أيام قلائل ويحل النصف الثاني من شهر سبتمبر، وهو الموعد الذي تبدأ فيه أعمال الدورة السادسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.. هذا هو الموعد الذي يلتئم فيه عقد الجمع الدولي الذي يعد أعلى مستوى للمنظومة الدولية بكل ما تضمه من وكالات متخصصة وبرامج تقنية وصناديق تمويلية ومنظمات معنية بكل ما يشغل المجتمع العالمي وسكانه من اهتمامات وهموم.

أكثر من 192 دولة سوف تكون ممَّثلة خلال أعمال ومداولات الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي تتفرع منها حسب النظام الأساسي 6 لجان رئيسية تتخصص كل لجنة منها في فرع بعينه من فروع تلك الاهتمامات ومن ميادين تلك الهموم.

 

اللجنة الأولى

* ثمة لجنة أولى معنية بقضايا نزع السلاح والعمل على استتباب السلم والأمن الدوليين بكل ما ينطوي عليه هذا الجهد الهائل من مهام جسيمة في مقدمتها بداهة منع انتشار الأسلحة النووية والحيلولة دون اندلاع الحروب الإقليمية والصراعات الأهلية المدنية كما يقول المصطلح السياسي في اللغة الإنجليزية.

* اللجنة الثانية المتفرعة من الجمعية العامة معنية بالقضايا الاقتصادية وهي قضايا التنمية والعمل على توصّل إلى نظام اقتصادي عالمي مستجد وربما واعد بمعنى أن يقوم على أساس التبادل التجاري بين شتى الدول والنظم السياسية الاقتصادية، وبحيث يكون مستندا إلى أسس من العدالة والعلاقات الإيجابية ومواصلة الخطى نحو تحقيق التنمية المستدامة على أساس جدول أعمال القرن الواحد والعشرين بكل ما تضّمه بنود الجدول المذكور من خطط استراتيجية تَوصَّل إليها الإجماع الدولي عبر مؤتمرات ومنتديات متعددة ظلت تشهدها السنوات المنصرمة من العقد الأول من القرن المذكور.

وقد جاء في مقدمتها بالطبع تلك الضفيرة الثُمانية الأضلاع التي استطاع هذا الإجماع العالمي أن يضفرها من واقع الآلام والمعاناة التي ما برحت تكابدها شعوبه وخاصة على مستوى دول وأقطار الجنوب من هذا العالم: نتحدث هنا عن الأهداف الغايات الإنمائية الثمان التي مازال الرأي العام العالمي يتابع جهود تنفيذها وفي مقدمتها بداهة هدف القضاء على الفقر.. وبالتحديد محاولة الوصول بعدد فقراء عالمنا إلى النصف بحلول عام 2015 القادم بل هو الوشيك..

ورغم ما تحقق من إنجازات في مضمار مكافحة الفقر وانتشال الملايين من وهدته البائسة.. إلا أن الإحصاءات الدولية المتاحة حاليا تشير إلى أن هذا الهدف مازال بعيدا عن التحقق أو الاكتمال ولو خلال السنوات الأربع المتبقية على حلول العام المنشود.

 

اللجنة الثالثة

* أما اللجنة الثالثة التي تتوازى أعمالها مع أعمال الجمعية العامة فهي معنية بقضايا البُعد الاجتماعي من أبعاد الأجندة الدولية. وفي صدر هذه الأجندة ما يتعلق بداهة بقضايا حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وهنا تتفرع الهموم التي تؤرق عالمنا إلى ما يتصل بإنصاف المرأة باعتبارها كما يتردد باستمرار نصف المجتمع الإنساني وربما أكثر.. وتُبذل هذه الجهود من أجل الإنصاف للمرأة والطفلة والفتاة.. تحت لواء لافتة ترفع كلمة واحدة أصبحت شعارا تتردد حروفه ودلالاته في طول عالمنا وعرضه.. وهذه الحروف تقول على وجه التحديد ما يلي «سيداو»، وهي صبغة الاختصار التي تتألف، على الطريقة الأميركية، من الحروف الأولى من العبارة التالية: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

ولأن المرأة ليست بالطبع هي كل المجتمع.. فما برحت اللجنة الدولية الثالثة معنية بقضايا ومشاكل فئات أخرى تعد مستضعفة وتحتاج بالطبع إلى السهر على ما تعانيه من مشاكل وما تصادفه من عقبات وما يخصها من حقوق..

