صحيح أنك لا تستطيع أن تفصل بين السياسة والاقتصاد.. بمعنى أن العمل السياسي والنشاط الاقتصادي عنصران مترابطان أو متكافلان في إدارة الدولة الحديثة.. لكن الأصح هو أن تدخُّل واحد من هذين العنصرين في مسار الآخر يمكن أن يؤدي إلى خلل شامل في نهاية المطاف.
الاقتصاد في السياسة
على الجانب الآخر من نفس المعادلة.. فحين يتدخل الاقتصاد في السياسة.. بمعنى في تسيير دفة العمل العام في الدولة.. ينفسح المجال، غير المشروع لذلك الزواج المحرم بين المصالح الاقتصادية والدوائر السياسية، وتعلو كلمة الاحتكار على دعاوى الترشيد وربما تتحول الأمور إلى حيث يسود ذلك النمط الخبيث من أنماط النظم الاقتصادية، ذلك الذي اصطنعوا له في الفترة الأخيرة المصطلح الشهير في معجم العلوم السياسية الذي يقول «كروني إيكونومي».
ومعناها: اقتصاد المحاسيب أو اقتصاد الأزلام أو اقتصاد جوقة المنتفعين. وبديهي أن هذا النمط الاقتصادي يتحرك ويستفحل مستخدما أدوات الدولة وتنظيرات السياسة من أجل تحقيق مصالح شللية أو فئوية بالغة الضيق، وطبعا على حساب أوسع القواعد الشعبية في هذا البلد أو ذاك.. أي على حساب الهدف المتوخى إنسانيا ودينيا وهو تحقيق العدل الاجتماعي.
الصراع السياسي
من هنا يرصد المراقبون السياسيون، ومعهم المحللون الاقتصاديون، تطورات الأمور التي تجري حاليا في المشهد الأميركي العام، وعيونهم واهتماماتهم ما برحت تتركز على مستجدات الصراع السياسي الذي مازال محتدما بصورة منذرة بالشر بين الرئاسة الديمقراطية الحاكمة حاليا في البيت الأبيض وبين المعارضة الجمهورية التي لم تتورع عن إلصاق كل نقيصة بالرئيس «أوباما»، ولا تحريك أشرس وربما أسوأ فصائل اليمين السياسي الأميركي ممثلة فيما أصبح يعرف «بحزب حفلة الشاي» وهي قوى التعصب.. العنصري في بعض الأحيان، وقوى الانتصار لجماعات الاحتكار وفلول المليارديرات وقوى البغض الأعمى أحيانا لتدفقات المهاجرين.
وخاصة القادمة إما من أميركا الجنوبية أو من مناطق أفريقيا أو الشرق الأوسط، رغم أن هؤلاء المهاجرين، ولاسيما أبناء المكسيك ومَنْ في حكمهم من شعوب القارة اللاتينية يشكلون عماد الاقتصاد القومي للولايات المتحدة بحكم ما يقدمونه من خدمات وما ينخرطون فيه من مهن وأعمال بالغة الأهمية لإدارة عجلة الحياة اليومية في طول الولايات المتحدة وعرضها، فضلا عن الانخفاض النسبي فيما يتقاضونه من أجور ومكافآت.
عراقيل الجمهوريين
وبديهي أن ظل الجانب الجمهوري في مجلسي الكونجرس ــ مجلس النواب بالذات ــ يضع شتى العراقيل أمام كل المقترحات وكل الحلول الوسط التي عمدت إلى طرحها إدارة «أوباما».. سواء على لسان مساعده الاقتصادي «جيثنر» أو على لسان الرئيس الأميركي شخصيا، ولدرجة أوصلت أداة الحكومة الاتحادية في الولايات المتحدة إلى حافة إعلان الإفلاس، بمعنى التوقف عما تقدمه الحكومة المذكورة من خدمات لمواطنيها وتجميد سائر الأنشطة التي تضطلع بها كل مرافقها ووكالاتها ودوائرها على اختلاف التخصصات والميادين.
