«مارشال» لفظة يتابعها القارئ بكل اهتمام.. كيف لا وهي تدل بداية على رتبة عسكرية هي من أرفع ما يكون في جيوش الغرب والشرق على السواء.. والأكثر من هذا أن الذاكرة الإنسانية المعاصرة ما برحت تستعيد ذكرى القائد الإنجليزي «مونتجمري» (وقد حمل رتبة الفيلد مارشال) بوصفه بطل معركة العلمين التي حقق فيها انتصاره الشهير عام 1942 على مارشال آخر هو القائد الألماني «روميل». وكانت المعركة التي دارت، كما هو معروف، عند حدود مصر الغربية نقطة محورية حسمت إلى حد كبير مصير الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء وضد قوات «هتلر» ونظامه النازي في ألمانيا.. مارشال آخر هو «زوكوف» الذي قاد جيوش الاتحاد السوفييتي في هجومها الصاعق وكأنها إعصار من أقصى شرق أوروبا في طريقها إلى دحر ألمانيا الهتلرية واحتلال عاصمتها في برلين ووضع النهاية الحاسمة بحق للحرب العالمية المذكورة أعلاه.

لكن الذاكرة ما برحت تستعيد أيضا اسم «مارشال» آخر.. لم يستمد شهرته من رتبة عسكرية في الجيش الأميركي.. ولا بفضل بلائه في أتون الحرب العالمية الثانية.. بل ذاع صيته بالذات بعد أن وضعت تلك الحرب الضروس أوزارها في عام 1945. وبعدها بسنتين تولى «جورج مارشال كاليت» منصب وزير خارجية الولايات المتحدة خلال حقبة الرئيس «هاري ترومان».. كما تولى موقع وزير الدفاع مع مطلع عقد الخمسينات من القرن العشرين.

 

جائزة نوبل

«جورج مارشال» هو الوحيد من بين هذه المجموعة التي عرضنا لها الذي نال جائزة نوبل الدولية للسلام في عام 1953.

لماذا؟.. لأنه كان صاحب الخطة التي ما برحت ترتبط باسمه ومازال أهل السياسة والاختصاص يحيلون إليها ويعدونها واحدا من أبرز المعالم على طريق جهود التعافي الاقتصادي والانتعاش المدني وتعمير وإصلاح ما سبق ودمرته صراعات الحروب واستخدام السلاح. نتحدث بالذات عن الخطة التي مازالت تحمل عنوانها الشهير: مشروع مارشال.

هو المشروع الذي اقترحه «جورج مارشال» وزير الخارجية الأميركي عام 1947 لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ومازال المشروع هو المرجعية التي يحال إليها لدى الحديث عن ضرورة أن تخف الدول المتقدمة والأقطار الموسرة إلى نجدة البلدان التي مزقتها الحروب الإقليمية أو الصراعات الداخلية من خلال تزويدها بمساعدات مالية سخية ومعونات تقنية وعينية واسعة النطاق من أجل تعمير بل هو ترميم ما انكسر خلال الصراع من سبل كانت تعتمد عليها حياة الملايين وهو ما أصبحت أدبيات الأمم المتحدة تطلق عليه الوصف التالي: إعادة البناء بعد انتهاء النزاع. هكذا تنوعت استدعاءات الذاكرة لأسماء وصفات هؤلاء المارشالات بكل ما أحدثوه من تأثير في دنيا الحرب أو الاقتصاد على السواء.

 

الوزير والبروفيسور

مع هذا كله.. فقد توقفت هذه الذاكرة مؤخرا عند «مارشال» آخر.. لا علاقة له لا بالسلاح أو الحرب، ولا بالاقتصاد أو تعمير الدمار. نتحدث عن «مارشال ماكلوهان» عن اسم وليس عن رتبة.. ويبدو أن أهله منحوه منذ مولده في كندا اسم «مارشال» على نحو ما قد يفعل العرب مثلا عندما يخلعون على وليدهم اسما يرتبط برتبة عسكرية من قبيل رائد.. أو عميد أو مساعد وما إلى ذلك بسبيل.

في أيامنا الحالية توافينا الذكرى المئوية لمولد «مارشال ماكلوهان» الذي يعرفه ولاشك كل دارسي فن الإعلام وعلم الاتصال في العالم. وقد رحل هذا الأكاديمي الكندي مع مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي بعد أن ملأ دنيا الإعلام وشغل الناس ما بين الدارسين أو المتابعين أو جماهير المتلقين بكل ما اجتهد في دراسته وبلورته وإضافته إلى متن نظريات الإعلام والاتصال.. وخاصة من خلال طروحات مازالت ملء الأسماع والأفهام ومنها على سبيل المثال.

