ظلت بحار الثلوج وجبال الجليد المحيطة بالقطب الشمالي منطقة هادئة أو شبه هادئة على مدار قرون.. ولكن الأضواء بدأت تسلَّط عليها في الآونة الأخيرة وخاصة بعد اكتشاف احتياطيات مؤكدة وبالغة الأهمية يحويها باطن هذه المنطقة القطبية من الموارد الطبيعية وفي مقدمتها النفط والغاز الطبيعي. ويشرف حاليا على إدارة العلاقات السياسية بين أطرافها تجمّع إقليمي يحمل وصف مجموعة الثمانية القطبية التي عقدت أحدث اجتماعاتها في عاصمة جزيرة غرينلاند الشمالية في مايو الماضي. وقد تركزت الأضواء على هذا الاجتماع بسبب زيارة قام بها لأول مرة كل من وزيرة الخارجية ووزير الداخلية في أميركا آية على الأهمية المتزايدة التي باتت واشنطن توليها للمنطقة وإشارة يراها المراقبون محذرة، إن لم تكن منذرة، بحرب باردة جديدة في المناطق القطبية خاصة وقد شرعت أطرافها مثل روسيا والنرويج وأميركا وغيرها في ممارسة أنشطة عسكرية نووية في بعض الأحيان ــ على صعيد تلك المنطقة فيما لوحظ أيضا اهتمام الصين بالتعامل مع أطرافها. وتزيد أهمية المسألة ما قد تتأثر به أسواق النفط العالمية وخاصة في ضوء «جدل كارثة تغير المناخ» التي تؤدي من جانب إلى صعوبة الحياة أمام البشر بسبب ما ينجم عنها من كوارث الجفاف والاحترار والتسونامي وغيرها، فيما تؤدي من ناحية أخرى إلى انصهار السطوح الجليدية ومن ثم إلى المزيد من تيسير عمليات التنقيب والاستخراج للنفط والغاز من مناجم المنطقة.

على ما يبدو أن منطقة القطب الشمالي، كما توقع الخبراء والمراقبون، سوف تشهد صراعا حادا في الفترة القادمة، قد يتصاعد ويتحول إلى صدام مسلح بين قوى كبيرة، فقد صرح مسؤول عسكري روسي رفيع المستوى أن المصالح الروسية في منطقة القطب الشمالي أخذت تتعرض في الآونة الأخيرة لتهديدات واضحة من جانب دول حلف الناتو وعدد من بلدان شرق آسيا.

وفي اجتماع للهيئة الاستشارية العليا للشؤون البحرية الروسية عقد في السادس من يوليو الجاري، قال القائد العام للأسطول الحربي الروسي فلاديمير فيسوتسكي إن وزارة الدفاع الروسية نمت إليها معلومات مؤكدة على أن حلف شمال الأطلسي يتعامل مع منطقة القطب الشمالي كجزء من نطاق مصالحه الإستراتيجية الهامة. وأن تحركات قوات الحلف في القطب أخذت طابعا منتظما وواضحا طيلة الفترة الماضية، وقال فيسوتسكي إن بعض الدول الآسيوية بدأت تمارس أنشطة في القطب، ولم يحدد نوع الأنشطة، لكنه ذكر من هذه الدول الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، وأكد على أن روسيا لن تسكت على هذه الأنشطة، بل بدأت بالفعل في الاستعدادات للتعامل معها. حيث قامت بتحديث أساطيلها البحرية العاملة في الشمال بهدف زيادة إمكانياتها القتالية، كما بدأت سفن البحرية الروسية في إجراء مناورات وتدريبات عسكرية في عدة موانئ في المنطقة الشمالية، كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية منذ أيام أنها بصدد التخطيط لنشر قوات عسكرية مدربة على عمليات التدخل السريع في منطقة القطب الشمالي.

من جانبه صرح أمين عام حلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن بأن الناتو كحلف عسكري لا يخطط للتواجد في منطقة القطب الشمالي (أركتيكا)، لكن راسموسن قال في محاضرة ألقاها أمام مجموعة من طلبة الأكاديمية البحرية العسكرية الروسية في سان بطرسبورغ، أنه لا يستبعد أن تضع دول منفردة من أعضاء الحلف خططا خاصة بها في هذه المنطقة نظرا لقربها الجغرافي منها أو لوجود مصالح قومية لها هناك أو لاعتبارات جيوسياسية أخرى.

وتابع قائلا إن قيادة الحلف تأمل في أن تتمكن الدول المنتمية إلى الناتو من إيجاد قواسم مشتركة مع روسيا في منطقة القطب الشمالي من أجل التصدي الجماعي للتحديات التي نشأت أو قد تنشأ في هذه المنطقة الإستراتيجية المهمة.