في الذكرى العاشرة للهجمات على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك يمكن استقراء الوضع في الولايات المتحدة الأميركية على المستويين الداخلي والخارجي كالتالي، على المستوى الداخلي شهدت أميركا خلال السنوات الثمان من حكم الرئيس جورج بوش الابن تضييقا على الحريات واتجاهات بالغة السلبية تنحو نحو تصنيف المواطنين، لا على أساس جدارة المواطنة، ولكن على أسس متحيزة وغير موضوعية سواء كانت لونية أو دينية أو أثنية حيث عانى من ذلك بالذات جموع المسلمين من مواطني أميركا الصالحين.
وعلى مستوى السياسة الخارجية والعلاقات الدولية جاء قرار غزو أفغانستان وبعده قرار غزو واحتلال العراق ومن هذه القرارات ما تم اتخاذه تحت شعارات المحافظين الجدد بشأن «الفوضى المنظمة» أو فرض الديمقراطية” بقوة السلاح بكل ما انطوى عليه ذلك من انتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، على نحو ما تجلى في أنماط السلوك وضروب التعامل المرفوض في مواقع من قبيل سجن «أبوغريب» العراقي أو معتقل «غوانتنامو» في مياه البحر الكاريبي المتاخم للولايات المتحدة.
اتهامات متبادلة
على الطرف الآخر من نفس المعادلة جاءت اتهامات اليمين لليسار بأن القطاعات اليسارية مازالت مصابة بآفة «العمى» – كما يشير الكاتبان الإنجليزيان – إزاء ما تصفه قطاعات اليمين في أميركا وأوروبا بأنها «الأخطار الأيديولوجية التي تجسدها «الفاشية» الإسلامية»!!
وفيما يشجب الكاتبان «براد ايفانز وسيمون كرايتشلي» في مقال مشترك نشراه في جريدة «الغارديان البريطانية» (عدد 31/8/2011) تحت العنوان التالي: الأمر بحاجة إلى تفكير جديد بشأن 11 سبتمبر. مثل هذا المنحى من الفكر والسلوك، وخاصة ما يتعلق بالإسلام فإنهما يؤكدان في كل حال على أن السياسة المعاصرة إنما تقتضي نهجا أخلاقيا جديدا يصار إلى اتباعه في عالم أصبح مترابطا ومتكافلا على أصعدة شتى.. سواء بفعل ترابط المصالح الاقتصادية أو تفاعل الاتجاهات الفكرية – العقائدية .
فضلا عن التشابك الفعلي الذي تهيؤه حاليا أبعاد العالم الافتراضي (Virtual) الذي تجسده وتعززه أحدث مستجدات وإبداعات التكنولوجيا ممثلا في سبل التواصل الفردي والجمعي التي تستخدم طاقة الحواسيب وابتكارات الانترنت. في هذا الإطار أيضاً عكفت جامعة ليدز البريطانية إلى تأسيس مشروع يحمل عنوان: «10 سنوات من الرعب». وتدعو فيه كوكبة من أبرز سنوات مفكري العالم إلى الإدلاء بآرائهم والمشاركة باجتهاداتهم بشأن ما انطوت عليه تلك السنوات العجاف التي شملها العقد الأول من القرن الواحد والعشرين).
وثيقتان أميركيتان
كاتبان آخران – أميركيان هذه المرة – تناولا بالتحليل في مقالة إضافية نشرتها جريدة «النيويورك تايمز» (عدد 29/8/2011) بنود الدليل الإرشادي الذي أصدره البيت الأبيض حاويا عددا من المبادئ التوجيهية التي ارتأت إدارة الرئيس باراك أوباما أن تصدرها لضبط أو تقنين سلوكيات واستجابات واجتهادات كبار مسئوليها إزاء الذكرى العاشرة لأحداث سبتمبر 2001. في هذا الإطار عمد المقر الرئاسي في واشنطن إلى تعميم وثيقتين جاءت الأولى موجهة إلى ممثليات أميركا عبر البحار من سفارات وقنصليات وما في حكمها، فيما جاءت الثانية لتحوي توجيهات إلى المسئولين في الداخل الأميركي.
