ما برح خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي ألقاه في 22/5 موضوعا لاهتمام المراقبين السياسيين الذين أخضعوه لمنهج تحليل المضمون كي يخلصوا إلى أنه يشكل نوعا من التراجع عن وعود الآمال التي سبق إليها خطاب أوباما في جامعة القاهرة مخاطبا العالميْن الإسلامي والعربي في عام 2009 بكل ما احتواه الخطاب السابق من إشارات «قوية» إلى رفض المستوطنات الصهيونية في الأرض الفلسطينية المحتلة بوصفها عقبة كأداء تحول دون التوصل إلى السلام العادل المنشود في منطقة الشرق الأوسط.
مع ذلك فقد لاحظ المحللون السياسيون الدعوة المستجدة في خطاب الأمس القريب بشأن إقرار هذا السلام على أساس انسحاب إسرائيل إلى خطوط ما قبل عام 1967 وهو ما رحبت به أوساط كثيرة، منها بالذات بريطانيا على لسان كل من رئيس وزرائها كاميرون ووزير خارجيتها هيغ. ورغم أن دعوة أوباما ووجهت ولا تزال بمعارضة شديدة، سواء من جانب رئيس وزراء إسرائيل نتانياهو أو من جانب قوى وأركان اللوبي الإسرائيلي في أميركا ممثلا في لجنة منظمة «إيباك»، فضلا عن أوساط الحزب الجمهوري المعارض الذي يستعد لشن حملات مناهضة تحول دون فوز الرئيس أوباما بولاية ثانية يقرها الدستور الأميركي، فإن هناك أصواتا في أميركا، منها مثلا الكاتب الصحافي توماس فريدمان مازالت توجه النصح إلى إسرائيل كي تقبل بالانسحاب من أراضي الضفة الغربية، خاصة في ضوء ما طرأ من سوء علاقاتها، كما يشير فريدمان، مع الدول المحورية الثلاث في الشرق الأوسط وهي تركيا ومصر وايران بل مع أوساط ودوائر في القارة الأوروبية نفسها.
خطاب أوباما الذي حمل شعار «دعم الربيع العربي» ودعواته قوبلت بنقد وهجوم واسع في الأوساط الأميركية السياسية والبحثية، حيث شكل انتقاد الخطاب عن الشرق الأوسط، بل وضعف أدائه، قاسماً مشتركاً لمراكز الفكر والأبحاث الأميركية، وفقا للتقرير الأسبوعي لهذه المراكز، والذي أورده مركز الدراسات الأميركية والعربية ـــ المرصد الفكري البحثي.
وذهب معظم المحللين إلى القول ان صياغة خطاب أوباما جاءت سريعة، كما أن توقيت الخطاب كان سيئا، بل واعتبره البعض محاولة لاستباق خطاب نتانياهو أمام الكونغرس، فقد تساءل «معهد بروكينغز» وهو أحد أهم المراكز تأثيرا في صنع السياسة الأميركية، عن مدى مصداقية أوباما في دعم تحركات الربيع العربي، كما زعم في خطابه. وقال المعهد «من المستبعد أن يقدم أوباما على تقديم الاعتذار للجمهور العربي، لكن تأكيداته العلنية عن عزم الولايات المتحدة دعم التوجه الديمقراطي لدى العرب، بالرغم من الحقيقة كما يراها العرب من وجهة نظرهم أن الولايات المتحدة دعمت ولا زالت تدعم النظم القمعية والفردية، ستعيدنا إلى خطاب قديم ومعضلة قديمة.. وخلال مسار «الربيع العربي» لم تفلح الجهود في نزع التوترات المقلقة بين المثل العليا والمصالح، كما كان يرغب البعض، وجاءت ردة الفعل لخطاب أوباما مؤشرا على حضور نفس التناقضات وعدم الاتزان، وطالما بقيت حية في الأذهان فمن شأنها تقويض نفوذ ومصداقية الولايات المتحدة في هذه اللحظة الحرجة».
ورأى «مجلس العلاقات الخارجية» الرصين أن خطاب الرئيس أوباما وتداعياته شكلا إساءة لفرص إحلال السلام في المنطقة، وقال «إن خطابي الرئيس أوباما في وزارة الخارجية الأميركية وأمام اللوبي المؤيد لإسرائيل «أيباك»، وكذلك خطابي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أمام جلسة مشتركة للكونغرس وأيباك، لم يفلحا إلا قليلا في دفع البوصلة قدما لخيار حل الدولتين». وقال «إن دعم أوباما للربيع العربي لم يكن سوى «لحظة تثاؤب» في العالم العربي الذي يشعر بعودة الروح والمبادرة برسم مستقبله بنفسه، كما أن الخلافات العميقة حول مستقبل القدس وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين قد أحبطت كلا من نتانياهو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بواقع السياسات الداخلية، إضافة إلى أن آفاق المحادثات بين الطرفين قد تقلصت بواقع عدم الثقة بين زعماء الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين.