صحيح أن الدولة العثمانية حكمت أصقاعا شاسعة (في آسيا والعالم العربي بالذات) وفي أفريقيا (الشمال المغاربي) ثم في أوروبا (في شبه جزيرة البلقان والوسط الأوروبي) واتسع نفوذ وهيلمان الخاقان الأعظم الجالس على العرش في اسطنبول لدرجة أن تناقلت الميديا والشعوب في ذلك الزمان أقاويل طريفة ومتواترة كان أشهرها ما يلي:

عندما يعطس عظمة السلطان.. تتردد في أنحاء المشارق والمغارب عبارة.. يرحمكم الله.

السلطان عبد الحميد

لكن الأصح موضوعيا كذلك أن دبت آفات الترف والدعة فضلا عن مؤامرات القصور ما بين اسطنبول إلى القاهرة وما بين سيراييفو إلى دمشق أو أثينا أو بيروت وكلها كانت بمثابة أسافين دقت في كيان الإمبراطورية التركية فكان أن أفضت إلى هزائم منيت بها الجيوش العثمانية وخاصة مع عقود القرن التاسع عشر ما بين الحروب البحرية في مناطق المورة اليونانية في ثلاثينات القرن إلى الحرب التركية ــ الروسية في شبه جزيرة القرم الواقعة على بحر قزوين عند انتصاف القرن المذكور.

وكان طبيعيا أن تفضي حقبة السلطان التركي «عبدالحميد خان» (1842- 1918) وما حَوته من تضييق على الحريات العامة ومصادرة على حق شعوب الإمبراطورية التركية في كرامة العيش وتقرير المصير إلى هزيمة ساحقة منيت بها الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتحولت معها إلى كيان تركي محدود المساحات مستضعف القدرات لدرجة أن وقعت بعض أراضيه تحت الاحتلال اليوناني وهو ما دفع طلائع ضباطه ومنهم بالذات الغازي «مصطفى كمال» إلى خوض حرب تحريرية خرج منها المحتل الأجنبي فيما خرج منها «مصطفى كمال» زعيما مصمما على إنهاء دولة الخلافة وإقامة كيان جديد في تركيا تحت الشعار العتيد الذي حمل اسم «الكمالية» وحمل معه «مصطفى كمال» لقب «أتاتورك» ــ أبوالأتراك ــ فيما عمدت الكمالية وبصورة فيها قدر لا يخفى من اندفاع الرعونة السياسية ــ إن لم نقل خشونة الفظاظة التاريخية إلى إلقاء كل مواريثها التاريخية من ورائها.. بدعوى تمهيد السبل على مدار فترة امتدت بصورة أو بأخرى عبر نصف قرن أو نحوه ــ كي تتحول تركيا إلى دولة أوروبية أو طامحة إلى أن تكون أوروبية.. فضلا عن إقصاء البعد الديني ــ الإسلامي عن السياسة والاقتصاد وإدارة الدولة ومرافقها تحت شعار «العلمانية» وهو ما أمعن في تغريب الكيان التركي من ناحية وأفقد الشخصية القومية التركية إمكانيات التواصل مع عقيدتها الدينية الإسلامية وجوهرها الروحي وميراثها الحضاري من نواح أخرى.

الدستور والجنرالات

والأهم في هذا كله أن أصدرت «الكمالية» دساتيرها المستجدة التي أفردت للجيش مكانة مخصوصة ومن ثم سطوة متميزة في إدارة الدولة ولدرجة جعلت من جنرالاته حماة الأيديولوجية العلمانية المفروضة بموجب دستور البلاد.