ويوضح الكاتبان الأميركيان «ثوم شانكر» وزميله «ايريك شميت» أن كلتا الوثيقتين اهتمت بشرح التغمة أو الإيقاع الذي على أساسه تناول القضايا المتصلة بالذكرى العاشرة إياها، وبحيث يتحقق نوع من التوازن المطلوب بين استدعاء دقيق لصورة الماضي الحافلة بعدد الضحايا وحجم الدمار، وبين توخي نهج استشرافي يطل على الماضي من منظور المستقبل، وبمعنى استشراف صورة إيجابية واعدة من ناحية بقدر ما أنها من ناحية أخرى صورة أشمل وأوسع نطاقا.. تفيد – على حد ما صرحت به دوائر البيت الأبيض – بأن الحدث المذكور وما يرتبط به من تيارات التطرف أمور لا تهم الأميركان وحدهم ولكنها تمسّ منطقيا دوائر ومصالح أخرى في طول العالم وعرضه على السواء.
تدويل الإرهاب
صحيح أن ثمة إشارات ألمح إليها مقال النيويورك تايمز إلى ضرورة توخِّي الحذر ارتقابا لوقوع أحداث سلبية أو خطيرة، لكن الأهم – كما تؤكد الوثيقتان الصادرتان عن البيت الأبيض - هو التسلح بدرع الصمود والثبات إزاء ما يتحسبون لوقوعه وبشكل موضوعي وليس على طريقة المبالغة في التحذير والغلو في التخويف والإمعان في إضاءة جميع اللمبات الحمراء التي تؤثر سلبا على نفسية المواطنين.
في نفس السياق تمضي مقالة التايمز إلى حيث تقول: إن مسئولي إدارة الرئيس أوباما مازالوا ينبهّون إلى ضرورة ألا تمضي فعاليات إحياء ذكرى سبتمبر إلى حيث تصوِّر أميركا على أنها الضحية الوحيدة لآفة الإرهاب.
وفي هذا الخصوص تشير وثيقة التوجيهات الصادرة إلى دوائر الخارج إلى أهمية إحياء روح الشراكة والتحالفات الإيجابية بين أميركا وعناصر شتى في الشرق والغرب من العالم من أجل مكافحة ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب الدولي أيا كانت أسبابه ودوافعه، حيث إن هذه الظاهرة أضرّت بشعوب عديدة أخرى واجتاحت أقطارا وعطلت بل دمرت مصالح في قارات العالم أجمع.
استشراف المستقبل
هذا التوجه المستقبلي – الاستشرافي كما قد نسميه - أصبح، أو كاد يصبح، هو الشعار المتزن المرفوع حاليا على مستوى دوائر شتى سواء من المسئولين أو من المفكرين والمحللين في أميركا.. وفي إطار استفتاء استهدف استطلاع آراء مجموعة من المحللين المعنيين بقضية 11 سبتمبر تباينت التوجهات ولكن كادت الآراء تتوافق مع قضية محورية تقول بما يلي:
•• ضرورة أن تجمع النظرة إلى ذلك الحدث المحوري بين عبرة التذكر ووعي الدرس المستفادة وبين التماس سبل جديدة ومبتكرة للتعامل مع أبعاد هذا التذكر، أو على نحو ما تقول الناشطة الأميركية «أندريا لابلانك»:
- حان الوقت كي نؤكد أن ثمة سبلا أخرى للاستجابة إزاء ذلك الحدث.. سبلا أفضل وأنجع تأثيرا وأبعد عن العنف.. وبمعنى أن حان الوقت لكي نتذكر أن أمامنا خيارا يتعلق بنوعية المجتمع (الأفضل) الذي نسعى إلى تحقيقه.
