5671 كلمة بالتمام والكمال.. هذا بالضبط هو عدد الكلمات التي استغرقها خطاب الرئيس الأميركي أوباما المشهود، الذي أدلى به يوم الخميس، العشرين من مايو.
وربما اكتسب الخطاب المذكور أهميته من واقع عوامل عديدة يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولا أنه يُعد بصورة أو بأخرى الخطاب الثاني الذي عمد فيه الرئيس الأميركي إلى بسط الحديث عرضا وتحليلا بشأن قضايا الشرق الأوسط، وذلك بعد خطابه الأول الذي ما برح يحمل عنوان «خطاب القاهرة» وقد شهدته كما هو معروف قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة في عام 2009 وكان موجها بالدرجة الأولى إلى العالم الإسلامي.
ثانيا أن الخطاب احتوى أفكارا وعبارات أخرى كرسها أوباما للحديث عن، أو بالأدق للترويج من أجل، نشر الدعوة إلى الاهتمام بالتحولات الديمقراطية في الشرق الأوسط، وذلك على ضوء التطورات الجذرية التي استجدت بطبيعة الحال على الأوضاع السائدة في أقطار عربية في مشرق الوطن الكبير ومغربه، وفي إطار ما أصبح يعرف في أدبيات السياسة الغربية تحت مسمى «ربيع الشرق الأوسط».
عملية السلام
ثالثا وبالتالي، فقد لاحظ المراقبون في العاصمة واشنطن وخارجها أن أوباما حرص في الخطاب المذكور، أو حرص مستشاروه ومعاونوه، على ما تصوروه توازنا كان ينبغي تحقيقه في الحديث بين الجانبين العربي والإسرائيلي بوصفهما بداهة طرفي الصراع المحتدم ظاهرا وباطنا في منطقة الشرق الأوسط، هكذا ذكر أوباما إسرائيل 28 مرة، فيما ذكر مصر 12 مرة ومن بعدها تونس (10 مرات) ثم جاء دور البحرين وسوريا (5 مرات).
رابعا أصبح واضحا من الخطاب الأوبامي السالف الذكر، وباستخدام منهج تحليل المضمون، أن الرئيس الأميركي لم يول مساحة يُعتد بها في سطور خطابه لحديث كان مرتقبا، بل وكان لازما، بشأن أكبر عقبة تحول دون تحقيق السلام، أي سلام عادل وحقيقي في الشرق الأوسط. وهذه العقبة الكأداء مطروحة تحت المسمى التالي:
حركة بناء المستوطنات الصهيونية فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية.
تلك مستوطنات غير شرعية بموجب صكوك وأعراف القانون الدولي ابتداء من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها وليس انتهاء بالقرارات الصادرة عن منظومة الأمم المتحدة الدولية التي تؤثّم واقع الاحتلال الصهيوني وتتعامل مع أراضي الضفة والقطاع بوصفها أراضي واقعة تحت الاحتلال.
خامسا جاء هذا التجاهل أو الحذف أو الإغفال أو الإسقاط أو التناسي ـ سمها كيفما شئت ـ في خطاب الرئيس الأميركي بشأن قضية المستوطنات، ليشكل تراجعا ملموسا ومؤسيا من جانب الإدارة الأميركية الراهنة، كان لابد وأن يؤدي منطقيا إلى تبدد الآمال أو حتى المراهنات السياسية التي طالما راودت نفوس شعوب وقيادات عديدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم بشأن دور الوسيط الأميركي فيما يعرف باسم «عملية السلام». اين هذا التراجع في مسألة المستوطنات مما جاء في خطاب جامعة القاهرة الذي ألمحنا إليه «بأن الولايات المتحدة لا تقبل شرعية بناء المستوطنات، لأن عملية البناء تشكل انتهاكا للاتفاقيات التي سبق التوصل إليها (بشأن القضية الفلسطينية) وتهدد من ثم الجهود المبذولة من أجل السلام»!
عاصفة الهجوم
ورغم كل هذه التدابير، التخفيفية كما قد نسميها، وقد حّفت بخطاب أوباما، فقد كان طبيعيا أن تهّب إلى التهجم على الرئيس الأميركي الشاب، وعلى خطابه وتوجهاته وسياساته وأوكار اللوبي الإسرائيلي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية، وفي إسرائيل على السواء.
