سوابق التاريخ في غضب الشعوب وثوراتها وإشعالها الحرائق عديدة، لعل أشهر حرائق التاريخ هو حريق «روما الذي نسبوا جريمته إلى إمبراطورها المخبول «نيرون (37 68 قبل الميلاد) وهو الحريق الذي راحت ضحيته في عام 62 قبيل الميلاد مرافق ومعالم العاصمة التاريخية وأفضى إلى انتحار «نيرون شخصيا فيما كان من جهة أخرى ضمن عوامل اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية على نحو ما يقول المؤرخ الإنجليزي «إدوارد جيبون.
حرائق وثورات
في التاريخ الحديث شهدت مدينة «شيكاغو« حريقها في عام 1871 الذي دمر معظم معالم الحاضرة الأميركية الكبرى، فيما كان إرهاصا أو بالأدق نذيرا بسلسلة من الاضطرابات العمالية والانتفاضات الجماهيرية كان من أشدها عنفا تمرد ميدان هاي ماركت (سوق الشعير) في عام 1886 وإضراب عمال بولمان في عام 1894.
ثم تسجل حوليات التاريخ العربي المعاصر حريق «القاهرة الشهير في مصر الذي وقع بالتحديد يوم 26 يناير عام 1952 وتعّرض خلاله وسط العاصمة المصرية لحرائق الدمار وحوادث السلب والنهب.. ولم تمض 6 أشهر إلا وشهدت مصر العربية انقلابا عسكريا أطاح بالنظام الذي كان قائما ومضى ليشق طريقه نحو إصلاحات جذرية وتغييرات حاسمة في البنى السياسية وهياكل الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ما تحوّل معه الانقلاب إلى حدث عربي مشهود حمل اسم ثورة 23 يوليه عام 1952.
ولأن معظم النار من مستصغر الشرر فقد كانت شرارة الحرائق الإنجليزية، بهذا المعنى الشامل الذي ألمحنا إليه، هي مصرع رجل كانت الشرطة تحاول إلقاء القبض عليه ولكن جاء مصرعه، مثلما جاء انتحار الشاب التونسي «بوعزيزي ومثلما جاء مصرع الشاب المصري «خالد سعيد بمثابة شرارة اندلعت معها نيران الغضب والتمرد والعنف وخاصة بين أجيال من الشباب الذين يضمهم المجتمع البريطاني.
حدث من 30 سنة
ويلاحظ أن هذه الانتفاضات الاجتماعية لم تكن الأولى من نوعها بالنسبة لانجلترا.. على الأقل في النصف الثاني من القرن العشرين: لقد شهدت انجلترا في عام ١٩٨١تمردا مماثلا من حيث المفاجأة والعنف والعواقب السلبية منذ 30 عاما مضت، وعلى وجه الدقة في عهد «مرغريت تاتشر المرأة الحديدية كما يسمونها.. وكان السبب وقتها هو بدوره توقيف رجل بسيط اسمه «ليروي كوبر على يد أفراد دورية الشرطة الخاصة وهو ما أفضى إلى أطول اضطرابات غاضبة ومدمرة شهدتها ساحة بريطانية في ذلك الحين.
بيد أن الأمر جاء مختلفا في هذا الصيف من عام 2011 الحالي..
ويعود الاختلاف على نحو ما يرصده الكاتب البريطاني «كيفين سامبسون (جريدة الجارديان عدد 10/8) إلى ما جاءت وحفلت به الأعوام الثلاثون الفاصلة من تطورات ومستجدات وكان على رأس هذه المستجدات المحدثة ما يتمثل في عناصر شتى تحمل عناوين من قبيل ما يلي:
٪ إحباط الأجيال الشابة.. إعلان حكومة كاميرون الراهنة عن إجراءات صارمة لتطبيق سياسات التقشف التي تؤدي بحكم التعريف إلى تقليص في الإنفاق الحكومي وهو ما يفضي منطقيا، بل حتميا، إلى الحد من الخدمات التي تقدم إلى عامة المواطنين. ولاسيما جموع الفقراء وخاصة في مجالي الرعاية الصحية والتعليم.. هذا فضلا عما أضافته أيضا هذه العقود الثلاثة الأخيرة من عوامل ذات تأثير لا ينكر على تشكيلة وتوجهات المجتمع الإنجليزي وأهمها عوامل الهجرة وبأعداد كثيفة من دول الكومنولث بالذات أفريقية كانت أو آسيوية مع ما يترتب على ذلك من توترات عرقية وتباينات اثنية قد تصلح للاستثمار أو الاستغلال في مواسم الانتخابات من جانب أعضاء مجلس العموم ولكنها قد تتحول بكيمياء السخط أو الشعور بالظلم وافتقاد المساواة أو الفرص المتكافئة إلى قنابل اجتماعية موقوتة تهدد في هذه اللحظة أو تلك بخطر الانفجار.