وهنا يضم جدول أعمال اللجنة الثالثة بنودا معنية على سبيل المثال بحقوق الطفل من أجل تعزيزها وحمايتها، ثم حقوق المعوقين وحقوق المسنين، إلى جانب مشاكل الشباب في العالم وقضايا الشعوب الأصلية التي قد لا تكون محسوسة في الوطن العربي، ولكنها مطروحة بإلحاح شديد ومتواصل في مواقع شتى من الكرة الأرضية وعلى وجه الخصوص بالنسبة للهنود (الحمر) في كل من أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وكذلك بالنسبة لشعوب السكان الأصليين في قارة استراليا.

 

التفرقة العنصرية

ثم يأتي في مقدمة القضايا الاجتماعية التي تشغل بال عالمنا قضية التفرقة العنصرية والتمييز على أساس الجذور العِرقية، دع عنك على أساس لون البشرة أو الأصول الإثنية التي ينحدر بها هذا الكائن أو ذاك من أبناء البشر.

ومرة أخرى.. فقد يكون عالمنا العربي المسلم بعيدا على نحو أو آخر عن غوائل مثل هذه المشكلة العنصرية، سواء بحكم التجانس التاريخي المعقول في تركيبته الديموغرافية أو بحكم العوامل الإنسانية والحضارية والعقائدية التي أدت إلى تعميق الوشائج التي تربط بين صفوف العرب والمسلمين الذين تؤكد عقيدتهم السمحة أن لا فضل لعربي على غير عربي ولا فضل لأبيض البشرة على من سواه من البشر إلا بالتقوى. إلا أن قضية أو فلنقل مأساة التفرقة العنصرية والتمييز العرقي بل واللوني مازالت حالّة (بتشديد اللام) وفاعلة في أنحاء شتى من مجتمعات عالمنا المعاصر، حتى تلك المجتمعات التي تتيه على الناس عجبا بما أنجزته من أشواط التقدم في مجالات التحضر والوعي والإبداع (المجتمع الأميركي نموذجا)..

وهنا لا تنفك المجامع الدولية تحيل باستمرار، على سبيل الاسترشاد حينا أو على سبيل الاحتجاج أحيانا - إلى أهمّ وأحدث صك دولي حاكم في هذا المجال، وهذا الصّك يحمل بدوره العنوان التالي: «إعلان القضاء على العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب».

 

اللجنة الرابعة

* بعد ذلك نأتي اللجنة الرابعة المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد نستدل على أعمال واهتمامات اللجنة المذكورة عندما نستعيد الاسم الذي كانت تحمله في سنوات مضت، وبالتحديد السنوات التي انقضت مباشرة على إنشاء منظومة الأمم المتحدة.. وهذا الاسم تجسده العبارة التالية: لجنة القضاء على الاستعمار (اللجنة المعنية بتصفية الاستعمار).

وثمة تسمية بديلة أخرى تحملها اللجنة الرابعة وهي: «لجنة القضايا السياسية الخاصة».

والدلالة في هذا السياق بالذات دلالة إيجابية في نهاية المطاف.. لماذا؟ لأنها تعني أن العالم أصبح بإزاء بقايا للمد الاستعماري الذي كان سادرا ومستشريا كما نعلم على مدار القرن التاسع عشر والى فترة انتصاف القرن العشرين.. وبعدها اشتد ساعد حركات التحرير الوطني المناهضة لذلك المدّ من سيطرة أوروبا الغربية الإمبريالية.. وخاصة على مدار عقد الخمسينات من القرن الماضي.. وهو ما تجلّى في معارك ومواجهات مازالت محفورة في سجل الذاكرة الجمْعية لشعوب عالمنا.