ورغم كل ما بذلته «الكمالية» من جهود بالغة الخطر وجسيمة الخطورة على يد «أتاتورك» ومن ورثوه في سدة السلطة التركية الأولى من أجل تأكيد وترسيخ «علمَنَة الدولة ما بين تحويل المساجد الكبرى إلى متاحف.. إلى إلغاء الحرف العربي لصالح كتابة اللغة التركية بالحرف اللاتيني.. إلى بذل جهود متوالية من التباعد بين تركيا والعالمين العربي والإسلامي.. فضلا عن إقامة علاقات معادية للعرب وخاصة خلال نهوضهم القومي ــ العروبي في عقدي الخمسينات والستينات وهو ما جسدته أنقرة من تحالفات دخلت فيها لصالح المد الإمبريالي الغربي فضلا عن علاقات كانت سوبر حميمة مع الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة رغم هذا كله فقد ظل البعد ــ هل نقول الهاجس - الديني موجودا وملحَّا بصورة مختلفة على العقل والوجدان الجمعي للشعب التركي الذي شهدت أجياله عددا من الانقلابات العسكرية التي قام بها جنرالات الجيش ضد الحكومات المدنية.

استرداد الهوية

مع هذا كله، ففي ظل سنن التغيير وقوانينها الحتمية.. كان لابد وأن تبدأ تركيا ولو بصورة حثيثة.. ومتدرجة ولكن مطردة في استرداد شخصيتها الروحية واستعادة هويتها ومواريثها الحضارية وبوصفها دولة يفرض عليها موقعها الجغرافي وأقدارها التاريخية أن تظل جسرا واصلا بحكم موقعها بين منطقة الشرق الأوسط وبين وسط أوروبا.

من هنا جاءت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين لتشهد اشتداد ساعد الكيانات والأحزاب والدعوات السياسية التي تؤكد على أهمية استعادة تركيا المعاصرة لشخصيتها وعقيدتها وكيانها ومن ثم علاقاتها الصحية مع الدول العربية والأقطار الإسلامية على السواء.

ومع مطالع هذا القرن الواحد والعشرين كان على أنقرة أن تعتمد منظورا استراتيجيا جديدا تستثمر فيه الميراث الإيجابي لعلاقاتها العربية ــ الإسلامية من جهة أولى وتضيف به وزنا أكبر وقيمة أرقى وبما يضفي عليها المزيد من القدرة التفاوضية في غمار طلبها الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، فيما تتوخى تحقيق التوازن المنشود في سياستها الداخلية بين الإدارة ــ المدنية التي تقود دفة الحكم في الوطن التركي بكل مشاكله وبكل طموحاته، وبين القيادة العسكرية التي ظلت تتمسك بنصوص الدستور ــ بكل مواريثه الأتاتوركية التي جعلت من الجيش حارسا بل وقيما وربما وصّيا على مقاليد البلاد.

عوامل محورية

وعندنا أن التحرك التركي لم يأت فقط صادرا عن رغبة أنقرة وساستها في مجرد استعادة الدور أو مجرد الاستجابة لعوامل تؤكدها حقائق الجغرافيا ــ السياسية وحدها.

لقد جاء هذا التحرك أو جاء هذا الدور التركي المستجد بكل طموحه مدفوعا بعوامل ثلاثة نحاول من وجهة نظرنا أن نطرحها بإيجاز شديد على النحو التالي:

(1) التحرك على مستوى الداخل لتحقيق المزيد من إقصاء الجيش عن الشأن السياسي بمعنى التأكيد على أن يكون الجيش.. مؤسسة عسكرية احترافية لا يجوز لها التدخل في السياسة ناهيك بفرض وصايتها بسطوة السلاح المستترة أحيانا (بالتهديد) أو السافرة أحيانا (بالانقلاب) على مقاليد الأمور.

(2) مواصلة التحرك من أجل تلبية شروط الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها «معايير كوبنهاجن» التي تقتضي مزيدا من التحول نحو الدولة المدنية التي تحتكم إلى دستور مدني وديمقراطي بالدرجة الأولى.

(3) معاودة التعاطي مع الشرق الأوسط ــ أقطار العالم العربي على وجه الخصوص من هذا الموقع الواعد بمكاسب شتى.. وهو موقع تركيا التي استردت أنفاسها.. الروحية ــ الإسلامية إن جاز التعبير وتركيا الواعد بأن تكون همزة وصل أخرى بين عالم الشرق العربي الأوسط والاتحاد الأوروبي عندما تنال عضويته الكاملة، فما بالنا بتركيا التي أمكنها تحقيق منجزات مرموقة من حيث معدلات التنمية ونجاحات الاقتصاد وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.

