منذ عام 2009 عمد الكاتب الأميركي الهندي الأصل «فريد زكريا» إلى صك مصطلح «عالم ما بعد أميركا» واختاره عنوانا لكتابه المهم الذي عرض فيه لما أصاب دور أميركا من تراجع تسببت فيه نتائج الأزمة الاقتصادية التي ألمت بأميركا وانتقلت من ثم تداعياتها التي أصابت أوروبا الغربية والعالم بشكل عام.

من هنا أصبح يتعين على المحللين والمراقبين السياسيين أن يرصدوا نوعية التحولات التي لم تقتصر فقط على مجرد تراجع أميركا عن دور القطب العولمي الواحد بعد زوال المنافس السوفيتي بل امتدت الظاهرة كي تصدق أيضاً على تراجع أوروبا الغربية عن أدوارها القيادية التي طالما اضطلعت بها في مراحل ماضية لدرجة أن راجت أيضاً المقولة التي تفيد بـ«عالم ما بعد الغرب» وبمعنى التحول إلى خارطة سياسية للعالم تتهيأ فيها دول صاعدة وطامحة من قارة آسيا بالذات كي تضطلع بأدوار قيادية، يمكن أن تملأ من خلالها الفراغ الذي يحتمل أن تخلّفه أميركا بحكم انشغالها، بل انكبابها، على التعامل مع المشاكل المالية الطاحنة التي أصابت كيانها الاقتصادي ومنظوماتها المالية مجسّدة في الأزمات الدورية التي ما برحت تصيب عادة النظم الرأسمالية على مر التاريخ وكان آخرها في القرن الماضي أزمة الكساد الفادح الكبير التي واجهتها أميركا في عام 1929.

المهم أن السنوات القليلة المقبلة جديرة بأن تشهد عالما متعدد الأقطاب.. ولكن دون أن ينفرد طرف واحد ولا قطب بعينه بتصّدر مسيرة العالم أو بممارسة أدوار الهيمنة على مقاليده.

«عالم الما بعد».. هذا هو المصطلح الذي شاع في الدوائر السياسية والدوائر الفكرية وخاصة منذ سنتين، ولاسيما بعد أن أصدر الكاتب الأميركي من أصل هندي «فريد زكريا» كتابه تحت العنوان الشهير: عالم ما بعد أميركا.

سرعان ما احتل الكتاب المذكور قائمة أفضل الكتب مبيعا ورواجا.. ولدرجة دفعت ناشره الأميركي إلى إعادة إصداره وخاصة في طبعة شعبية رخيصة الثمن آية على أهمية الأفكار وقيمة الطروحات التي احتوتها صفحات ذلك الكتاب.

وبديهي أن جاء كتاب «فريد زكريا».. وخاصة منذ طرحه العنوان الذي ألمحنا إليه، كي يشير أو ينّبه إلى أن السنوات المقبلة من هذا القرن الجديد كفيلة بأن تشهد تحولات بالغة الأهمية في تركيبة وتوزيع القوى الفاعلة على خارطة عالمنا، حيث تدل بورصة التوقعات أو هي المراهنات السياسية على أن أميركا لن يتسنى لها أن تصمد طويلا إزاء المحافظة على موقعها الرائد أو مكانتها التي تضعها في صدارة القوى الفاعلة بالغة التأثير في مجريات الأمور في العالم والعصر الذي نعيش فيه.

وفيما سبق «فريد زكريا» إلى صياغة المصطلح الذي يشير إلى «عالم ما بعد أميركا» فقد عمد محلل سياسي آخر هو «ستيفين زابو» المدير التنفيذي لأكاديمية عبر الأطلسي إلى اتخاذ خطوات أبعد على نفس الطريق فإذا به يصوغ المصطلح التالي:عالم ما بعد الغرب.

وأيا كان تفسيرنا لظاهرة «الما بعد» المذكورة أعلاه، فالشاهد أن ثمة من بات يفكر من منظور التحليل الموضوعي لمستجدات المرحلة الراهنة، بكل أبعاد هذا المنظور السياسية والاقتصادية كي يخلص ببساطة إلى أن الغرب، ممَّثلا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الغرب عبر الأطلسي (Trans atlantic) كما يسمونه قد أصبح مهددا بأن تتجاوزه قوى بازغة مستجدة، ومن ثم فالدعوة موجهة إلى أن يتنبه الفرقاء في هذا الغرب على ضفتي المحيط إلى أن هناك من يسارعون الخطى كي يسبقوه على الطريق.