الكاتب «أنتوني شديد» في واحد من أحدث مقالاته (صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، عدد 28/5/2011) يلقي الضوء على التصريحات التي يدلي بها دائما وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، ويقول شديد إن مثل هذه التصريحات لا تخلو من لمسة رومانسية.. فما بالك وقد أدلى بها وزير الخارجية التركي في غمار أحداث وملابسات ومستجدات على الساحة العربية، بعضها مفهوم وبعضها عاصف وبعضها لا يزال في حال من التبلور الى حيث لا يعلم المآل سوى الله سبحانه.

 

طموحات تركية

يلاحظ مقال «التايمز» أيضاً أن أنقرة لها طموحات لا تخفى في دور مشهود تضطلع به، أو فلنقل تعود إلى الاضطلاع به في إطار التعاطي مع أحوال ومجريات الأمور في العالم العربي. لكن نفس الكاتب يضيف القول بأن طموحات تركيا قد تتجاوز امكاناتها.

وبديهي أنه ليس في الحسبان وجود أي تصورات تهفو بحال من الأحوال الى استعادة أيام الكيان التركي الذي ظل يعرف تاريخيا باسم «الدولة العلية العثمانية» وعاصمتها في اسطنبول (الآستانة).. لا أحد في الوطن العربي بعد استقلال أقطاره ما بين أربعينات القرن العشرين الى سبعينات القرن المذكور يتصوّر أي استعادة لتلك «الحالة» العثمانية التي كانت حالة من الهيمنة - الإمبراطورية في التحليل الأخير.

وبالذات بعد أن تداعت ركائز وقوائم تلك الهيمنة التي ظلت قائمة وماثلة في الأرجاء العربية في معظم أرجاء المشرق وبصورة أو بأخرى في المغرب، وذلك طيلة الفترة الفاصلة بين عام 1516 الذي شهد دخول السلطان الخاقان سليم الثاني ربوع سورية والى عام 1914 الذي شهد اندلاع الحرب العالمية الأولى التي أطاحت سنوات اشتعالها الخمس بإمبراطورية بني عثمان في تركيا والشرق الأوسط بقدر ما أطاحت كذلك بإمبراطورية الهابسبورغ في النمسا وهنغاريا وإمبراطورية غليوم في ألمانيا وإمبراطورية آل رومانوف في روسيا.

 

تساؤلات مشروعة

من هنا أصبح جائزا من الناحيتين المنطقية والسياسية طرح السؤال الأساسي الذي يقول:

- هل ثمة طموحات تراود أنقرة الراهنة في معاودة سيرة الهيمنة أو استدعاء ذكريات الإمبراطورية التي كانت قائمة في يوم من الأيام؟

وبمعنى أكثر تحديدا وأفصح إبانة:

- هل هي محاولات من الإصغاء الى أصداء العصر العثماني؟

هذا السؤال الأوضح والأفصح يطرحه أيضاً الكاتب «أنتوني شديد» في مقاله الذي ألمحنا إليه في مستهل هذا الحديث.. ولكن الكاتب نفسه يبادر الى تحليل إجابة السؤال من خلال استدعاء آراء تسود في الموقف الراهن بين صفوف النخبة المثقفة في تركيا، فيما يستطرد في هذا السياق قائلا:

- إن النخبة الأوسع ثقافة في تركيا تعمد تماما الى استبعاد أي ادعاءات تذهب الى أن ثمة طرحا بشأن هيمنة إمبريالية من جانب تركيا في الوقت الحالي.. وبدلا من ذلك تدعو هذه النخبة الأكثر وعيا بالأمور والأشد عمقا في التعاطي معها إلى ما يوصف بأنه «شراكة سلمية» (مع العالم العربي)، وقد تتخذ هذه الشراكة مثلا شكل إعلان منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين.. على نحو ما شهدته أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) وكانت مثل هذه الإجراءات إرهاصا مبشرا بقيام الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.

 

أكاديمي التركي

في نفس السياق تنقل دراسة «النيويورك تايمز» تصريحات لواحد من شباب الأكاديميين الأتراك هو الدكتور «يوسف يركتيل» الذي تضمه مجموعه العمل من معاوني رئيس الوزراء التركي السيد «رجب طيب أردوغان» حين يقول:

- هي فترة قوامها 100 سنة ظلت تفصل بين الجانبين (التركي والعربي) عبر الحدود المصطنعة أقصد الحدود المصطنعة ثقافيا ودينيا.. وهانحن نعمل على رفع هذه الحدود من خلال رفع (إلغاء) شروط الحصول على تأشيرات الدخول بالنسبة لكل من الأردن وسورية ولبنان.. إن تركيا بهذا تدحض الفهم التقليدي للسياسات التي كانت سائدة على مدار القرن العشرين.