الجيش والديمقراطية

«بالنسبة للاعتبار الأول يبدو أن السيد «أردوغان» ومؤيديه في حزب العدالة والتنمية قد تعلموا الدرس جيدا وأهم ما في هذا الدرس هو أن الديمقراطية بمعنى الانتخابات الحرة والنزيهة والمعبرة عن رأي الجماهير هي الدرع الذي يقي الحكم المدني من تغوّل الجيش.. من هنا كان العزم على أن لا تتكرر تجربة الزعيم الإسلامي الراحل «نجم الدين أربكان» الذي أطاح به الجيش في عام 1997.. وتطور هذا العزم بإعلان «أردوغان» تعديل الدستور الذي سبق وضعه عام 1980 تحت وصاية الجيش.. وخاصة بعد أن حصل «أردوغان» على تأييد مواطنيه في استفتاء شعبي على إجراء هذا التعديل وبعده جاء إعلان حكومة أنقرة «بشأن» إنهاء عصر الهيمنة العسكرية على الحياة السياسية في تركيا».

٪ وبالنسبة للاعتبار الثاني يظل بديهيا أن إبعاد الجيش عن إدارة الدولة المدنية يمثل ما يصفه المحلل السياسي التركي «أرغون باباهان» «تحولا ضخما لتركيا في إطار تقدمها لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي (صحيفة الجارديان البريطانية، عدد 2/8/2011) وخاصة بعد أن تجلت سلطة أنقرة المدنية بقبول الاستقالة الجماعية التي قدمها مؤخرا قادة أسلحة الجيش وتعيين قائد جديد للجيش التركي بمعرفة واختيار رئيس الوزراء المدني وهو ما أنهى حقبة ظلت تشهد نزوعا من جانب العسكريين على التصرف فوق القانون وهو ما حدث عندما قاموا بثلاثة انقلابات على الحكم منذ عام 1960.. وهو أيضا ما تبدت معه قدرة المدنيين على الإمساك بمقاليد السيطرة على كبرى المؤسسات الرئيسية في البلاد، على نحو ما يذهب إليه محلل آخر هو الكاتب «أنتوني شديد» (النيويورك تايمز، عدد 2/8/2011).

النمو الاقتصادي

وفي تصورنا، فما كانت هذه الإنجازات لتحدث لو لم يكن الحكم المدني ــ حكومة «أردوغان» في أنقرة قد حققت منجزات اقتصادية مرموقة بكل مقياس.

لقد تحولت تركيا من دولة فقيرة بل ومتخلفة في عقد السبعينات إلى كيان ناشط ومفعم بالدينامية الاقتصادية لدرجة أن يصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى نحو تريليون دولار حيث ظل هذا الناتج ينمو في الفترة بين عامي 2003 و2008 بمعدل 7 في المائة.

في هذا السياق تقول مصادر صندوق النقد الدولي أن تركيا مع اطراد الزيادة في هذا الناتج الإجمالي.. جديرة بأن تنضم إلى عضوية مجموعة الـ15 وهي الدول التي تتربع على قمة أو قمم الأداء الاقتصادي المرموق في عالم اليوم.

ولو قارنا هذا الإنجاز مع ما تعانيه جارتها اليونان من أمراض اقتصادية ربما توصف بأنها مستعصية أو مزمنة لأدركنا حجم وقيمة الإنجاز الذي أتاح لأنقرة نجاح التوازن بين إقرار الهوية الثقافية ذات الأساس الإسلامي وبين تفعيل أداة الدولة المدنية التي تتجسد في دستور يكرس إدارة الشعب بعيدا عن كل وصاية حتى ولو كانت موروثة من أيام زعيمهم الأكبر «مصطفى كمال».