«الحزمة» في اللغة اللاتينية القديمة ترادف كلمة «فاسكيو» أو «فاتشيو».. وتشير بداهة إلى الأعواد المتجمعة، وبالطبع إلى العناصر المتضافرة والعوامل المتآزرة.. وقد تُعرف في لغتنا العربية بأنها «العصبة» التي تتكون بحكم التعريف من تجمع عدد من العناصر المترابطة معا.تلك هي الجذور الأساسية لمعنى «فاشست» التي تنقلها الترجمة العربية من باب التبسيط أو التسهيل إلى «فاشيّ» ولكنها في الأنساق الغربية ـ أوروبا ومنها أميركا اكتسبت معاني أكثر تحديدا وأشد ترويعا في آن معاً.هذه الأنساق تجمع بين التجربة التاريخية من ناحية وبين المسار والتطور الأيديولوجي من ناحية أخرى.
العصبة الفاشيّة
ومرة أخرى فعلى المستوى السياسي ومستوى نظام الدولة يقوم النظام المذكور على أساس فرض ديكتاتورية العصبة المتضافرة حزبيا والمتآزرة تنظيميا.. على مقاليد الدولة ومرافق المجتمع حيث يعمدون في خدمة هذا التحكمّ العصبوي كما نسميه إلى استغلال النعرات الوطنية وإعلاء النزعات القومية العنصرية باستخدام أشرس أساليب الدعاية الديماجوجية التي تعمد بدورها إلى استدعاء أمجاد غبرت في سجلات الماضي والدّق على أوتار وعواطف حشود الجماهير الغفيرة من غمار الناس استثارة لعواطفهم وتعبئة لصفوفهم من أجل أن يساقوا حشودا وراء الشعارات التي تطرحها عصبة الزعيم المتحكم في مقاليد البلاد.. وهنا تساق نماذج من طراز «موسوليني» على نحو ما أشرنا إليه في إيطاليا، و«هتلر» في ألمانيا و«فرانكو» في أسبانيا و«سالازار» في البرتغال.
أما على المستوى السياسي والعقائدي فالفاشية لا تتورع عن استثارة وإحياء نزعات التفوق العِرقي والاستعلاء العنصري كي تُوهم الجماهير من أتباعها، وخاصة جموع الشباب بأنهم ينتمون الى أمة بمعنى جماعة بشرية - تعد في نظرهم أصفى عنصرية وأنقى أرومة وأفضل اصطفاء ومن ثم تعد سابقةً بل مستعلية على سائر الأمم والشعوب.. وهو ما ترجموه في ثلاثينات القرن الماضي في الشعار العنصري الاستعلائي «ألمانيا فوق الجميع» فيما لا يزال مترجما بكل صلافة في شعار «شعب الله المختار» الذي ما برح مرفوعا في أدبيات وممارسات مشروع الاستيطان الاستعماري العنصري الذي تجسده إسرائيل على أرض فلسطين.
بين دارون ونيتشه
وكان بديهيا في ضوء ما سبق أن يواكب مسيرة الفاشية النازية في أوروبا رفع الشعار الخطير الذي يقول بما يلي «البقاء للأصلح».
وهو مستمد كما نعرف من نظرية دارون الشهيرة في تطور الكائنات الحية مع إضافات من جانب طروحات عنصرية قال بها الفيلسوف الألماني «فردريك نيتشه» (1844- 1900) تقول بدورها بديمومة الصراع الحياتي بين الأمم والشعوب حيث تحق مصائر الفناء على الأضعف لصالح استمرار واستشراء الأقوى والأغنى والأوفر صحة والأكثر عدة وعتادا كما يقولون.من هذا المنطلق العقائدي المرفوض تحركت الفاشية والنازية.. إلى أن غربت شموسها مع هزيمة الأربعينات ولكنها ما لبثت أن أسلمت مواريثها وآلياتها وطروحاتها، ولكن مع التعديلات اللازمة، إلى فلول اليمين السياسي العقائدي في أوروبا خلال العقود الأربعة التي انقضت على منتصف القرن العشرين وهو ما تبنّته وروّجته أحزاب اليمين في غرب أوروبا على وجه الخصوص..