في ضوء هذا كله يلاحظ مراقبو الشأن الشرق - أوسطي أن الشراكة المرتقبة، أو هو آفاق التفاعل المنشود بين الطرفين العربي والتركي.. لم تعد مقتصرة على مجرد التفاهمات أو التحليلات السياسية ولا على المراجعات التاريخية والأمنيات العذبة بطبيعة الحال.

 

ساحتان للتعاون

صحيح أن تركيا عانت، ومازالت تعاني من خسارة مبالغ طائلة من استثماراتها التي كانت موظفة في أقطار عربية. وجاء ذلك بسبب الأوضاع المستجدة في بلدان منها ليبيا على سبيل المثال.. لكن الصحيح أيضاً أن الجانب التركي مازال يواصل حثيثا تدعيم الشراكات التي كان قد استهلها مع أكثر من طرف عربي في الشرق الأوسط. وهذه الشراكات أو التفاعلات باتت تتوزع في تصورنا الى شعبتين:

٪٪ ذ . . .. .. .

ذ .

 

اتهامات متبادلة

ويكفي أن نقول أن كلاّ من الطرفين أصبح يتعين عليه أن يعيد النظر في رؤيته لأخطر تحولات شهدتها علاقات الجانبين خلال العقدين الأول والثاني من بداية القرن العشرين:

٪٪ ذ ذ ا ب .

٪٪ .. ( ) 1915 ا ب ذ .

.. ( ذ ).

ذ : .

.

.

ذ ا ب ذ ا- ب : ذ .

 

التوافق أمر أساسي

والفرق شاسع بطبيعة الحال.. بين «النيو» أي العثماني الجديد.. وبين «البوست» أي ما بعد العثماني: الصيغة الأولى تعيد التذكير بماض يتعين على الأتراك والعرب أن يخلفوه من وراء ظهورهم.. والصيغة الثانية تذهب الى فكرة ما بعد العثماني بمعنى أننا أبناء المرحلة الدقيقة الراهنة هي مستهل العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

وعندنا أن كلا من الطرفين لابد وأن يعمق مغزى هذا التوافق وأن يدعم الامكانات البازغة من التعاون المادي واللامادي بينهما.

وفيما يظل العرب بحاجة الى دعم أواصر التعاون الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط التي يعيشون فيها.. وهو ما يكفل أوضاعا لا تقتصر على الأمن العسكري أو الاقتصادي وحدهما، وإنما تمتد الى ما يمكن وصفه بأنه الأمن الثقافي والفني والإبداعي بشكل عام.. على الجانب التركي، وعلى نحو ما يذهب كاتب السطور (في كتابه الصادر بعنوان «الشرق الأوسط الكبير ص168 169) فإن تركيا ما برحت تصادفها عقبات إزاء انضمامها عضوا ضمن دول الاتحاد الأوروبي..

وتذهب دراستنا المذكورة الى أن الخشية ليست من الطابع الإسلامي التركي ولكنها خشية اقتصادية (أوروبية) بالدرجة الأولى ولاسيما في مجال ما هو منتظر من جانب تركيا من تصدير العمالة ومن الهجرات الديموغرافية (بأعداد غفيرة) من تركيا الى أقطار غرب أوروبا.. التي تعاني شيخوخة السكان. ومن هنا، فثمة تخوف من الغلبة التركية من الناحية السكانية وأيضا من ناحية هجرة العمال والشباب والدارسين من تركيا وبأعداد كثيفة من شأنها أن تهدد فرص العمل ومستويات الأجور والمزايا الاجتماعية والاقتصادية التي يتمتع بها حاليا عمال غرب أوروبا..».

في ضوء هذا كله يمكن القول بكل اطمئنان علمي بأن العرب بحاجة الى تركيا الواعدة والمتقدمة بقدر حاجة تركيا الى العرب بوصفها جزءا حيويا من المنطقة التي يعيش فيها الطرفان.

فقط على كل من الطرفين فتح صفحة جديدة.. تطوي كل مواريث الماضي وقد تستمد منها العبرة والدرس المستفاد.. ثم تمضي الى استشراف آفاق أكثر من واعدة في المستقبل.