ورغم أن القوم بادروا ــ بعد سياسة ليّ أو حتى كسر الذراع التي مارسوها بحق «أوباما» وإدارته ــ إلى إعلان التوافق على معاودة تسيير دفة الدولة وصون سمعتها بل وكرامتها بعيدا عن حكاية الإفلاس قبل موعده الذي كان مقررا بساعات قلائل.. إلا أن الأمر ما لبث أن انتقل إلى صعيد آخر أشد خطرا هذه المرة وأوسع مجالا.
الإعلان التاريخي
نتحدث عن إعلان مؤسسة «ستاندارد آند بورز» للتصنيف الائتماني خفضا في حالة أميركا اتفق الاختصاصيون على وصفه بأنه «تاريخي» بمعنى أنه غير مسبوق ربما منذ فاتح الأربعينات من القرن الماضي وبمعنى أن اقتصاد العالم بات بانتظاره سيناريو قاتم التشاؤم بحكم الموقع القيادي لأميركا في الساحة العالمية سياسةً أو اقتصاداً أو حتى إعلاماً وثقافة.. ثم بحكم الوشائج العضوية الأقرب إلى الأحبال السُرية (بضم السين) التي تربط بين أميركا وعدد من الدول ــ الآسيوية بالذات ــ وفي مقدمتها الصين التي أكد واحد من كبار مسئوليها مؤخرا أن المُودعين الأجانب، وفي مقدمتهم الأطراف الصينية، يملكون أكثر من 45 في المائة من السندات الحكومية بالولايات المتحدة وهو ما قد يصيبهم بأضرار اقتصادية فادحة من جراء هذه الأحوال التي ارتدت إليها اقتصادات أميركا وهي أحوال لم تتورع الدوائر الصينية المعنية عن أن تطلق عليها وصف «قنبلة المديونية».
في نفس السياق سمحت تلك الدوائر الصينية لنفسها أن تدعو واشنطن إلى معاودة النظر، بمعنى المراجعة والتدقيق والتصحيح في بنود إنفاقها العسكري الطائلة إلى درجة الفداحة، فضلا عن ضرورة أن ترتفع الأطراف السياسية في أميركا عن مستوى الحزازات والمكائد التي تتصاعد أحجامها وتعقم جدواها إزاء الشظايا الرهيبة المتطايرة من قنبلة الديون المذكورة وهي شظايا يمكن أن تصيب أطرافا شتى من العالم.
أزمة بعد أزمة
ومرة أخرى، صحيح أن الاقتصادات في أي مكان من هذا العالم، وفي أي لحظة من هذا الزمان، يمكن أن تصاب بمشاكل منها ما قد يمكن تجاوزه بأدوات السياسة الاقتصادية المتعارف عليها ما بين الترشيد إلى التقشف إلى تبديل الاعتمادات إلى إعادة تقييم أسعار صرف العملات وما في حكمها.. لكن المشكلة على نحو ما تحذر منه مثلا «النيويورك تايمز» (عدد 7/8) هي أن أزمة الاقتصاد الأميركي الأخيرة لم تأت في أعقاب مرحلة رفاه أو حتى نجاح نسبي على نحو ما كانت عليه حقبة «كلينتون» في التسعينات.. بل ها هي تطل برأسها الخبيث في غمار مرحلة من الركود التي ودّعت حقبة «بوش» بكل مغارمها الداخلية والخارجية منذ خريف 2008.. وبمعنى أن الأزمة المستجدة تصيب جسدا انتابته علل اقتصادية في الأساس وكان يحاول أن يدرج، ولو بخطوات النقاهة الحذرة الوئيدة ــ على طريق منشود أو مأمول من حيث إمكانات التعافي وآفاق الانتعاش.