إلى أن تناهت هذه المواريث المقيتة مع نهايات القرن الماضي إلى الفصيل الذي تسلم مقاليد الحكم في أميركا خلال ولاية الرئيس بوش الابن وهو الفصيل الذي مازال يتميز في مضمار الحياة السياسية بالولايات المتحدة باسمه المعروف:
المحافظون الجدد
صحيح إن أفلح اليمين المحافظ أوروبيا كان أو أميركيا - في ستر الطروحات الفاشية السوبر عنصرية، والسوبر استعلائية بطلاءات من التخفيف أو التنميق أو المقارنات المغلوطة وخاصة مع تراجع مقولات اليسار العقائدي في الغرب، دعك من تصدّع صروح هذا اليسار التي كانت تجسدها دول الشرق الأوروبي وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي ابتداء من انهيار سور برلين في صيف 1989 وليس انتهاء بزوال الكيان السوفيتي نفسه مع فاتح عقد التسعينات.. إلا أن كل هذه الطلاءات لم تفلح في تصورنا في إخفاء الجوهر العنصري الاستعلائي لهذه الطروحات المرفوضة إنسانيا وعقائديا سواء جاءت من فصائل اليمين الأوروبي أو جاءت من دوائر المحافظين الأميركيين الجدد.
تهديد المسلمين
وكان الأمر الخطير بالنسبة لنا بالذات هو أن هذه المقولات والطروحات والدعوات والسلوكيات باتت في أغلبها موجهة ضد المهاجرين بعامة والمسلمين بخاصة من سكان أوروبا وأميركا في الوقت الحالي.الخطير أيضا هو زيادة واستشراء هذه المواقف السلبية والمناوئة لمُطلق «مسلم» ومُطلق «عربي» بعد حادثة المركز التجاري في نيويورك التي توشك أن تكمل ذكراها المأساوية العاشرة خلال الأيام الأولى من سبتمبر القادم.وخلال هذه السنوات العشر جرت في الأنهار والبحار مياه كثيرة كما يقولون..
وكان لابد وأن تطرأ متغيرات تصّب في صالح التفاهم والتوافق والتواؤم المطلوب بين كل أطراف معادلة التعايش التي تضم بالضرورة جموع العرب وجموع المسلمين.وربما جاء اختيار سياسي شاب من أصول أسلامية وأفريقية اسمه «باراك حسين أوباما» ليصبح رئيسا للولايات المتحدة وبأغلبية مريحة في عام 2008.. إيذانا أو بشيرا يومئ إلى هذا التوافق المرتجى أو ذلك التعايش والانسجام المطلوب. لكن تواترت أحداث في غرب أوروبا بالذات وجاءت بمثابة نذير يحذّر من أن نارا مازال وميضها متقدا تحت سطح الرماد.. و«يوشك أن يكون لها ضرام».. على نحو ما قاله يوما شاعر وسياسي عربي قديم.
مذبحة النرويج
آخر تلك الأحداث.. الرهيبة بكل مقياس كانت المذبحة التي اقترفها إرهابي من أبناء النرويج البلد الذي كان يندرج دوما ضمن قائمة أكثر دول العالم استقرارا ويسرا وسلاما على مدى عقود طالت من الزمن المعاصر.
ورغم ما سارع إليه نفر من المراقبين السياسيين، ومعهم بالطبع المحللون النفسانيون، من محاولات تصوير المسألة على أنه حادث انفرادي ارتكبه واحد من مرضى العزلة وضحايا الاكتئاب.. إلى آخر محاولات تطويق المسألة فالحاصل موضوعيا أن الأمر أخطر بكثير، وينبغي الإطلالة عليه من منظور أوسع وأعمق، وهو منظور يجمع بين التحليل السياسي والرصد الوقائعي واستيعاب العبرة من وقائع تاريخ أوروبا على وجه الخصوص.
والحاصل أن أوروبا في خطر، بمعنى أن تتناوشها تيارات جديدة قديمة في آن معا.. وباختصار فالتيارات تكاد تلخصها في إيجاز شديد ومؤلم أيضا عبارة تقول:
- الفاشيون الجدد في أوروبا.
