المتوقع أن تتعرّض السلطة الفلسطينية هذا الأسبوع في نيويورك، لهجوم مركّز وغير مسبوق بأدواته؛ بغية حملها على التراجع عن قرارها بطلب العضوية لدولتها من الأمم المتحدة. هذا ما أكّده السفير الإسرائيلي في واشنطن مايكل أورن بالقول: «سنعمل بلا كلل بالتعاون مع الأوروبيين وواشنطن والرباعية لمنع هذا الخيار من سلوك سبيله المنشود».
وفي واشنطن، تتحرك أذرعة إسرائيل على عدة خطوط. استعانت بـ«الكونغرس» لدفع الإدارة وكأنها مقصّرة ! نحو المزيد من التصعيد في خطابها ورفعه إلى مستوى التهديد بإعادة النظر بالعلاقات مع السلطة وبقطع المساعدات المالية عنها. حتى الآن لم يصل خطاب الإدارة إلى هذا الحدّ. تختبئ وراء تلويحات «الكونغرس» بهذه الورقة الضاغطة. ثمة أوساط حذرت من هذه اللعبة. ليس من المفيد أن يعمل الكونغرس على تقييد أيدي الإدارة من خلال تهديده بوقف المساعدات»، كما قال الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
وفي الوقت نفسه، تقوم هذه القوى بحملة إعلامية ودبلوماسية ترمي إلى «أبلسة» التوجه الفلسطيني وتصويره على انه محاولة خبيثة ترمي إلى الطعن «بشرعية» إسرائيل وجرّها إلى المحاكم الدولية لمحاكمتها. عودة إلى خطاب «إسرائيل الضحية»، المزيّف الذي تستحضره الآن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو وجوقتها في واشنطن خاصة تجاه الأمم المتحدة، التي طالما زعمت إسرائيل أنها كانت باستمرار ضحية انحياز وتحامل هذه الأخيرة ضدها.
سواء بقراراتها أو بحرمانها من عضوية المجموعة الإقليمية وبالتالي من عضوية مجلس الأمن. وكأنه كان على الدول الأعضاء مكافأتها على احتلالها والتعامل معها كدولة عادية. واليوم تتجدّد هذه النغمة، عشية التصويت المرتقب على الطلب الفلسطيني في الجمعية العمومية.
يرافق هذا «التمسكن» المفتعل، تكرار العزف على وتر التفاوض و«الاستعداد لاستئنافه بلا قيد أو شرط باعتباره السبيل الوحيد والسليم لتحقيق السلام المبني على أطروحة الدولتين»، كما تروج له الدبلوماسية الإسرائيلية في واشنطن.
يشي زخم الحملة والضغوط الجارية، بتخوف إسرائيل وحلفائها في واشنطن، من دخول الأمم المتحدة على خط الصراع. ولو من مدخل رمزي. ومنذ زمن نجحت الدولة العبرية مع واشنطن في جعل هذا الملف حكراً على هذه الأخيرة.
انفراد الولايات المتحدة به، على قاعدة الالتزام التام بحماية إسرائيل وضمان تفوّقها، أعطى تل أبيب شيكاً على بياض. مكّنها من التملص والمراوغة وشراء الوقت لنهب المزيد من الأرض والعمل على تجويف أي مشروع لدولة فلسطينية موعودة.
تدرك حكومة نتانياهو، كما واشنطن، بأن المسعى الفلسطيني لن يحظى بأكثر من تصويت، ولو كاسح، في الجمعية العمومية؛ يقضي بترقية فلسطين إلى عضو مراقب غير دولة. وضعية لن يتغير معها شيء على الأرض.
والمرجّح بدرجة كبيرة أن يعود بعدها الجانبان إلى طاولة المفاوضات. لكنها تدرك أيضاً أن مثل هذا القرار ليس من السهل حمل الجمعية على التراجع عنه لاحقاً، كما سبق وجرى دفعها للتراجع أيام بوش الأب عن قرارها بمساواة الصهيونية بالعنصرية. خطوة اليوم تأسيسية وليست تصنيفية.
وبالتالي هي محكومة بالارتقاء، عاجلاً أم آجلاً، إلى الدرجة التالية والأخيرة. بذلك هي بداية فصل جديد، تكون فيه للمنظمة الدولية يد الشريك الضاغط في «عملية السلام» لتسريعها، على أن يكون البديل عن ذلك، المزيد من العزلة لإسرائيل. تغيير ولو ضئيل وبعيد المدى لقواعد اللعبة. وهذا ما لا تطيقه الدولة العبرية. وهنا أهمية صمود رام الله وعبورها لامتحان الخيار الدولي.
