جاءت الحادثة الإرهابية المروعة التي وقعت في الشهر الماضي في النرويج وراح ضحيتها العشرات من القتلى، فضلا عن جوانب الدمار المادي والترويع النفساني الذي ما برح يجتاح هذا البلد الذي كان وادعا في شمال أوروبا كي تكشف عن استمرار تيارات «التنميط» العنصري الذي مازال يستخدم القوالب الجاهزة والصور المنطبعة عن الإسلام والمسلمين بشكل خاص وعن المهاجرين والوافدين الى أوروبا من أبناء الشعوب الملونة (غير البيضاء) بشكل عام.
فالصحافة الأوروبية والأميركية أيضا لم تتوقف غداة هذا الحدث لكي تحلل أو تمعن التفكير في هوية الجاني أو الجناة بقدر ما سارعت إلى إلصاق جريمته بحق الإسلام والمسلمين فكان أن تكلمت عن «11 سبتمبر» جديد للنرويج أو عن أفاعيل فصائل الجهاد (الإسلامية) التي مازالت تلك الأوساط في الغرب الأوروبي الأميركي تعمل جاهدة على تبشيعها في تحد واضح لمبدأ التعددية الثقافية بين الأفراد والجماعات والشعوب.يتصدى الكاتب الأميركي «جاري يونغ» في مقالة مهمة في مجلة «ذي نيشن» لهذه المقولات أو الافتراءات.
مؤكدا على أن السبب الحقيقي في هذا الخصوص إنما يرجع الى معاودة، بل واستشراء، تيارات الفاشية الجديدة أو «النيو نازية» الظهور والتأثير في جنبات المجتمع الأوروبي وتُجاوبها في أميركا فصائل المحافظين الجدد وكلها تلتمس «أكباش محرقة» تلقى على كواهلها ظواهر العنف والإرهاب ومنها حادثة النرويج الأخيرة التي ارتكبها بداهة مواطن نرويجي ينتمي إلى هذه التيارات من الفاشية الجديدة التي تتوسل بالعنف الدموي المسلح الذي تشهر أسلحته بوجه المسلمين وجموع المهاجرين المذبحة التي قام بارتكابها اليميني المتطرف أندرس بيرينج بريفيك في النرويج من المفترض أنها ستقرع جرس الإنذار.
وستشكل نقطة تحول في نظرة وتعاطي الأوروبيين مع المتطرفين من كل الأطياف. تسامح الغربيين الطويل مع خطاب الكراهية تحت زعم أنه يمثل أحد أوجه حرية التعبير، دفع الغربيون ثمنه عبر جرائم كالتي ارتكبها هذا اليميني المتطرف.
هذه الجريمة نموذج مثالي لما يمكن أن يحصل عندما يتم تسليط الضوء بشدة على التهديد الذي تمثله القاعدة ومتطرفوها وتضخيمه بطريقة تؤدي إلى تحميل وزره للإسلام والمسلمين بما يؤدي إلى تشويه صورتهم، وتدعو بشكل جائر إلى النظر إلى الإسلام نفسه كعقيدة تهدد أوروبا والحضارة الغربية.بريفيك نفسه كان ضحية لهذا الخطاب، إذ وقع أسيرا للضخ الإعلامي المعادي للإسلام مما أدى به إلى ارتكاب جريمته، كما أقر، للفت الأنظار إلى ما أسماه في مدونته «الجهاد السكاني».
يتحدث بريفيك بهوس عن إحصاءات عن تزايد السكان المسلمين في لبنان وكوسوفو وكشمير وتركيا عبر القرون لإثبات أن أوسلو والمدن الأوروبية الأخرى تواجه المصير ذاته.هناك مئات إن لم يكن آلاف المواقع الغربية على شبكة الانترنت متخصصة في التحذير من المسلمين ومن الإسلام. أصحابها وزوارها المسكونون بهاجس المؤامرة يبشرون بأن أوروبا بالذات في طريقها للتحول إلى قارة إسلامية. هم بارعون في استنباط الإحصاءات التي تدعم وجهة نظرهم وتحويرها بطريقة تجعل المستعدين نفسيا لقبول مثل هذا التهديد يلبون نداءها بالتحرك لوقف هذا المد الإسلامي.المؤسف أن الخطاب اليميني المتطرف يتزايد أنصاره باستمرار ويكتسب مزيدا من القبول في أوروبا والولايات المتحدة.
وحتى الأحزاب اليمينية التي ترتدي عادة عباءة مسيحية وجدت أن هامش الحرية في التسامح مع خطابها العنصري يتمدد، وأن توجيه الكراهية تجاه المسلمين وتخويف الناخبين من اكتساحهم لأوروبا يعني مزيدا من الأصوات في صندوق الاقتراع.والمؤسف أكثر أن الأحزاب العريقة أصبحت تقترب من نظرة اليمينيين رغبة في المحافظة على قواعد ناخبيهم. أصبح حتى الصف الأول من قادة الأحزاب غير اليمينية يتحدثون عن ضرورة اندماج المهاجرين وتبنيهم للقيم الغربية تحت طائلة الملاحقة القانونية والحرمان من الجنسية.أوروبا التي نعرف في طريقها، فعلا، نحو التغير. ليس السبب ما أسماه بريفيك «الجهاد السكاني»، بل هو الخطر الداخلي المتمثل في اكتساح اليمين المتطرف لدولها.