هي العبارة التي تصدرت المبحث الذي نشرته مجلة «ذي نيشن» الأميركية على شكل تعليق على ما يجري حاليا في جنبات القارة المذكورة (عدد 22/8/2011).
يبدأ صاحب التعليق الكاتب الأميركي «جاري يونغ» - باستعادة الحادثة المشهودة التي تُجسد في بلاغة موجعة حقا آفة التخليط التي ما برحت تصيب العقلية الأوروبية وتؤدي باستمرار الى تنميط النظرة الى الإسلام والمسلمين على أساس الربط المتسرع والمتعسف بين «إسلام».. و«إرهاب» للأسف الشديد.
باكستاني أم برازيلي؟
يستعيد «جاري يونغ» بالذات حادثة كانت قد وقعت يوم 22 يوليه عام 2005.. كان التوتر قد استبد برجال شرطة لندن.. واختلط هذا التوتر بموقف من التربص والترصد ضد جموع المسلمين في بلاد الإنجليز.. وفي صبيحة 22 يوليه المذكور.. لاحظ ضباط الشرطة السرية - في لباسهم المدني وجود شاب يدلف الى محطة المترو تحت الأرض.. كان أسمر البشرة.. يطل من عينيه الواسعتين وهج مميز ملحوظ.. تصوروه على الفور إرهابيا من باكستان.. لم يترددوا في إطلاق النار عليه خشية أن يفجر نفسه في أركان المحطة.. أردوه قتيلا..
ثم اتضح بعدها أنهم قتلوا الطالب «جان دي منزيس» وهو شاب زائر من.. البرازيل.هذه النظرة المترصدة المتربصة بالإسلام والمسلمين هي التي انطلقت منها جريدة «ذي صن» اللندنية غداة حادثة النرويج التي ارتكبها مواطن من صميم أهالي ذلك البلد النوردي الأوروبي وراح ضحيتها كما هو معروف 76 قتيلا.. إضافة إلى.. دولة مازالت مروّعة من هول ما حدث على نحو ما يعبر الكاتب الأميركي الذي نحيل إليه في هذه السطور.
نيو نازي
لم تتورع «ذي صن» عن أن تنشر في صدر صفحتها الأولى عنوانا يقول بغير روية وباندفاع عنصري ملحوظ وهو:
مذبحة «القاعدة»: النرويج تكرر كارثة 11 سبتمبر.صحيفة إنجليزية أخرى هي «ويكلي ستاندارد» نشرت تحليلا رئيسيا يؤكد على أن حادثة النرويج هي في أرجح الاحتمالات من صنع فرع من هيدرا تنظيمات الجهاد (الإسلامية طبعا) والهيدرا هي الكائن الخرافي المتعدد الأذرع كما تقول الأساطير.
أما الواشنطون بوست الأميركية التي طالما كانوا يتيهون برزانتها أو رصانتها فقد نشرت المقال الشهير لكاتبتها «جنيفر روبن» تقول فيه:
- جاءت حادثة النرويج بمثابة تذكِرة لتنبيه (الغافلين) الذين مازالوا يشفقون من أن ندفع ثمنا فادحا لشن الحرب على الجهاديين (المسلمين). هنا يعلق الكاتب يونغ قائلا:
- وهكذا.. لم تمض ساعات على حادثة النرويج إلا وقد استوى إطار مفهومي متكامل أقاموه من نقطة الصفر نقطة اللاشيء ليطرحوا على أساسه حوارات حول مشكلة المسلمين بشكل خاص وهجرات الملونين غير البِيض بشكل عام إلى أوروبا.. ومدى ما يشكله المسلمون والمهاجرون من خطر جسيم يهدد الحضارة بعدها يضيف الكاتب الأميركي قائلا:
- لكن تواترت الأخبار والمعلومات لتفيد بأن الإرهابي لم يكن سوى شخص أبيض مسيحي وينتمي إلى فصيل النازيين الجدد (نيو نازي) أي الفصيل الذي يتقد غضبا ويشتعل بغضا وضغينة ضد الإسلام وضد التعددية الثقافية.