منطقة اليورو
وفيما خيمت موجات الحذر المتشائم على ساحات الصين بوصفها موضوعيا أكبر دائن للخزانة الأميركية.. فقد كان لأقطار غرب أوروبا نصيبها بدورها من هذا التشاؤم الحذر.. لماذا؟ لأن مسئوليها باتوا في حال من القلق العميق إزاء المتوقع من انكماش في الإنفاق الأميركي العام، ومن ثم إحجام أسواق الاستهلاك في الولايات المتحدة عن مواصلة شراء الصادرات الأوروبية، وهو ما يفضي كما يقول محلل «التايمز» «ستيفن ارلانغر» إلى مزيد من الضغوط على كاهل اقتصادات منطقة اليورو المثقلة بالمتاعب أصلا، وخاصة على نحو ما تجلى مؤخرا في حالة كل من إيطاليا وأسبانيا دع عنك حالة اليونان وهي حالة مؤسية بكل المقاييس.
وفي أقصى الشرق فقد سجل مؤشر «شنغهاي» الاقتصادي أدنى مستوياته منذ يوليه من العام الماضي ونشرت صحيفة الشعب الصينية وهي المعبرة عن توجهات الحزب والحكومة مقالها الافتتاحي بقلم الاقتصادي الصيني «سون ليجيان» تقول فيه:
ــ قد لا تكون أميركا هي أكبر ضحايا التطورات (السلبية) الواقعة مؤخرا: لكن الضحايا الأكبر هم البلدان الأخرى التي طالما ظلت تعتمد على الطلب الخارجي من أجل مراكمة ثرواتها ومنها بالذات الدول الآسيوية (والصين في مقدمتها طبعا) التي كانت تعتمد على تصدير منتجاتها السلعية إلى الولايات المتحدة.
وبديهي أن هذا التسونامي الاقتصادي المستجد مؤخرا تفجرت أعاصيره بعد إعلان حكاية التخفيض لتقييم الاقتصاد الأميركي على يد مجموعة «ستاندارد آند بورز» السابقة الذكر.. وبديهي أيضا أن هذه المجموعة وما في حكمها من مؤسسات الترتيب (Rating) والتقييم (Evaluation) والتقدير (Assessment) تتمتع بمكانة مرموقة وصوت أكثر من مسموع في الأوساط الدولية المعنية بمثل هذه الأمور.
مؤسسات التقييم
بيد أن أصدقاءنا الإنجليز ــ رغم ما يعانونه حاليا في عاصمتهم، من آفة الاضطراب لهم رأي آخر من المهم عرْضه وتفهّم أبعاده كي تكتمل موضوعية النظرة إلى الصورة بكل أبعادها وشمولها.
في افتتاحيتها المنشورة بتاريخ 7/8 كتبت «الجارديان» البريطانية تشكك إلى حد لافت للنظر في مثل هذه التقييمات الصادرة عن مؤسسات لها مكانتها كما أسلفنا في أوساط أهل الاقتصاد والسياسة على السواء.
توضح الصحيفة الإنجليزية أن المؤسسة المذكورة هي واحدة من أكبر ثلاث وكالات عاملة في هذا المضمار. ولكن هذا النوع من الأنشطة يعاني آفات أساسية ثلاث.. أولها المبالغة في التحذير أو التمويل أو من ناحية أخرى المبالغة في التهوين أو التخفيف.. ألا ترى مثلا أنهم منحوا بنك «ليمان برزرز» الأميركي تقدير (أ) بمعنى ممتاز.. وكان ذلك في صيف 2008.. بينما أصبح هذا البيت المالي بالذات.. بكل امتيازه الممنوح هو أول مؤسسة مالية كبرى تعلن إفلاسها بعد هذا.. الامتياز بأشهر قليلة وربما بأسابيع.. وليكون ذلك بمثابة أول أجراس الخطر التي دقت ودوت أصداؤها في ذلك الحين منذرة بالأزمة المالية التي حاقت بالولايات المتحدة وبأرجاء شتى من العالم منذ ذلك الحين؟
المشكلة الثانية التي تشوب سلوك مؤسسات التقييم إياها تلخصها «الجارديان» أيضا بأنها تتمثل في أن هذه المؤسسات تعاني مما يوصف في معجم القانون بأنه «تضارب المصالح» وهو ما تلخصه الجريدة البريطانية قائلة:
ــ إن كلا من هذه الوكالات عادة ما تتلقى أجرا تدفعه لها نفس الشركات التي تتولى الوكالة المعنية تقييمها وترتيب مكانتها(!)
