أي إطلالة ولو خاطفة على سَفر التاريخ الحديث منذ القرن الثامن عشر كفيلة بأن تطلع القارئ الشغوف على ما عانته ألمانيا من جارتها الفرنسية ــ وخاصة مع صعود نجم الإمبراطور «نابليون بونابرت»، لا من السيطرة العسكرية بالاحتلال الفرنسي، ولكن من الهيمنة اللغوية بالاحتلال اللغوي في الأساس.
وفي دراسة مقارنة منشورة مؤخرا للدكتور «صفوت حاتم»، وهو مثقف قومي عروبي من مصر، يجمع بين احتراف مهنة الطب وبين البحث في مضمار الفكر القومي.. نقرأ عن أكاديمية برلين التي تأسست منذ سبعينات القرن 18 على يد العاهل الألماني «فردريك الثاني». فإذا بها تتخذ الفرنسية لغتها الرسمية، بل يعيّنون لها أمينا عاما كان بدوره فرنسي الجنسية.
جوهان فيخته
مع ذلك، يوضح الكتاب المذكور وعنوانه ــ بالمناسبة هو: «الوحدة العربية في القرن الواحد والعشرين»، كيف ناضل المثقفون الوطنيون الألمان وكان على رأسهم المفكر الأشهر «جوهان فيخته».(1762-1814) الذي نشر مقالته الشهيرة بعنوان «خطابات إلى الشعب الألماني». محرضا على مقاومة الاحتلال الفرنسي الذي جاء به نابليون، وداعيا في الوقت نفسه إلى توحيد ألمانيا التي كانت وقتها موزعة فيما بين دوقيات متناثرة ودويلات صغيرة لتصبح كيانا موحدا تربط بين أجزائه تلك الآصرة التاريخية التي تستطيع أكثر من غيرها أن تجسد وحدة ثقافة الأمة، فيما تكفل لها عنصر الاستمرار بمعنى تواتر الخبرات التاريخية الدائبة التراكم والإضافة والإثراء بين أفراد شعوبها جيلاً من بعد جيل.
لا عجب في تصورنا أن يتأثر المفكر العروبي الراحل «ساطع الحصري» (1889-1968) بهذه الدعوة التي بدأت باحترام وتكريس اللغة الألمانية، ثم تُوجت بالتوصل إلى بناء الصرح السياسي الضخم الذي حمل اسم الوحدة الألمانية ومن ثم جاء تجسيده في دولة ألمانيا التي شاءت أقدارها ــ كما تقول أحداث القرن العشرين ــ أن تخوض حربين انتهت الأولى في عام 1918 بزوال إمبراطورية «الهابسبورغ». فيما انتهت الثانية في عام 1945 بدحر النظام النازي وتقسيم العاصمة الألمانية برلين إلى شرق وغرب.. على مدار 46 عاماً بالتمام والكمال.
عودة الروح
ولقد بدأت هذه الأعوام بغلالة من التشكك إزاء مقدرة ألمانيا على النهوض من وهدة الانكسار الهتلري أمام انتصار الحلفاء من الغرب (الأوروبي ــ الأميركي) والشرق (الشيوعي ــ الستاليني). لقد خّلفت سنوات الحرب دمارا في البني الاقتصادية والعمرانية الألمانية بشكل لم تكن تحدّه حدود، لكن ألمانيا ما لبثت أن نهضت من وسط حطام الحرب وكأنما كانت تعيد حكاية طائر العنقاء ــ الفينيق الأسطوري الذي لا يلبث يبعث من جديد من وسط رماد الحريق.. استعادت ألمانيا عبر العقود الأربعة الأولى بعد منتصف الخمسينات روحها وقدراتها في التنمية والتطور والاقتصادي.
فيما ظلت أبعاد مشروعها للتوحيد أو إعادة التوحيد ماثلاً وحالاً إلى أن جاءت اللحظة المواتية التي شهدت انهيار سور برلين الذي كان فاصلاً بين شطري العاصمة الألمانية. وجاء ذلك في مثل هذه الأيام من عام 1989، بقدر ما جاء تجسيدا أو تتويجا لكفاح الأمة الألمانية لاستعادة كيانها الوحدوي وتكاملها القومي الذي كافحت من أجله زعامات تاريخية مختلفة ما بين السياسي «أوتو بسمارك» (1815-1898) أو الاقتصادي «كونراد اديناور» (1876- 1967)، فضلاً عن المفكر الذي ألمحنا إليه «جوهان فيخته».