الافتراء الهستيري
بعدها يخلص الكاتب يونغ إلى سطور يقول فيها:
- «والحق أن جاءت عملية القصف والتدمير والقتل التي أقدم عليها الإرهابي النرويجي «أندرز بريفيك».. بقدر ما جاءت الافتراضات إياها بشأن المسئولين عن جريرتها، لتشير إلى أن الخطر الجسيم الحقيقي الذي يهدد أوروبا.. والحضارة ليس هو الإسلام ولكنه الفاشية وفلول الفاشيين».
ثم يواصل المفكر الأميركي تحليله في نفس السياق ليضيف قائلا:
- والمشكلة أن ذلك الاعتقاد (الذي سارعوا يومها إلى تبّنيه وترويجه) بأن المسلمين لابد وأنهم ضالعون في مثل هذه الأحداث الإرهابية.. إنما جاء متناغما بسهولة مع فهم مشّوه وهستيري للديناميات السكانية والدينية والعنصرية التي ما برحت قائمة وفاعلة في أوروبا على مدار جيل وأكثر (ومفادها) أن وجود المهاجرين والوافدين المسلمين.. لا يهدد فقط أمن أوروبا بل يهدد كذلك ما توافقت عليه القارة الأوروبية من قيم وسلوكيات ليبرالية وأن أوروبا (حكامها وولاة أمورها وربما النخب المثقفة والفاعلة على صعيدها) قد سمحت بذلك بدعوى عدم إيذاء جماعات عرقية معينة وتحت الشعار الذي توجزه مبادئ وعبارة «التعددية الثقافية».
الفرع الشرير
لكن الكاتب الأميركي لا يلبث يؤكد على أن كل هذه الطروحات أو التعليلات لا تنهض على أساس.. موضحا أن الخطر الأساسي الذي يتهدد أوروبا: أمنا وكيانا ومستقبلا إنما يتمثل في تيارات الفاشية أو النازية الأوروبية الجديدة.. وهو الاتجاه الخطير الذي بات مستشريا تحت سطح الشأن العام في أوروبا وفوقه في بعض الأحيان.
يلخص «جاري يونغ» آراءه قائلا:
- إن «بيرفيك» ينتمي إلى الفرع الشرير من هذا التيار.. ولكنه لم يأت من فراغ.. وعوامل القلق والتوتر التي أنجبته مازالت تتنامى، فالفاشيون (الجدد) لا يتورعون عن استغلال ظواهر الحرمان الاقتصادي وعوامل الاضطراب الاجتماعي وعجز الديمقراطية الأوروبية عن تلبية المطالب المشروعة لجماهير المواطنين وقضايا ضعف السيادة لصالح عضوية الاتحاد الأوروبي بل وتآكل السيادة (الوطنية) أمام ظاهرة العولمة.
أخيرا يقول المحلل الأميركي:
- قوى اليمين المتطرف في اليونان مثلا باتت تنعم بانبعاث في حجم النشاط وعندما يحتاج الأمر إلى «أكباش محرقة» فهي جاهزة وهم يبادرون إلى تقديمها.. لكن عندما يحتاج الأمر إلى حلول ناجعة للمشاكل.. فما أندر مثل هذه الحلول.
إضاءة :
موسوليني الفاشستي
على مستوى التاريخ الحديث، المعاصر بالذات، ترجع «الفاشية» في معناها الضيق المحدد الى نوعية وخصائص النظام السياسي الاقتصادي الذي أنشأه الزعيم الإيطالي الفاشستي - «بنيتو موسوليني» في إيطاليا (1883- 1945) ابتداء من أوائل عقد العشرينات وحتى هزيمة إيطاليا في إطار هزيمة دول المحور مع كل من ألمانيا الهتلرية واليابان الإمبراطورية في الحرب العالمية الثانية عند منتصف عقد الأربعينات من القرن العشرين، والتصقت صفة الفاشيستي بالعديد من الزعماء الذين لعبوا على أوتار العرق النقي والشعارات القومية المتطرفة أمثال «هتلر» في ألمانيا و«فرانكو» في أسبانيا و«سالازار» في البرتغال.