أن العالم أصبح قرية الكترونية واحدة.

أن المهم في الإعلام ليس المضمون بل الأهم هو الوسيلة الإعلامية التي تنقل إليك هذا المضمون.

أن وسائل الحضارة التي ابتكرها وأنجزها الإنسان عبر التاريخ ما هي في واقع الأمر سوى امتداد لأجسامنا وأعضائنا وجوارحنا.

أن سبل الاتصال على اختلافها هي التي تصوغ نوعية الحضارة ونمط التمدن الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية.

بدأ البروفيسور «مارشال ماكلوهان» حياته العلمية متنقلا بين أميركا وكندا.. وبدأها أستاذا متخصصا وباحثا في آداب اللغة الإنجليزية. ولكن شغفه المعرفي إزاء ميديا الاتصال، وكان على رأسها بالنسبة لجيله الحرف المطبوع والكلمة المذاعة عن طريق الراديو ثم عن طريق وسيلة كانت تشق طريقها مع عقدي الخمسينات والستينات بفتوة الشباب اسمها وسيلة التليفزيون.

الوسيلة هي الرسالة

على أن مؤرخي سيرة هذا المفكر يربطون أيضا بين شغفه بعالم الاتصال ودنيا الرسالة الإعلامية، وبين مشكلته التي قالوا إنها تجسدت في إصابته بآفة العزلة إلى حد الانطواء الشديد والى درجة أقرب إلى العزوف وربما العجز عن التواصل مع الآخرين في بعض الأحيان.

مع هذا كله، ورغم انقضاء تلك السنوات التي استلزمت عمر جيل كامل على رحيله فقد عاد اسم «مارشال ماكلوهان» في الأيام القليلة الماضية ليشغل الاختصاصيين في عالم الميديا الاتصالية وهم يستعيدون مقولاته التي كان لها وقع ابتكاري أقرب إلى الثورة أو فلنقل إلى روح التبشير على مدار عقد الستينات من القرن العشرين.. وأشهر هذه المقولات هي: الوسيلة هي الرسالة.

هكذا عمد الكاتب الإنجليزي «دوجلاس كوبلاند» إلى تصدير مقاله المنشور مؤخرا (جريدة الجارديان البريطانية، عدد 21/7) بمناسبة الذكرى المئوية، على نحو ما أسلفنا لمولد «مارشال ماكلوهان».

يوضح «كوبلاند» كيف أن المفكر الكندي المذكور جمع في اجتهاداته بين معارفه المستفيضة في علم التاريخ والأدب الإنجليزي.. توقّف في تأمل منهجي ولاشك عند ما رآه من أنك عندما تشاهد التليفزيون!.. فأهم رسالة تتلقاها سيادتك هو.. أنك تشاهد التليفزيون وبمعنى أنك تتأثر لا شعوريا من خلال تقنيات هذه الوسيلة الاتصالية.. ولأن الصورة المتلفزة تتألف من نقاط ضوئية يتم إرسالها على الشاشة الصغيرة وليس لها بُعْد ثالث.. فأنت تبادر إلى تقديم أو تعويض هذا البعد الثالث، وبمعنى أنك تصبح مشاركا فيما يعرضه الجهاز المفتوح أمامك.. سواء كانت المادة المعروضة عرسا شعبيا أو اجتماعا وزاريا أو مظاهرة حاشدة في واحد من الميادين.

 

الاختراع امتداد للبشر

التليفزيون إذن في رأي ماكلوهان امتداد لرؤيتنا.. تماما كما أن النظارة الطبية امتداد لأبصارنا.. تماما كما أن الهاتف امتداد لأسماعنا.. فما بالك عندما يشير المفكر الإعلامي المذكور أيضا إلى أن الملابس.. نعم الملابس.. هي امتداد لبشرتنا أو جلودنا!.. وربما أشار مع بدايات العصر الالكتروني.. إلى أن الحاسوب (الكمبيوتر) هو في التحليل الأخير امتداد لملكاتنا الذهنية.. فضلا عن أن تفّرعات الحاسوب ما بين التويتر إلى الفيسبوك إلى اليوتيوب يمكن بدورها أن تكون امتدادات لتكويننا العقلي وجهازنا العصبي. وعندما حاول «مارشال ماكلوهان» أن يوسّع إطار إطلالته على تاريخ وسائل الاتصال ودورها في تشكيل حضارات الإنسان على ظهر الأرض.. عمد الرجل أيضا إلى توسيع رؤيته على نحو طريف نحاول أن نوجزه باختصار شديد على النحو التالي:

