علينا أن نحترم هذه الحدود بطبيعة الحال بوصفنا دولا قومية، ولكن علينا في الوقت نفسه أن نفهم أن الأمر ينطوي على وجود جوانب من التواصل الطبيعي وهذا هو ما درج عليه الحال على مدار قرون خلت من عمر الزمان».
و... هكذا تحدث المفكر والدبلوماسي المسؤول حاليا عن آلة السياسة الخارجية في أنقرة.. ورغم أن مثل هذه الأحاديث كما يعترف المحللون السياسيون - تشوبها لمسة من الرومانسية، وصحيح أن ثمة مشاعر من حنين النوستالجيا الى أيام «عثمانية» خلت وكان المواطن العربي يتحرك فيها عبر حدود لا تفصل بين الأوطان أو الأقطار التي كانت ولا تزال تتحدث العربية، إلا أن مثل هذه الأحاديث تشكل في التحليل الأخير رؤى للمستقبل.. لا تعني بالقطع إنهاء الدولة القومية الحديثة في العالم العربي بكل ما أنجزته رعاياها من شعور المواطنة ومن تأكيد الدور في إطار المنظومة الدولية التي ما برحت تنظم أحوال عالمنا إلا أن الصحيح أيضا أن تركيا بحاجة إلى التواصل مع العالم العربي، مشرقا ومغربا قدر حاجة أقطار هذا العالم العربي المسلم بحاجة الى التواصل معها وبما يحقق بداهة مصالح الطرفين.
الاتحاد الأوروبي
ومن الجانب التركي.. فلاشك أن أنقرة باتت كما أسلفنا تتطلع إلى دور جديد وفاعل، إن لم يكن محوريا في منطقة الشرق الأوسط.. ونحن نتصور أن مثل هذا الدور، في منطقة بالغة الحساسية وغنية بالموارد الاستراتيجية وحافلة بالتحولات والتغيرات، إنما يضفي مكانة تحتاجها أنقرة بغير شك من أجل تحقيق أجندة مهامها في المستقبل، وخاصة في ظل قيادة أردوغان وأحمد داود وعبد الله غول وكوادر «العدالة والتنمية» بشكل عام.
صحيح أنهم حققوا ما يمكن وصفه بأنه طفرة في مجال التنمية أوصلت اقتصادهم إلى مصاف دول الصدارة العشرين ضمن اقتصاديات العالم. لكن الأصح هو أنهم بحاجة إلى موازاة هذا الإنجاز الاقتصادي التنموي بإنجاز سياسي يحتاجونه ولاشك من أجل تدعيم مكانتهم وهو ما يتمثل برأينا في قبولهم عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي الذي مازال البعض من أعضائه يبدون تحفظات أقرب إلى التعلاّت، الواهية في جوانب منها، للحيلولة دون دخول تركيا عضويا بالاتحاد المذكور.. ورغم قبول الاتحاد عضوية دول أوروبية أدنى شأنا من تركيا وأقل إنجازا.
والقوم في الاتحاد الأوروبي لا يصّرحون علانية بأن معظم التحفظات ترجع إلى الطابع الإسلامي لتركيا، دعك من خضوع بعضهم إلى الظاهرة السلبية المرفوضة التي يغذيها اليمين الأوروبي وتذكي من لهيبها دوائر صهيونية وتحمل الظاهرة اسمها المعروف: الإسلاموفوبيا، أو إرهاب الإسلام.. التخويف من الإسلام (وبالمّرة من المسلمين).
وبغير شك فإن دور تركيا الإيجابي في الشرق الأوسط يزّود أنقرة بالمزيد من أوراق كسب اللعبة وصولا الى عضوية الاتحاد إياه ومن أوسع الأبواب.
الاقتصاد أولا
هذه التوجهات المستجدة في سياسة أنقرة نحو منطقة الشرق الأوسط العالم العربي يصفها الأكاديمي التركي «يوسف يركيل» بأنها قرار تركيا بأن «تتحدى الفهم التقليدي الذي دام سنوات في النظرة إلى السياسة التي كانت متبعة في الشرق الأوسط منذ القرن العشرين».
وفي ضوء هذا كله يمكن أن تفهم مبادرة وتصريحات وسلوكيات أردوغان خلال جولته الأخيرة التي غطت كلا من القاهرة وليبيا وتونس خلال الفترة القريبة الماضية.
وليس أدل على دلالات ومقاصد هذه الزيارة من أن أردوغان حرص على أن يصاحبه في الوفد المرافق نحو 200 من رجال التجارة والصناعة والأعمال الأتراك الذين لم يكن من همومهم بطبيعة الحال تغطية الزيارة بوسائل الدعاية أو الإعلام، بقدر ما كان على رأس اهتماماتهم استكشاف أرضيات جديدة وآفاق واعدة من التعاون والشراكة ومن ثم اجتناء المكاسب على مهاد الجسور المستجدة المقرر أن تبنيها السياسة ويشيدها السياسيون في الدول العربية الثلاث التي جاءت زيارة أردوغان لها وتصريحاته على صعيدها من منطلق التفاهم والحوار والرغبة في شراكة البناء.
وذلك على خلاف «الزيارة» القديمة التي لم تكن زيارة بقدر ما كانت «إغارة» هي تلك التي دفعت بالخاقان العثماني سليم الأول كي يطلق صواعقه العسكرية ابتداء من اسطنبول على ضفاف البوسفور إلى قاهرة القرن السادس عشر على ضفاف النيل ثم يعود بعدها إلى تركيا وفي ركابه كوادر عمد إلى تجميعها من مهرة الصناع والحرفيين من مصر، في عملية «استنزاف تكنولوجي» كما نسميها ولدرجة أن بَطُل بمعنى انقطع - من مصر مائة حرفة ونيف على نحو ما يقول المؤرخ القديم ابن اياس في كتابه الشهير بعنوانه «بدائع الزهور في وقائع الدهور».
هكذا راحت أيام «سليم» بكل مثالبها وجاءت أيام «رجب طيب» بكل ما تحفل به من وعود.
العرب وإسرائيل
العالم العربي بحاجة إلى عامل أو عنصر البعد التركي في غمار الصراع العربي الإسرائيلي وخاصة في ضوء ما كان من علاقات بين أنقرة وتل أبيب سبق لها وأن غطت - كما هو معروف - ميادين السياسة والاقتصاد والميادين العسكرية وكان هذا كله لحساب أمن ومصالح الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في الأرض الفلسطينية، وطبعا على حساب قضية الشعب العربي الفلسطيني المشروعة من حيث استحقاقات الأرض والدولة وتقرير المصير، الأمر الذي يستوجب من العرب عدم ضياع الفرصة في التقارب والارتباط مع تركيا الحليفة المسلمة.