حيث بدأت مثلا في عام 1954 سواء بانتصار المقاومة الوطنية الفيتنامية على الاستعمار الفرنسي في معركة «دين بيان فو» أو باندلاع ثورة التحرر الوطني بالجزائر في نوفمبر من العام المذكور، ثم بمعركة استرداد مصر العربية لقناة السويس في خريف 1956 «معركة السويس» كما تعرفها حوليات التاريخ العالمي.. وصولا إلى اكتمال النضج التحرري الضد إمبريالي مع فاتح عقد التسعينات الذي بات معروفا بدوره بأنه عقد تحرير أفريقيا وحصولها على الاستقلال.

مع هذا كله فمازالت هناك بقايا للتركة الاستعمارية موجودة أو بالأدق متناثرة في هذه البقعة أو تلك من بقاع الكرة الأرضية، وخاصة في جنوبي المحيطين الأطلسي والباسيفيكي وهو ما تعمِل المنظومة الدولية على تصفيته بغرض منح شعوب تلك الأرجاء حقها المشروع في تقرير المصير.

 

اللجنة الخامسة

* اللجنة الخامسة من سداسية لجان الجمعية العامة هي أدناها من حيث الشهرة وأبعدها نسبيا عن مضمار السياسة ومع ذلك فهي أكثر هذه اللجان أهمية وربما حيوية، ولدرجة أن يظل صوتها مسموعا وتظل قراراتها وتوصياتها المرفوعة إلى الجمعية العامة بالغة التأثير.. كيف لا وهي اللجنة المعنية بقضايا التمويل ورصد وإقرار ميزانية الاعتمادات المالية الكفيلة بترجمة القرارات والتوصيات والمقترحات التي يتم تداولها على مستوى أنشطة الجمعية العامة إلى استراتيجيات وخطط وبرامج عمل يتم تنفيذها في أرض الواقع.

 

اللجنة الأخيرة

* ثم نتطرق إلى اللجنة السادسة والأخيرة وهي التي يشار إليها باستمرار في إطار من التوقير والتقدير لأنها معنية في الأساس بقضايا القانون الدولي وتفريعاته وتطبيقاته وبسائر الاجتهادات التي تضيف إلى متن هذا القانون العالمي إثراء وتعديلا وتفسيرا على حد سواء. وفيما جرت العادة على أن تتشكل اللجان الست التي ألمحنا إليها وبالانتخاب من مندوبين يمثلون الدول المختلفة مع مراعاة الإنصاف في التوزيع أو التمثيل الجغرافي بين المجموعات الإقليمية التي تتألف منها أقطار عالمنا في الشرق أو في الغرب الشمال وفي الجنوب.

فضلا عن أهمية أن يكون للمرأة صوت مكفول ومسموع في سياق هذا التمثيل إلا أن اللجنة السادسة تضيف إلى ذلك كونها مجمْعا يضم بصورة أو بأخرى كوكبة من اختصاصيي القانون الدولي الذين تتيح لهم معارفهم المتعمقة بالفقه القانوني وتفسيراته وتطبيقاته سبل تعزيز العدالة وندّية التعامل مع سائر المستويات والمؤسسات الرفيعة المشتغلة أو المتخصصة في هذا المجال، وفي مقدمتها بالطبع محكمة العدل الدولية العتيدة في لاهاي، ثم المحاكم الجنائية الدولية عبر تخصصاتها المختلفة ما بين يوغوسلافيا (السابقة) إلى رواندا وغيرهما.

فضلا عن قوانين المحيطات والبحار وأنشطة لجنة القانون التجاري الدولي (الأونسترال) ثم السهر على تطبيق وتفعيل وتفسير اتفاقيات جنيف الأربع الشهيرة التي ما برحت تتعلق بالنزاعات المسلحة وحماية المدنيين من عواقبها وغوائلها.

يكاد جدول أعمال الدورة المستجدة والوشيكة للجمعية العامة للأمم المتحدة يزيد على المائة وسبعين بندا وهذا الحشد من البنود يعكس في ترتيبه خطة البرامج والأولويات التي سبق وأن اعتمدتها المنظومة الدولية لفترة السنتين 2011 2012.