سر اللغة الألمانية
هكذا صمدت الأمة الألمانية لكل هذه الأنواء والعواصف، بل هي الأعاصير السياسية العسكرية والاقتصادية التي كانت كفيلة بأن تطيح بأواصر وحدتها وتكامل كيانها القومي.
هذا الصمود أمام كل هذه الأعاصير إنما يرجع في تصورنا إلى تمّسك الأمة الألمانية بوشائج وحدتها القومية التي ما برحت اللغة تتصدرها، لا باعتبار اللغة مجرد أداة لسانية للتعبير، ولكن بوصف اللغة أيضا أداة للتجانس والتواصل وللسهر على وحدة وترقّي الخطاب الثقافي الشامل الجامع والكفيل بصيانة تراث الأمة واستمرار وجودها الإبداعي الفاعل عبر مراحل التاريخ. في هذا السياق بالذات تكتب الأستاذة غريس شو الباحثة المخضرمة في جامعة كولومبيا الأميركية، في دراستها عن دور اللغة في بناء الدولة.. تقول:
ــ إن للغة دورا رئيسيا بكل معنى في التشكيل الثقافي للمجتمع.. ذلك أن اللغة هي الوسيلة الجوهرية في بناء الدولة القومية باعتبارها وسيلة خلق ونشر خطاب رسمي (بمعنى معتمد ومتعارف عليه) يمثل الشرعية القومية ويجسد الهوية المشتركة الجامعة.. بدلاً من بناء الدولة القومية على أساس القدرات المادية أو مجرد الهياكل الأساسية (الاقتصادية وما في حكمها).
اللغة المكتوبة
الدراسة التي أشرنا إليها آنفا منشورة في أحدث الأعداد الصادرة من مجلة «جامعة كولومبيا». وتلحظ في متنها اهتمام الباحثة باللغة المكتوبة.. ربما قبل اللغة المحلية، وهي في هذا السياق بالذات تضيف قائلة:
ــ في عالم يضم أكثر من 6 آلاف لغة محكية على ألسن الناس، لا يوجد سوى 200 لغة مكتوبة فقط.. بيد أن كتابة اللغة هي العنصر الذي يمدها بإمكانية الثبات والاستمرار، ويؤدي إلى إبطاء خطى تبّدلها ومن ثم يزودها بميزة التوحيد والانتشار مما يعزز معرفتها وإجادتها.
في هذا السياق أيضاً تحيل الباحثة إلى دراسات البروفيسور «بنديكت أندرسون» الذي نشر آراءه النظرية في عام 1983 مؤكدا أهمية اللغة المكتوبة التي تكفل عنصر التواصل للتراث الذي تبدعه الجماعة البشرية، ومن ثم تضمن توحيد عُرَى هذه الجماعة وخاصة مع انتشار تكنولوجيات الطباعة والتسجيل المستجد في حياة الناس وبفضلها انتشر نظام موحد أفادت منه اللغات والآداب المكتوبة.. وهو ما أدى بدوره إلى ترسيخ معالم الهوية القومية الموحدة.
فضل القرآن
في نفس السياق تعود الدراسة المنشورة في مجلة جامعة «كولومبيا». إلى التساؤل عن أنجع السبل الكفيلة بصون وتكريس اللغة المكتوبة والحفاظ عليها من تبدلات الأحداث وغوائل الأزمان.