أوغلو والانفتاح التركي على العرب

 

في تحليل شخصية «أحمد داود أوغلو» وزير خارجية تركيا.. يختلف الدارسون: بين الذين يرونه دبلوماسيا محنكا والذين يضيفون تصوراتهم بأنه يتصف بلمسة من الرومانسية في تحليله ومنطلقاته السياسية.. وفي كل حال فإن تصريحاته تحوز الاهتمام، وخاصة حين يستعيد الصفحات الإيجابية من تاريخ وتطور العلاقات العربية التركية، مع تركيزه على الوشائج المشتركة بين الطرفين.

وفيما يحمل ماضي هذه العلاقات عددا من المشاكل التاريخية، وفي مقدمتها بطبيعة الحال مواريث الهيمنة التركية العثمانية على معظم الوطن العربي على مدار أكثر من 4 قرون من عمر العصر الحديث، فإن الطرفين بحاجة الى التوصل لنوع من التوافق على طيّ هذه الصفحات الماضية لصالح شراكات التعاون بينهما، خاصة في ضوء استثمار ما يربط بينهما من تقارب جغرافي وثقافي وروحي، فضلا عن المصالح الوطنية العليا التي تطرح أهمية هذا التعاون، سواء على صعيد القوى الخشنة أو الصلبة التي بدأت تباشيرها في إعادة افتتاح خط حديدي بين تركيا وأقطار المشرق، وفي مشروع لخط أنابيب لنقل النفط العراقي عبر تركيا إلى بلدان أوروبا..

أو على صعيد القوى الناعمة وفي مقدمتها ما أصبح يذاع من المسلسلات التركية المتلفزة وقد أصبحت محل إقبال واسع النطاق في مشرق العالم العربي ومغربه، مبشرة بوعود التحول بهذه المشتركات الى مجالات أعمق وأوسع وأجدى تغطي ميادين الأنشطة الثقافية والعلمية والتكنولوجية والإبداعية على السواء.

أحيانا يعتبرونه سياسيا محنكا. ومنهم من ينظر إليه على أنه رومانسي النزعة.. ولكن معظمهم يرى فيه نوعية مستجدة، وإن تكن واعدة على نحو أو بآخر من وزراء الخارجية على مستوى دول العالم بعامة، أو على صعيد منطقة الشرق الأوسط على أقل تقدير.

في كل حال فإن شخصية السيد «أحمد داود أوغلو» وزير خارجية تركيا تكاد تجسد كل هذه المعاني أو الدلالات التي ألمحنا إليها.. وربما كان البعد الأهم من أبعاد شخصيته هو نزعة الانفتاح التي ينطلق منها هذا المسؤول السياسي التركي على منطقة العالم العربي بشكل عام، ولاسيما عندما يتكلم الرجل عن الحدود التي تفصل بشكل يراه مصطنعا بين تركيا وسائر الأقطار العربية الإسلامية.

مع ذلك فالسياسي المحنك في شخصية وزير خارجية أنقرة لا يلبث يضيف من باب التحوط أو الفطنة السياسية فيقول في أحدث تصريحاته ما يلي:

- نحن نحترم بطبيعة الحال كل كيان وكل دولة وطنية (في العالم العربي). ولكن علينا أن نفهم في الوقت نفسه أن ثمة عوامل من الاستمرار الطبيعي (فيما بيننا). هكذا كان حالنا (وحالهم) على مدار قرون مضت من عمر الزمن.

أحمد داود أوغلو وزير خارجية تركيا. هو أستاذ للعلوم السياسية التركية. في 1 مايو 2009 عين وزيرًا للخارجية في تركيا، وكان قبل ذلك المستشار الرئيسي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. أكمل دراسته الثانوية في ثانوية إسطنبول للذكور ومن ثم تخرج من قسم «الاقتصاد والعلاقات الدولية والعلوم السياسية» في جامعة بوغازيجي.

حيث نال أيضاً على درجة الماجستير في الإدارة العامة، ودرجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة بوغازيجي. عمل استاذًا في جامعة مرمرة بين عامي 1993 و1999، ورئيس إدارة العلاقات الدولية في جامعة بيلكنت في إسطنبول بتركيا. منح لقب سفير بقرار مشترك من الرئيس أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء عبد الله غول وذلك في 17 يناير 2003. له العديد من المؤلفات بعدد من المواضيع السياسية.

كما إنه كان واحدا من أبرز من ناب عن الحكومة التركية خلال الدبلوماسية المكوكية للتسوية بين إسرائيل وقطاع غزة عام