وكان بديهيا والحالة هذه أن يتشكل تحالف مقيت بين اللوبي المذكور وبين خصوم الرئيس أوباما من الحزب الجمهوري ــ الأجنحة اليمينية بالذات، وفي مقدمتها بالطبع الجماعات المستجدة على ساحة المعارضة في أميركا والمعروفة باسم حفلات الشاي وحلفائها ممن لم يتورعوا، في غمار خصامهم اللدود للرئيس الأميركي الشاب وحزبه الديمقراطي الحاكم حاليا ــ عن أن يمارسوا لعبة التشويه المتعمد لسيرة أوباما الشخصية ومراحل حياته العلمية والسياسية ولدرجة التشكيك في كل شيء، ابتداء من سلامة مؤهلاته العلمية وصحة درجاته الأكاديمية وليس انتهاء بالتشكيك حتى في مولده على أرض أميركية، ومن ثم فقد تواصلت مع مطالبته ليل نهار وبوتيرة شديدة الإلحاح بإبراز شهادة ميلاده التي اضطر الرجل إلى اعلان تفاصيلها موثقة بالأختام وممهورة بالتوقيعات التي تشهد بمولده في ولاية هاواي الأميركية بطبيعة الحال.
عوامل حاسمة
في غمار هذا كله يمكن للمحلل السياسي أن يخلص إلى أن أوباما حين ألقى خطابه، الذي نعرض لتحليل مضامينه في هذه السطور، كان يخوض غمرات بحر لجيّ متلاطم الأمواج وتحت وطأة أنواء عاتية من أعاصير الانتقاد والتهجم، وهو ما استغله أركان اللوبي الإسرائيلي، وخاصة في ضوء اثنين من العوامل المهمة في هذا الصدد وهما:
(1) انطلاق الخطوات الأولى في حملة أوباما للتجديد الرئاسي لولايته الثانية المأمولة على نحو ما يكفله الدستور الأميركي.
(2) ثم يأتي بدء الحملة الانتخابية في ظل وجود كونغرس مناوئ إن لم يكن خصما عنيدا ومعاديا للرئيس، بعد أن نحجت المعارضة الجمهورية في حيازة الأغلبية البرلمانية ومن ثم السيطرة بصورة أو بأخرى على قرارات وطروحات مجلس النواب في الكابيتول في واشنطن.
(3) ثم يتزامن هذا كله مع الزيارة التي قام بها مؤخرا إلى واشنطن، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي قابل طروحات أوباما في خطابه المذكور برفض معلن إلى درجة الاستفزاز، وبدعوى من شأنها إلحاق الخطر بإسرائيل.
عن الأرض والسلام
والشاهد، وهذا هو ما يميز خطاب أوباما بالدرجة الأولى، هو ما احتواه خطاب رئيس الولايات المتحدة، ولأول مرة كما لاحَظْت دوائر سياسية شتى، دعوة إسرائيل إلى اتخاذ خيارات صعبة، تتمثل في الانسحاب إلى حدود يونيو 1967 من أجل تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وبالتالي من أجل التوصل لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار Viable كما يقول المصطلح المتعارف عليه في متون العلوم السياسية والقانون الدولي.
في نفس السياق بات مطروحا السؤال البديهي الذي يقول:
هل تنطوي عبارات أوباما عن تجديد الدعوة التي سبق وقامت على أساس مبدأ «الأرض مقابل السلام»؟
ها هي الكاتبة السياسية «بترابغمان» تذهب ــ في مقالتها بجريدة «الغارديان البريطانية» (عدد 24/5) إلى أن أوباما يقترح في خطابه التركيز على تصورات يمكن تلخيصها في مبدأ يقول بدوره بالتالي:
* الأرض أولا.. ثم السلام بعد ذلك.
من ناحيته يعمد الكاتب السياسي البريطاني «جاكوب وايزبرغ» (جريدة الأوبزرفر 22/5) إلى وصف هذا النهج المستجد إزاء مقاربة الشأن الفلسطيني والسلام الشرق أوسطي بأنه نهج أقرب إلى السياسة الواقعية أو البراغماتية إن لم يكن حتى السياسة السوبر ـ واقعية كما يصفها المحلل الانجليزي، وهو ما يربط في رأيه بين أوباما وبين مضيفه في زيارته الأخيرة إلى لندن كاميرون، رئيس وزراء المملكة المتحدة، الذي أعلن وزير خارجيته ويليام هيغ في حديث لوسائل الاعلام ترحيب بريطانيا بالدعوة إلى انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967، مؤكدا في الوقت نفسه على أن «التدخل الأميركي مهم جدا في هذا الشأن، لأن أميركا هي وحدها القادرة على دفع إسرائيل لتوقيع اتفاق سلام وإعطائها الضمانات اللازمة في هذا الخصوص..».
