هناك من محللي الشأن السياسي في أميركا ومنهم مثلا «دان بلومنتال»، مدير فرع الدراسات الآسيوية في معهد البحوث، المعروف باسم «أميركان انتربرايز» من يذهب إلى أن المشكلة التي باتت تواجه قومه الآن تتمثل بدورها في معادلة فريدة تقول بالتالي: بينما ظلت أميركا منذ بداية العقد الاستهلالي المذكور تركز على قضية تحمل عنوان «محاربة الإرهاب الدولي» (الإسلامي كما يوصف في بعض الدوائر وخاصة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001)، وهو ما ظل يشكل عاملا من عوامل إجهاد الاقتصاد والمجهود الحربي الأميركي، فقد أتيح للغريم الصيني المستجد في ساحة المنافسة ترف يتمثل في التركيز على تكثيف الجهود في مضمار التنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي وتحريك قاطرة النهوض العلمي والإنمائي بصورة حثيثة وبخطى وئيدة، ولكنها واثقة وبالغة الانضباط إلى حيث أصبحت الصين حسب آخر التقديرات هي أكبر دائن للخزانة الأميركية، وهي ثانيا أكبر مصّدر (بتشديد الصاد) إلى سوق الاستهلاك السلعي.. ضروريا أو كماليا في السياحة الداخلية، الأميركية أيضا..

 

أكبر اقتصاد

نشرت مع مطالع شهر مايو الحالي تقديرات إحصائية أفادت بتوقعات استشرافية بالغة الخطورة في تصورنا ومفادها ما يلي: يمكن أن تصبح الصين هي أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2016.والمعنى بالطبع ينصرف إلى أنه بعد غمضة عين زمانية قوامها 60 شهرا قد تقصر أو قد تطول.. فإن اقتصاد الصين سوف يحرم أميركا من ركن جوهري في خطابها الثقافي المعهود منذ دخول، أو بالأدق اقتحام، أميركا ساحة التعاطي السياسي والاقتصادي (والعسكري أيضا) مع العالم والعصر. وهذا الركن ظل يتمثل في استخدام له وتيرته المتكررة والمتباهية أيضا مجسدا في «افعل التفضيل» كما يقول النحويون.. وبمعنى أن أميركا ظلت تملك «أقوى» جيش «وأمنع» أسطول و«أعظم» اقتصاد «وأرقى» مراكز ومواقع للبحث والتطوير الخ.

في ضوء هذا كله يذهب الأستاذ «دان بلومنتال، في دراسة له منشورة مؤخرا، إلى التأكيد، بل التسليم، بأن آسيا سوف تصبح هي المحور الجيوبوليتيكي في هذا القرن الحادي والعشرين.. وأن المنافسة الناشئة حاليا في مجال الأمن بين كل من أميركا والصين هي التي سوف تُشكل مستقبل القارة الآسيوية في مستقبل الأيام.

 

البحث عن المكانة

صحيح أن ساحة التفاعل السياسي والاقتصادي في العالم مازالت تحوي أطرافا أو أشخاصا طبيعيين (ساسة ومفكرين ومَن في حكمهم) أو أشخاصا اعتباريين (مؤسسات وكيانات وهيئات لها مكانتها وتأثيرها وفي مقدمتها بالطبع فروع المنظومة الدولية) وهذه الأطراف لا تفتأ تحيل إلى صوت العقل والى اعتبارات الموضوعية من حيث إدارة العلاقات المستجدة بين الطرفين الأميركي والصيني. لكن الصحيح أيضا أن ثمة بديهية ملموسة وسبق تجريبها في إطار العلاقات الدولية وتفيد بأن نجاح الدولة، أي دولة، في تحقيق التقدم الاقتصادي ما برح يشكل دافعا إلى أن تبحث الدولة المعنية عن مكانة سامقة تشغلها، وعن دور بالغ التميز تضطلع به ليكون ذلك بمثابة استكمال لما أحرزته في مضمار المال والاقتصاد تماما كما يتطلع الفرد الإنسان إلى عنصر الجاه ليستكمل به نجاحاته في مجال المال ولتحقيق أو تفعيل معادلة الجمع بين الوفرة الاقتصادية والمادية والمكانة الاجتماعية أو الأدبية.

 

تحذير من الخطر

وإذا كان أمر الصين في مرحلتنا الحالية، وفي ضوء نجاحاتها الاقتصادية، يهم القطب الأميركي المنافس بالدرجة الأولى، فإن هناك أطرافا دولية أخرى مازالت تحذر كما تشير دراسة «الإيكونومست» التي أومأنا إليها في صدر هذا المبحث ــ فتقول:

ــ لقد أوغلت الصين مؤخرا في حلبة العولمة وتشابكت مع عناصر هذه الظاهرة لدرجة باتت تشكل خطرا على الاقتصاد العالمي، خاصة وأن الصين لا تتورع حاليا عن شراء المواد الأولية والخامات الجوهرية من دول نامية أو فقيرة لا تملك سوى هذه الخامات، وهو ما يزود بكين بقدرات فادحة التأثير سواء من حيث احتكار هذه المواد السوبر ــ أساسية لمقتضيات التصنيع في طول العالم وعرضه، أو في ترجمة هذه الوشائج الاقتصادية إلى نفوذ سياسي بالغ العمق والتأثير لصالح الصين في دول الجنوب المختلفة سواء في آسيا (جنوب شرقها بالذات) أو في أفريقيا (جنوبي الصحراء الكبرى بالذات) أو حتى في أميركا اللاتينية (المجال الحيوي تاريخيا للولايات المتحدة الأميركية).