عنصر إضافي
ومن عجب أن الكاتب الإنجليزي الذي ألمحنا إليه يعمد إلى إضافة عنصر آخر لم يكن ليخطر أصلا على البال.. يقول «كيفين سامبسون في هذا الخصوص ما يلي:
ــ في جميع الأوقات وفي سطور كل التحقيقات الصحفية الإعلامية التي عرضت لهذه الأحداث التي عادت لتجتاح مدننا مؤخرا.. لم يظهر أن أيا من المعلقين قد أشار إلى عنصر بعينه كان (في تصوري) عامل توحيد أدى إلى إذكاء وقود تلك الأحداث.
- هذا العامل هو: الإثارة.. جاذبية العنف بالنسبة لجموع المراهقين.. وهو أيضا الرغبة في تحقيق الذات بأي شكل وبأي أسلوب.
ويعترف الكاتب الإنجليزي أنه كان واحدا من مراهقي أحداث عام 1981.. وأن دوافع الإثارة ورغبة العبث والهزل والانطلاق كانت دافعه الأساسي وقتها للمشاركة في تلك الأحداث!
ولعلنا نضيف إلى معادلة المقارنة بين أحداث عهد «تاتشر وعهد «كاميرون عاملين لهما في تصورنا أهمية بالغة في هذا المضمار:
تاتشر وريجان
العامل الأول: يتمثل في حالة الاقتصاد الذي كان واعدا مع تولّي السيدة «تاتشر رئاسة الوزارة البريطانية وكان قد تزامن معها تولّي الرئيس «رونالد ريجان مقاليد الرئاسة في البيت الأميركي الأبيض. وتضافر الحليفان في لندن وواشنطن على إعلان رفضهما لأي ضوابط أو لوائح أو قوانين تحاول تنظيم حركة الاقتصاد أو تسعى نحو ترشيد الأداء الاقتصادي وتحّد من انفلات النزعات الرأسمالية بل كان قصارى «مرغريت و«رونالد هو إطلاق العنان، كل العنان، لدوران عجلة النظام الرأسمالي وتكريس مصالح بارونات الصناعة والتجارة والاستثمار وتحجيم دور الدولة رغم أنها المؤسسة المسئولة عن عمليات الانضباط أو التفعيل أو الترشيد فضلا عن مسئوليتها كمؤسسة قومية تدافع عن مصالح الطبقات والفئات المستضعفة في المجتمع.
- في انجلترا رفعت «تاتشر شعارها المعروف تحت اسم «الخصخصة.
- وفي أميركا رفع «ريجان شعاره المعروف تحت اسم التحرر من النظم ورفع الحواجز وإلغاء اللوائح.
اقتصاد السوق
وهكذا هيأت الزعامتان في كل من انجلترا والولايات المتحدة كل السبل أمام تطبيق نظام أصبح يعرف في الحوليات الاقتصادية الدولية بأسماء شتى: ما بين الانفلات الرأسمالي أو الرأسمالية المتوحشة وهو ما عرضت له المحاضرة التي ألقاها في مكتبة الإسكندرية مؤخرا البروفيسور «جوزيف ستغلتز أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا الحائز على جائزة نوبل الرفيعة حين أدان ذلك الاعتماد غير المسئول على حكاية «اليد غير المنظورة التي يرجع الحديث عنها إلى أيام «آدم سميث عمدة الاقتصاد الرأسمالي كما قد نسميه.. ومؤداها تكريس اقتصاد السوق قائما كما هو معروف على جانبي العرض والطلب وعلى أساس أن هذا النمط من الاقتصاد السوقي كفيل بأن يصحح نفسه بنفسه وبفضل تلك اليد الخفية أو غير المنظورة ومن ثم فلا يجوز لأي فرد أو دولة أو حكومة التدخل ولو على سبيل النصح أو التصحيح أو التنبيه أو الترشيد.
البنوك والقروض
وهكذا تركوا الحبل على الغارب.. إلى أن أوصلهم هذا الحبل السائب المتروك إلى نشوء فئة المديرين والتنفيذيين القائمين على أمر المؤسسات الاقتصادية وبالذات المصارف وبيوت الأموال وكان أن تحكمت هذه الفئة في حركة الأموال وخاصة القروض ومشتقات القروض العقارية دون حسيب أو رقيب.. اللهم إلا «اليد الخفية غير المنظورة إياها.. فكان أن وقعت الواقعة ولاسيما في أواخر حقبة حلفائهم الجمهوريين في خريف عام 2008.. ومن أفضت إلى أزمة خانقة بدأت في أميركا من دنيا الديون والرهونات العقارية وما لبثت أن تفشت عقابيلها واستشرت آثارها الفادحة لتصيب معظم النظم الاقتصادية في العالم.. ولتهدد في الآونة القريبة الماضية بمعاودة تجدد الأزمة التي تكاد تعصف باقتصادات دول متقدمة في أوروبا الغربية ذاتها، وفيما يشبه إصابة الجسم المريض بنكسة خلال فترة التعافي النسبي أو النقاهة التي يحاول فيها أن يسترد بعضا من أنفاسه بأمل أن يعاود نشاطه الطبيعي والمشروع من جديد.