ضمانات لإسرائيل
في نفس السياق، وبعد إعلان نتانياهو رفض هذه المقترحات، وخاصة في خطاب رئيس الوزراء الصهيوني أمام لجنة الشئون العامة الأميركية والإسرائيلية (إيباك)، فقد سادت تصورات في الدوائر المعنية في كل من أميركا وإسرائيل تفيد بأن إسرائيل سوف تتمسك كالمعتاد بحكاية الضمانات، سواء كانت مبالغ مالية من أسخى ما يكون تصّب في الخزانة الصهيونية، سواء كانت على شكل مساعدات مليارية مباشرة أو على شكل تيسيرات ائتمانية أو كانت مساعدات عسكرية وتكنولوجية تتأكد معها حكاية اتاحة المجال لإسرائيل كي تطل في موضع التفوق على القدرات العسكرية العربية في مجموعها.. كل هذا دون أن تقدم إسرائيل شيئا له قيمة في المقابل، اللهم إلا ترديد المعزوفة المكررة التي تتهم الطرف الفلسطيني الخاضع بداهة لاحتلال استيطاني بأنه السبب في تعويق مفاوضات السلام، دعك من ترديد عبارات من قبيل ان إسرائيل سوف يتعين عليها اتخاذ «خيارات مؤلمة» في هذا الخصوص.
نصائح فريدمان
في هذا السياق أيضا يخف الكاتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان إلى نصح إسرائيل أو تحذيرها في مقال نراه طريفا من عنوانه الذي اختاره فريدمان وهو: «بيبي وباراك» والاسم الأول هو الشائع تدليلا أو تسهيلا بالنسبة لنتانياهو. وفي المقال (نيويورك تايمز، عدد 17/5) يحذر فريدمان إسرائيل من أن تجد نفسها في موقف محفوف بالخطر لماذا؟. لأنها، وللمرة الأولى في تاريخها، أصبحت تربطها علاقات سيئة مع جميع «القوى العظمى» الثلاث في منطقة الشرق الأوسط، وهي كما يحددها فريدمان وعلى وجه الترتيب تركيا وايران ومصر، فضلا عن تأييد يتآكل بسرعة في أوروبا نفسها، ومن هنا فقد أصبحت أميركا هي صديق إسرائيل الوحيدة كما يؤكد الصحافي الأميركي المذكور الذي يمضي في مقاله المهم قائلا ما يلي:
إن هذه التوترات لم تحدث في مجموعها نتيجة خطأ من جانب إسرائيل، وبالذات في حالة إيران، لكن إسرائيل لن تنجح قط في تحسين علاقاتها، لا مع مصر ولا مع تركيا ولا مع أوروبا إلا إذا بذلت المزيد من الجهد كي تخرج بأمان من الضفة الغربية».
موعد الدولة في سبتمبر
ومن ثم ها نحن نتابع من منظورنا العربي تلك الجهود الحثيثة والمتواصلة، وخاصة بعد نجاح المصالحة القاهرية التي تمت بين جناحي النضال الوطني الفلسطيني ــ السلطة وحماس، استعدادا لطرح مشروع إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة على الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماع دورتها السادسة والستين المقبلة، في منتصف شهر سبتمبر المقبل. وتفيد بورصة التوقعات في مضمار السياسة الدولية أن من المتوقع أن تحظى دولة فلسطين بتأييد ومن ثم موافقة أغلبية كاسحة كما نسميها من دول العالم أعضاء الجمعية العامة البالغ عددها 193 دولة، ومن مراقبي هذا الشأن العالمي بالذات من يصل بعدد الدول المنتظر أن تعطي موافقتها على قرار قيام دولة فلسطين المستقلة إلى نحو 187 دولة وقد لا يعدم الأمر دولة هنا أو دويلة هناك قد تدلي بصوتها بالرفض.
فضلا عما هو متوقع بالتأكيد من معارضة إسرائيل، ثم امتناع عدد من الدول عن التصويت، فما بالنا بعد أن أعلنت دول عديدة منذ الآن وعلى اختلاف مواقعها بين قارات العالم عن اعترافها القانوني بالدولة الفسطينية المستقلة التي سوف يأتي الاعتراف الدولي بها بمثابة دفعة نفسية وقانونية بالدرجة الأولى؛ لن تغني بداهة عن مواصلة تآزر الصف الفلسطيني المناضل ضد الاحتلال الصهيوني ولا عن استمرار كفاح الشعب العربي الفلسطيني على اختلاف جبهات الكفاح، مسنودا بشعوب أمته في المشرق والمغرب من أجل إقرار سلام عادل وحلول منصفة ومتفقة مع منظومة حقوق الإنسان، سواء بالنسبة لقضية اللاجئين أو بالنسبة لوضعية القدس العربية، وبالنسبة لمسألة فلسطين في كل أبعادها وقد أصبحت تشكل في التحليل الأخير قضية محورية من قضايا تصفية الاستعمار.