وبالمناسبة. فالناشطة المذكورة عضو في لجنة توجيهية تحمل عنوان: «لجنة عائلات 11 سبتمبر من أجل أكثر من غدٍ يسوده السلام".
ويلفت النظر في هذا المضمار كيف تتصدى قطاعات عديدة من مثقفي أميركا ضد الدعوة المغرضة التي ظلت ترّوج لها شبكة «فوكس نيوز» التليفزيونية بكل اتجاهاتها اليمينية المتطرفة وهي دعوة ظلت تتردد على لسان مذيعها الشهير «غلن بِك» الذي أنشأ مشروعا غريبا يحمل اسم 12/9 ويدعو إلى «أن نعود معا إلى حيث كنا – كأميركيين في 12 سبتمبر عام 2001..».
وهنا تعلق الكاتبة «هادلي فريمان» قائلة أنها لا تتصور أن هناك من يود العودة إلى ذلك التاريخ ثم تضيف أن ما حدث في 11 سبتمبر (منذ 10 سنوات) هو أقرب إلى الجرح القديم.. ورغم أن ندوبه ستظل علامة لا تنمحي إلا أن الجرح اندمل ومال إلى الالتئام.
قواعد أربعة
هناك أيضاً كاتب ومحام أميركي اسمه «وجهات علي» واضح أنه من اصل آسيوي في شبه القارة الهندية ويحمل اسمه إيقاعا مسلما وهو يدعو إلى مواجهة ذكرى انقضاء السنوات العشر على أحداث المركز التجاري بكل تداعياتها السلبية المعروفة، باتباع 4 قواعد يراها أساسا في هذا الخصوص ويوجزها على النحو التالي:
(1) الذكرى من أجل العبرة.
(2) المصالحة من أجل التوافق والتواؤم بين مواطني أميركا على اختلاف الأعراف والأصول والعقائد.
(3) الصمود وهو ما يكفل إمكانية التخلص من الوساوس والقلق والمخاوف إزاء احتمالات المستقبل.
(4) العزم والتصميم تكريسا لما تتطلع إليه الأجيال الناشئة في أميركا من اندفاعة تواصل بها البلاد مسيرتها التي يزيد عمرها الآن على 235 سنة.. وعلى أساس ركائز وطيدة من الحرية والتسامح والنُصفة والشمول (عكس النبذ أو الإقصاء) ثم العدل والمساواة أمام القانون.
المصطلح المرفوض
في كل حال أصبح من حق الدارسين للموقف أن يؤكدوا على لسان الكاتبين «براد إيفانز وسيمون كرايتشلي» مبدأ الرفض القاطع لذلك الافتراض الذي ظل يردد عبر السنوات الماضية تبريرات ارتكاب العنف العسكري بحق الأفراد والجماعات والشعوب على الأساس التالي:
ــ أن الإجراءات التي نتخذها حاليا لها ما يبررها في الحاضر لأن من شأنها أن تجعل العالم أكثر أمنا وسلاما في المستقبل.
وهنا يتساءل الكاتبان الإنجليزيان قائلين:
- تُرى كم يكفي من مصارع البشر حتى يصل القوم إلى حيث تكتسب هذه التبريرات مصداقيتها الأخلاقية.
والجواب بديهي بطبيعة الحال.. فلا شئ يبرر ممارسة إرهاب الدولة وإشعال الحروب بدعوى محاربة إرهاب أفراد أو جماعات.. لا شئ سوى أن تنال الشعوب – وخاصة في العالم الثالث.. ناميا كان أو متخلفا.. حقوقها المشروعة في الاستقلال الوطني وفي تقرير المصير وفي المشاركة المنصفة والمتكافئة في نظام اقتصادي دولي عادل.. يتيح لها أن تواصل الخطى على مسار التنمية الاجتماعية – الاقتصادية ومن ثم تؤدي دورها في السهر على استتباب السلام في عالم تتوافق فيها مصالح الشعوب وتتكامل فيه أسباب أمنها وسلامتها.