الإعلام والاتصالات
العامل الثاني هو تطور صناعة الإعلام وثورة الاتصال الالكتروني على وجه التحديد.. ولم تكن انتفاضة «تاتشر في عام 1981 قد شهدت ما بْتنا نشهده في أيامنا الراهنة من تغيّر.. مذهل بكل المقاييس في إعلام الأقمار الاصطناعية، ناهيك بثورة الاتصال عن طريق الوسائل الحاسوبية ما بين شبكة الانترنت إلى غرف المحادثة إلى رسائل التويتر إلى صالونات التواصل الاجتماعي وما إلى ذلك بسبيل.
في عام 1981 كنت تتابع الأخبار من الصحف المطبوعة في الأساس ثم تحاول استكمالها صوتا وصورة عن طريق المذياع أو التلفاز وكان كلاهما مؤسسة تعكس الشأن العام قبل أن يستجد على العالم ما نشهده حاليا من عشرات العشرات من المؤسسات الإعلامية الخاصة، العاتية في معظم الأحيان.. فما بالك وقد أصبحت سبل التواصل الفردية الطابع عن طريق الحاسوب الالكتروني سبيلا طيّعا لكل العناصر وكل المصالح على اختلاف الأهداف والأجندات.. مشروعة وغير مشروعة.. وربما مدمرة في بعض الأحيان.
في مثل هذه الأجواء المستجدة على حياة المجتمع ومسارات تّحركه يمكن أن تنتشر الشائعات ويمكن أن تزدهر سبل الاستفزاز وأساليب التحريض ويمكن أن تستشري المخططات الهادفة إلى إلهاب المشاعر وتحريك البسطاء وخلق النوازع التي تدفع إلى الخروج إلى خلاء الرفض والتمرد ومنه إلى ساحات الفوضى وربما السلب والتدمير.
السؤال الحائر
تلك هي متغيرات المرحلة الراهنة من حياة عالمنا.. وهذه المتغيرات بكل ما ارتبط بها من أحداث تبلورت من خلالها معالم سؤال يجمع بين البساطة والخطورة في آن وهو:
لماذا؟
هذا السؤال رصده الكاتب «رافي سومايا في مقالته المنشورة في جريدة «نيويورك تايمز الأميركية. وقد جرى السؤال على لسان أم إنجليزية بادرت به ابنها البالغ من العمر 11 سنة(!) ولكنه متهم بالسرقة في الأحداث الأخيرة.
من هنا جاز لجريدة «الدايلي تلغراف اللندنية أن تقول في تحليلها للأحداث أن من أسبابها ما يتعلق بما وصفته «التلغراف بأنه «ثقافة الطمع والتهرب من المحاسبة والإفلات من العقاب.. ثم مضت توضح أن المسالة لا تقتصر على مراهق سارق أو طفل متمرد بل إن ثقافة الطمع امتدت إلى قاعات مجالس الإدارات بل والى أبهاء وأروقة ودوائر الحكومة البريطانية نفسها.
والحاصل أن أفاقت قطاعات مجتمع الإنجليز وعلى مدار 3 أيام متوالية على تلك الأحداث التي سادها العنف وغاب عنها القانون وربما غاب عنها المنطق بنفس القدر.. ومازال القوم في غمرة التحليل والتدارس وتبادل الاتهامات، وإن كانوا يجمعون أو يكادون على أن الطرف الملوم في هذا كله ليس بالطرف الواحد.. بل إنها شبكة تضم فيمن تضم أهل السياسة في انجلترا ومعهم دوائر الشرطة وشرائح المجتمع بل والأسر المعيشية نفسها.. ومع كل الحوارات وربما المناوشات بين هذه القطاعات والشرائح فالسؤال الواحد البسيط المطروح هو:
لماذا؟
وأغلب الظن أن يظل السؤال مطروحا وحائرا يلتمس إجابة ولأمد طويل. قضية المهاجرين
لكن على الجانب الآخر من المعادلة.. لا سبيل لأحد أن ينكر ضغوط الأجواء الاجتماعية والمشاكل الحياتية التي ما برحت تهيمن على حياة المهاجرين إلى بريطانيا ومازالت تمثلها ظواهر وآفة من قبيل انخفاض أو حتى انعدام الدخل أو تفشي أسرة العائل الواحد وخاصة في حالة المرأة المعيلة أو فظاظة المعاملة من جانب أفراد الشرطة وخاصة على مستوى العشوائيات والأحياء الفقيرة في المدن (تستخدم الأدبيات الدولية حاليا مصطلح «المدن الداخلية بمعنى تلك التي لا يكاد يدري بأحوالها أحد وهي أحوال تجمع بين البؤس والمسغبة والعوز والقنوط ومن ثم تنامي نزعة العنف).