 

تفادي المنافسة

من ناحيتها، مازالت واشنطن، ومعها قدر من الحق في تصورنا، تترافع في قضية المنافسة مع الصين أو هي قضية الخطر الصيني الماثل أو الداهم فتقول مثلا في مرافعتها:

ــ «... ولو!.. إذا كانت الصين في حال من النمو السريع.. بل الصاعق في بعض الأحيان، فمازالت أميركا هي الأصل.. بمعنى أنها موئل التقدم العلمي والنهوض التكنولوجي. ألا ترون مثلا إلى ثورة التكنولوجيا التي حققتها مواهب أميركا التقنية والعلمية في مجالات حيوية في مقدمتها مجال الاتصال وساحة المعلومات ودنيا الحواسيب الالكترونية.. التي حولت الكرة الأرضية إلى قرية عالمية (global village).

وهكذا.. يمكن أن تترافع أميركا. ويمكن أن يكون في مثل هذه الحجج والأسانيد قدر لا يستهان به من الحق أو الصواب.

 

من التقليد إلى التجديد

لكن الجانب الآخر من نفس الحقيقة أصبح يفيد بأن الصين بدورها استطاعت مؤخرا أن تسير على نفس الطريق: صحيح أنها بدأت بمنهج التقليد ودرجت على نهج المحاكاة.. بل والإغارة.. أو هي القرصنة التكنولوجية على مواقع التقدم ومواطئ التنمية والتطوير، لكن الصحيح أيضا أن الصين دللت في الفترة الأخيرة، ومنذ العام الماضي بالذات، على أن بمقدورها أن تحقق منجزات مشهودة في مجال تحديث قدراتها العسكرية في البر وفي البحر على السواء.

ومرة أخرى تشير دراسة «الايكونومست» إلى قدرة الزعماء في الحزب الحاكم في بكين على وعي الدروس المستفادة من تجربة الاتحاد السوفيتي السابق خلال حقبة الحرب الباردة التي استغرقت نصف قرن أو يقل قليلا من سنوات القرن العشرين.

 

الدرس السوفييتي

هذه التجربة أفادت بما يلي وبإيجاز شديد:

٪٪ .

وفيما كان زعماء الكرملين يتيهون على الناس عجبا وهم يستعرضون أحدث وأخطر وأمضى منظومات أسلحتهم في الميدان الأحمر الشهير في قلب موسكو، فقد كانت هذه الأسلحة هي العنصر الذي أهدر امكانات الدولة السوفيتية وبدد طاقاتها واستنزف أثمن مواردها فيما ظل يتحول بهذه الموارد الثمينة عن أن يتم استخدامها لتطوير حياة شعوب الاتحاد السوفيتي وتخفيف معاناتها ونقلها من شظف العيش إلى قدر، مهما يكن يسيرا أو متواضعا من يسر الحياة.. وهو ما أتيح لنفس الشعوب أن تطلع عليه عند سكان الغرب في أوروبا وأميركا وهم أطراف المعادلة الأخرى من العالم، وبفضل ثورة الاتصالات بالأقمار الاصطناعية أو عن طريق سبل التشبيك الالكتروني.. من هنا كانت ثورة الشرق الأوروبي اعتبارا من سقوط سور برلين في عام 1989 وبعدها جاء تداعي أو تصدع وسقوط إلى انهيار وزوال الكيان السوفيتي من أساسه دون أن تفلح في ذلك عقاقير السياسة التي اصطنعها «غورباتشوف» ما بين إعادة البناء «البيرسترويكا» إلى أسلوب المكاشفة أو الشفافية «غلاسنوست».

 

سباق التسلح

ومن حظوظ الصين.. وربما من ذكاء قادتها وخاصة بعد حقبة زعيمها المؤسس «ماوتسي تونغ»، أنها وعت درس سباق الأسلحة فلم تبادر منذ ولاية خليفته «دنغ ساو بنغ» إلى التورط في غماره.. بل اختارت صين ــ ما بعد «ماو» وربما حتى ختام القرن العشرين، أن تركز على عنصر البناء والتطوير الاقتصادي وبعدها باتت تملك ترف التحديث العسكري كما يسميه محللو الغرب الذين يطلقون على نهج بكين في هذا الخصوص الوصف التالي:

٪٪ .

.. ( 61 71 ).

 

التنافس وليس الصراع

إن أمام القطبين الأميركي والصيني مجالات شتى تتيح أمر التنافس.. بدل الصراع، وتيسر سبل التعاون أو التفاعل أو التواصل البناء بدل اشتعال العداوات بين الجانبين فذلك أمر يتحمل سلام العالم مغارمه ويتكبد تكاليفه الفادحة في التحليل الأخير.

أمام الطرفين مثلا مجموعة العشرين التي تضم العديد من الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الناهضة أو الاقتصادات الواعدة كما قد نسميها.

وثمة نصيحة تدلي بها في هذا السياق بالذات الباحثة «كاثرين نورتون» وهي أستاذة في جامعات استراليا التي تشارك الصين نفس الإطار والمصالح الاستراتيجية في جنوبي المحيط الهادي. والنصيحة تشير بدورها إلى المجالات الواسعة والحيوية التي يمكن أن تشهد تعاونا سلميا بين أميركا والصين.. وبما يعود بالنفع على سكان العالم بأسره.. ومن هذه المجالات ما يلي على سبيل المثال:

قضايا تغير المناخ الكوكبي.. جرائم القرصنة في عرض المحيط وفي أعالي البحار.. آفة الإرهاب الدولي.. جهود مكافحة الأوبئة ومحاربة الفقر والتصدي للكوارث الطبيعية.. والمجالات أكثر من أن تحصى. ولكن الإرادة السياسية هي الأساس.