من هنا فالمتصور ــ في رأينا ــ أن مثل هذه التقييمات، على نحو ما تذهب إليه الجارديان، يمكن أن تفوح منها رائحة المصلحة الذاتية وهو ما يمكن أيضا أن ينال من موضوعية التقييم أو مصداقية الترتيب في التحليل الأخير.
أخيرا تُلمح «الجارديان» إلى أن مثل هذه التقييمات لا تتم عادة في فراغ.. إنها تتم وسط أجواء حاشدة باحتدام بتيارات السياسة وضغوط السياسيين ومرة أخرى تقول الجريدة اللندنية:
ــ في أميركا.. تدّعي أجنحة اليمين السياسي (الجمهوري) بأنه لو لم تتقرر استقطاعات في الميزانية فورا وبغير إبطاء.. فلسوف تعمد وكالات الترتيب ــ التقييم إلى تصنيف واشنطون من ناحية جدارة الائتمان في نفس الخانة مع.. كيجالي (بمعنى وضع أميركا في نفس المكان مع.. دولة رواندا المسكينة في أحراش أفريقيا).
العمل هو الأساس
وبصرف النظر عما تذهب إليه الجارديان، فالشاهد أن عالمنا يواجه ولاشك مستجدات لابد وأن يتوقف عند معانيها ودلالاتها ونتائجها بالقدر المطلوب من التدبر والتأمل واستقاء الدروس.
والمسألة، في تصورنا، لا تقتصر على النجاح أو الفشل في إطار هذا الاقتصاد الوطني أو ذاك: المسألة تتصل بأن على النظام الرأسمالي العالمي، أن يفتح عينه جيدا على حقائق المتغيرات الاجتماعية التي ما برحت تحدث في طول عالمنا وعرضه وبحيث لا تتم الإصلاحات، كما حدث في أميركا أو كما يدعو أركان الحزب الجمهوري مثلا ــ على حساب جموع الفقراء والطبقات الوسطى.. دون تحميل الشرائح الموسرة والسوبر ــ موسرة في المجتمع أعباء كان يمكنها تحمّلها بما يحقق استرداد الاقتصاد بعض عافيته.
وبمناسبة العافية الاقتصادية.. ربما يكون الدرس المحوري المستفاد هو أن نجاح أي اقتصاد في عالمنا لا يتحقق بمراكمة أموال ولا بالاعتماد على مضاربات.. ولكنه يتحقق وبالدرجة الأولى من خلال قيمة إنسانية من أرفع ما يكون تلخصها كلمة واحدة.. مازالت بحق موقع تكريم في ثقافتنا وعقيدتنا.. وهي:
الدرس السوفييتي
عندما تتدخل السياسة كي تفرض بنودها، وأحيانا تملي تنظيراتها وعقائدها: ما بين الرأسمالية إلى الاشتراكية، ثم ما بين الرأسمالية المتوحشة كما يسمونها إلى الشيوعية التي تصادر كل شيء بما في ذلك الحريات العامة لحساب ما تصفه بأنه ديكتاتورية إجراء الصناعة (البروليتاريا).. حينها يفسد الاقتصاد بل تتجمد حركته أو تكاد، لدرجة تصيب الكيان الاجتماعي كله بآفة وقف النمو، ومن ثم يكون التصدع والتداعي إلى حيث الانهيار، وهو ما وعاه العالم المعاصر من درس الاتحاد السوفيتي الذي كان أقرب إلى الكائن الديناصوري عند سنوات الماضي القريب في فاتح عقد التسعينات.