 

ميديا الإذاعة

لكن إذا كانت الطباعة قد أدت إلى هذه الفردية من خلال الكتاب أو النص المطبوع، فقد جاءت ميديا الإذاعة المسموعة لتعيد مجتمع أوروبا ومن ثم سائر مجتمعات العالم إلى عصر التجمع والحشد والتواصل التفاعلي بين الأفراد والعائلات.. لدرجة يقول عنها «ماكلوهان» أن الراديو تَحوّل بالبشرية من عصر الفردية التي كانت تسود أوروبا إلى عصر التجمع الأقرب إلى الروح القبلية وكان الفضل أيضا لعنصر آخر لم يعد الناس يقفون عنده مليا بالتأمل ذلك هو عنصر الكهرباء التي دخلت حياتنا كبشر مع الهزيع الأخير من القرن 19.

ودخلت بداهة.. ولا تزال مع مفهوم الدائرة الكهربائية التي تعني عملية التواصل التي يسري خلالها التيار بين قطب وآخر وهو ما أضفى على حياة الناس صفة التجمع بدل التفرد وصفة التواصل بدل الانعزال وهي صفة عززتها آليات سماع الراديو ثم مشاهدة التليفزيون وكلها كما تذكرّنا مقالة الجارديان التي ألمحنا إليها - بصورة وسلوكيات العائلات في شتى مجتمعات عالمنا وقد تجمّع أفرادها على اختلاف الأجيال حول راديو الخمسينات لسماع تمثيلية إذاعية أو للإصغاء إلى أنشودة أم كلثوم فضلا عن التجمع حول جهاز التلفاز سواء لمشاهدة مباراة كأس العالم أو لمتابعة خطبة من الزعيم الأفريقي «مانديلا» أو لرصد فعاليات الاحتفال بزفاف أمير بريطاني شاب على فتاة من بنات الشعب وقد غمرتهما عدسات التصوير وهما على متن عربة كلاسيكية تجرها الجياد وتجتاز بوابات قصر بكنجهام في لندن.

 

مع الفيسبوك

كثيرون كانوا ينتقدون طروحات البروفيسور «ماكلوهان» فقد كان الرجل يبشر بأفكاره بشكل غير مسبوق.. وأيا كان الرأي في نصيبها أو في مقدار هذا النصيب من الخطأ أو من الصواب.. ومع تسليمنا بأن الاجتهاد أمر مطلوب ومشكور ومأجور.. في كل حال. إلا أن الكاتب الإنجليزي «دوغلاس كوبلاند» يحرص في مقاله المنشور على التنبيه إلى أن ثمة جوانب من وجاهة المنطق في طروحات الأستاذ الكندي.. ويدلل على ذلك قائلا:

ــ صحيح أن الوسائل الإعلامية تغيّرك من خلال وجودها (مجرد وجودها بحد ذاته).. إنها تحملك على أن تحابي أجزاء بعينها من مخك على حساب الأجزاء الأخرى.. وانظر إلى إنسان عامنا الحالي 2011: إن الساعة التي يمضيها في رواق التواصل الاجتماعي (فيسبوك) تأتي على حساب سبل أخرى لاستخدامك ملكات وطاقات المخ.. سواء كان هذا الاستخدام سينصرف إلى مشاهدة التليفزيون أو إلى قراءة كتاب. ثم تأتي الأيام بابتكارات تجعلك تنصرف حتى عن حكاية الفيسبوك إلى اختراعات أخرى تجود بها دنيا الحواسيب وشبكات العنكبوت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي لا ينقطع لها معين.. ولدرجة أن يكاد الناس ينسون في غمرة تلك المبتكرات المتدفقة.. ما سبق وعاشته أجيال غبرت في عالم العصر ما قبل الالكتروني إن صح التعبير.

 

عالم الأرقام

يختتم الكاتب الإنجليزي مقاله عن «ماكلوهان» بعبارة طريفة يقول فيها:

ــ نحن لم نعد نتذكر الأرقام في الوقت الحاضر.. وهو يعني بداهة أن أرقام الهواتف أو الحسابات المصرفية أو العناوين وجدت بالفعل طريقها إلى مستودعات الذاكرة الالكترونية حيث بات العالم يعيش زمنا يحمل صفة الرقمية في كل شيء.

الدنيا تتغير.. وعلى البشرية أن تتأمل وتتعمق في حقيقة بل وعبرة هذا التغير.. وتلك كانت دعوة مفكر رأى نور الحياة منذ قرن كامل في عصرنا اسمه «مارشال ماكلوهان».