وفي هذا السياق بالذات يراودنا شعور بالاعتزاز بتراثنا العربي ــ الإسلامي حين تقول صاحبة الدراسة إن من أنجع هذه السبل ما يتمثل فيما تم من عملية توحيد وصيانة اللغة القومية على «أساس صيغة لها طابع تاريخي كلاسيكي»، بمعنى دعامة وطيدة راسخة تعيش على مر التاريخ.. ثم تمضي الباحثة كي تقول:
ومن أمثلة ذلك أن العربية الحديثة الجامعة تقوم على أساس عربي كلاسيكي يتمثل في القرآن الكريم وما تبعه من أدبيات إسلامية شهدتها بالذات الفترة الزمنية الواقعة ما بين القرن السابع إلى القرن التاسع للميلاد. والمعنى أن لغة القرآن هي التي حفظت كيان العربية من الاندثار، أو فلنقل حافظت عليها من شوائب العُجمة ومن نوائب الاستضعاف أمام العنصر اللغوي الدخيل وخاصة في عصور الانحسار التي شهدت سيطرة شعوب وإمبراطوريات وهيمنة عناصر غير عربية.. ومعها ارتفعت شعارات متباينة ما بين التتريك إلى الفرْنسة إلى الأسبنة إلى التغريب وغيرها..
في دساتير الدول
من هنا لابد من القول بأن اللغة ليست مجرد حروف وألفاظ.. بقدر ما هي وعاء تعبيري لحفظ الإبداع الثقافي لأمّة تحمل اسم وصفة العربية.. فيما ظل هذا الإبداع متواصلاً، بل ومتحدياً الأعاصير والمحن والأحداث على امتداد أكثر من 16 أو 17 قرنا من عصور التاريخ الإنساني.
وفيما يحذر الحادبون على اللغة القومية من مغبة إهمالها أو التراخي في تعليمها ونقلها بل وتطويرها والارتقاء بمستوياتها ــ فقد نلاحظ في نفس السياق أن قضية العربية احتلت جانبا كبيرا في الحوارات السياسية والثقافية التي دارت في الفترات الأخيرة في مصر العربية بالذات، وخاصة ما جاء منها متعلقا بمبادئ الدستور الجديد المرتقب.
وفي إطار هذه الحوارات حرص المشاركون من ممثلي مختلف الأطياف الفكرية والسياسية على الإحالة إلى تجارب دول وشعوب غير عربية عمدت إلى وضع اللغة القومية في بؤرة اهتمام المشِّرعين، ولدرجة النص في دساتيرها المحدثة على اللغة القومية الأولى والمعتمدة، وذلك على نحو ما أوردته المادة الثانية من الدستور الفرنسي والمادة 26 من الدستور الروسي والمادة 13 من الدستور البرازيلي، وهي دول تتفاوت بداهة في درجة النمو أو التقدم الاقتصادي، ولكنها تتشارك في درجة الاهتمام باللغة القومية التي ما برحت تُعد في نظر مشرّعيها ودساتيرها هي الأداة الأهم في الحفاظ على الوحدة الوطنية وفي صون الهوية القومية من أخطار التفتت أو التضاؤل أو التشوه أو الذبول.
غربة العربية
وبديهي أن الدول العربية حرصت على نفس الشيء في دساتيرها. لكن ما أبعد الشقة بين النص الدستوري والقانوني وبين التطبيق العملي في أرض الواقع: المشكلة الحالية هي أن لغتنا القومية تزداد غربتها ويذوي الاهتمام بها، إما لصالح اللسان العامي الدارج والهجين وإما لحساب الهجمة الألسنية التي ما برح يشّنها مستخدمو الإنجليزية لغةً للافتات الإعلانية والعناوين والمضامين الإعلامية، فما بالنا بتلك المكانة الأولوية التي بات القوم يعطونها للإنجليزية في معاهد الدرس ومؤسسات التعليم.
الرطانة الأجنبية
تجنح في بعض الأحيان طبقات وشرائح وشراذم في المجتمع العربي القومي مشارقه ومغاربه على السواء إلى تفضيل الرطانة باللسان الأجنبي.. فرنسيا في مراحل سبقت من القرن العشرين ثم إنجليزيا بل متأمركا بالذات في المرحلة الراهنة من هذه الألفية الجديدة.. وكل ذلك يتم بداهة على حساب اللغة العربية التي ما برحت، كما نؤكد باستمرار، هي المتراس الصلب أو هي خندق الدفاع الأخير عن الكيان العربي القومي الذي قد يشكل التخلي عنه انهيار هذا الكيان ومن ثم التهديد التاريخي بتحول العرب أبناء هذه الأمة الأصيلة وورثة صانعيها إلى أمة أو شبه أمة كما هو حال السكان الأصليين في الأميركتين أو في استراليا على سبيل المثال.