 

دولة فلسطين

بيد أن الدورة المرتقبة جديرة بأن تشهد أمرا مستجدا بدوره وإن كان كفيلا بأن يثير حشدا من الاهتمامات والحوارات التي سترفع في تصورنا من سخونة الوقائع بل والصراعات المكتومة والمعلنة المقرر أن تشهدها الدورة الجديدة في نيويورك، نتحدث عن اقتراح يقضي بالاعتراف بدولة فلسطين.

صحيح أن قضية «فلسطين» ظلت مدرجة تحت الاسم المذكور على جدول أعمال المنظمة الدولية بكل ما ظل يتفرع عنها من مجالات ومنها ما يتعلق بتقديم المساعدة إلى الشعب الفلسطيني، ومنها مسألة «الممارسات الإسرائيلية التي تمسّ حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني وغيره من السكان العرب في الأراضي المحتلة» ومنها قضية السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وللسكان العرب في الجولان السوري المحتل على مواردهم الطبيعية إلا أن القيادة الفلسطينية قررت مؤخرا طرح القضية من أصولها على الأمم المتحدة بهدف الحصول على اعتراف المنظمة الدولية بالدولة الفلسطينية وبمعنى إقرار «فلسطين» عضوا كاملا في المنظومة الدولية بعد أن ظلت حتى الآن في وضع «المراقب» لدى الأمم المتحدة.

 

الفيتو الأميركي

والحاصل أن عمدت القيادة الفلسطينية إلى عدم طرح الاقتراح على مجلس الأمن بوصفه الجهاز أو الذراع التنفيذي الأهم بالنسبة للمنظومة الدولية بعد أن هددت أميركا باستخدام حق النقض (الفيتو) من أجل إسقاط مشروع القرار القاضي باقتراح الدولة الفلسطينية المنشودة، في حين أن ثمة ضمانا أكثر من معقول بحشد أغلبية من أصوات الجمعية العامة لصالح القرار وفي حدود لا تقل إن لم تزد على 120 دولة من بين الدول الأعضاء التي يتجاوز عددها كما أسلفنا على 192 دولة وتلك بالطبع أغلبية مريحة بكل المقاييس.

ومن جانبنا فنحن نتصور أن يذهب المفاوض الممثل الفلسطيني المسئول إلى نيويورك عند منتصف سبتمبر.. مستندا إلى إجماع عربي قومي والى بيت فلسطيني غير منقسم ولا مشتت بل هو بيت استطاع أن يلم الشمل بين أفراد الأسرة الواحدة في رام الله وفي غزة.. من خلال الوصول بجهود المصالحة الفلسطينية الداخلية التي بدأت بوساطة مصرية ولابد أن تؤتي ثمارها.. خاصة وأن الجانب الفلسطيني على نحو ما صرّحت به دوائر منظمة التحرير مازال يبذل جهودا حثيثة في التقريب بين مواقفه الوطنية تجاه إعلان الدولة وبين الاتحاد الأوروبي..

فما بالنا وقد أعلن الجانب الإسرائيلي على لسان سفيره لدى الأمم المتحدة «رون بروشاور» أن الحيلولة دون اعتراف الجمعية العامة بالدولة الفلسطينية أمر أقرب إلى المستحيل حيث من المرتقب كما قال المسئول الإسرائيلي أن تحصل الدولة المرتقبة على اعتراف من جانب 130 دولة.. إضاءة

 

خطوة تاريخية

 

الخطوة الفلسطينية نحو الاعتراف ستظل في حال نجاحها واحدا من المعالم الإيجابية على طريق النضال الطويل لمواجهة آفة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني للأرض العربية الفلسطينية، لاسيما وأنها تأتي في مرحلة بالغة الحرج بالنسبة لرئيس أميركي تتربص به قوى اليمين المتطرف في بلاده لحرمانه من تجديد الولاية، ومن ثم خضوع إدارته لضغوط ابتزازية تصب في مصلحة إسرائيل التي تعاني من جانب آخر من مشاكل اقتصادية حاكمة اندلعت معها مظاهرات الاحتجاج، وبات لا يجدي إزاءها تصوير إسرائيل على أنها النموذج الأمثل للرخاء أو الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.