في إطار الأجندة الأميركية لإحياء ذكرى مرور 10 سنوات على أحداث تفجير المركز التجاري في نيويورك، وما توازى معها من أحداث أصابت مبنى البنتاجون في واشنطن في يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، أصدرت إدارة الرئيس أوباما وثيقتين تم تعميم الأولى على البعثات والممثليات الأميركية السياسية والقنصلية في طول العالم وعرضه، فيما تم تعميم الوثيقة الثانية على دوائر الحكم في داخل الولايات المتحدة.

وقد وصفت الوثيقتان أساليب إحياء الذكرى العشرية للأحداث السالفة الذكر، مع التركيز بالذات على ما تحلت به أميركا من عوامل الصمود إزاء عواقب الأحداث، فضلا عن تسليط الأضواء على عنصر الشراكة بين الولايات المتحدة وسائر الدول والشعوب في كل قارات العالم إزاء مواجهة غوائل العنف والإرهاب التي أصابت أطرافا شتى، وخاصة في عالم أصبح عميق التكافل والتشابك بفضل شبكات التواصل الالكترونية التي ربطت بين أجزائه. أما على مستوى الدروس المستفادة من الذكرى..

فيكاد يجمع المحللون السياسيون على أهمية استبعاد مصطلح «استثنائي» من معاجم السياسة وإدارة دفة الحكم من أجل إنهاء مبررات اللجوء إلى كبْت الحريات في الداخل وإشعال نيران الصراعات العسكرية في الخارج، بدعوى هذا الظرف «الاستثنائي» الذي يقضي بمكافحة الإرهاب، فيما يجمع المراقبون السياسيون أيضاً على أهمية الكف عن اجترار أحداث الماضي فالأهم هو استقاء عبرتها والانطلاق إلى استشراف آفاق المستقبل.

أيا كانت العبرة المستقاة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2011.. وأياً كانت الآلام أو المعاناة التي كابدتها فئات شتى في أميركا نيويورك بالذات من جراء الأرواح التي أزهقت الأرواح والممتلكات والصروح التي دمرت خلال أحداث ذلك اليوم الكئيب في التاريخ المعاصر، إلا أن علينا أن نلاحظ بالقدر المطلوب موضوعيا من المتابعة والاهتمام، أن قطاعات شتى من المحللين والدارسين والمراقبين السياسيين في الغرب أوروبا وأميركا بذلوا جهد الطاقة لكي يتحولوا بالذكرى العاشرة لهذا الحدث من مناسبة لاجترار الآلام، أو إعادة إنتاج الفاجعة الدرامية التي صاحبت تلك الأحداث فكان أن حفلت الأدبيات السياسية في انجلترا والولايات المتحدة، خلال الأيام القليلة الماضية بآراء واجتهادات تصدر عن منطق التأمل في فحوى ما حدث والتعمق في الدلالة التي ينطوي عليها.. ومن ثم العمل على رسم مسارات مستجدة لأساليب التفكير والتعامل مع تلك الدلالات.

من هنا يحق لكاتبيْن من انجلترا هما «براد ايفانز وسيمون كرايتشلي» أن يستشرفا آفاقا جديدة في مقال مشترك نشراه في جريدة «الغارديان البريطانية» (عدد 31/8/2011) تحت العنوان التالي: الأمر بحاجة إلى تفكير جديد بشأن 11 سبتمبر.

وترصد سطور المقال نوعية الاستجابات السياسية إزاء أحداث سبتمبر على مدار السنوات العشر الماضية، فتصف هذه الاستجابات بأنها كانت متهافتة «إلى حد يدعو إلى الرثاء» سواء على مستوى اليمين أو مستوى اليسار السياسي (في أميركا على وجه الخصوص).

وفي هذا الإطار لم يتورع اليسار عن اتهام اليمين بأنه عَمَد إلى خنق الحريات السياسية منتهزا ما أطلق عليه سدنة هذا التيار اليميني بأنه الظروف الاستثنائية التي حفت بالأمن القومي الأميركي نتيجة أحداث سبتمبر، وهذا هو عين ما حدث بالفعل خلال حقبة الرئيس السابق جورج بوش الابن التي استطالت كما هو معروف على مدار 8 سنوات، وشهدت سيطرة فصيل المحافظين الجدد على مقاليد الشأن العام في أميركا وسياساتها الداخلية والخارجية على السواء، هذا الفصيل الذي تتوجه إليه أصابع الاتهام في كل أنحاء العالم بأنه وراء المصائب والحروب التي تشهدها الساحة الدولية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الآن.