من مزايا النهج الاتحادي (الفيدرالي) دعك من النهج الوحدوي (الاندماجي) ما يتمثل في عنصر التضامن والتساند والتكافل السياسي والاقتصادي بين الأطراف المعنية.
والأكيد أن وعت هذه البديهية في إدارة العلاقات الإقليمية (Regional) كما يسميها مصطلح الأمم المتحدة وهي أيضا العلاقات الجهوية حسب المصطلح الذي يعتمده أخوتنا في أصقاع المغرب العربي الكبير ــ وهي البديهية التي يعبر عنها المثل العربي المتواتر بأن «الاتحاد قوة».
وبعيدا عن التجارب الموغلة في أسفار الماضي.. يكفي أن نشير إلى أن العصر الحديث شهد أهم تجربة في الوحدة الفيدرالية تمثلت في قيام دولة كبرى في العالم الجديد غربي المحيط الأطلسي حملت اسمها المعروف:
الولايات المتحدة الأميركية التي خرجت إلى الوجود في عام 1776 وظلت توسع رقعتها وتزيد في عضويتها من خلال ضم ولايات مستجدة أضافتها إلى هذه التجربة الفيدرالية سواء جاء هذا الضم بصفقات البيع والشراء (ولاية لويزيانا مثلا) أو من خلال الصراع العسكري (ولاية تكساس مثلا..).
ولأن الحرب العالمية الأولى جاءت لتشهد سقوط وزوال إمبراطوريات كبرى كانت تمثل في التحليل الأخير كيانات اتحادية بصورة أو بأخرى، وخاصة على صعيد القارة الأوروبية مثل إمبراطورية النمسا ــ المجر، وإمبراطورية القياصرة الروس، أو إمبراطورية غليوم في بروسيا ــ ألمانيا الحديثة.
أو إمبراطورية آل عثمان الأتراك في اسطنبول ــ فقد كان مهما، إن لم يكن بديهيا، أن تظل فكرة التوحد والتدامج والتآلف والتكامل أقرب إلى الهاجس السياسي الذي يدفع رجال الدولة إلى التماس سبيل في أوروبا بالذات يفضي إلى تجسيد وتفعيل الحلم الذي طالما ظل يراود قادتها منذ أربعينات القرن العشرين.. وهذا الحلم هو:
بناء الوحدة
والحق أن أوروبا ليست بجديدة عن مثل هذه الأحلام، التي استطاع القوم ــ والشهادة لله ــ أن يترجموها إلى واقع حقيقي ملموس وخاصة في سنوات النصف الثاني من القرن التاسع عشر،.
حين جهدوا وناضلوا في تحويل ألمانيا من دوقيات ودويلات إقطاعية متناثرة ومشتتة إلى حيث أصبحت دولة الوحدة الألمانية التي تعمقت وشائج كيانها في وحدة الثقافة الجرمانية التي عبرت عنها بالذات اللغة الألمانية على نحو ما نادى به فلاسفة الألمان الكبار من أمثال هيردر (1744-1803) وفخته (1762-1814).
الذين كانت أفكارهم وطروحاتهم التنظيرية بانتظار رجل الدولة المقتدر الذي استطاع أن يجسد هذه التنظيرات والدعوات الفكرية إلى كيان سياسي عملاق هو دولة ألمانيا الموحدة وكان اسمه بسمارك (1815-1898).
كان ذلك في سنوات الثلث الأخير من القرن ,19. وهي نفس الحقبة التي قاد فيها غاريبالدي (1707-1882) قواته العسكرية واستطاع بدوره أن يحقق الوحدة الإيطالية مستلهما في ذلك أفكار سياسي إيطالي بارع اسمه كافور (1810-8611)
الحربان العالميتان
ومن مفارقات الزمن إن لم نقل من تناقضات التاريخ أن أوروبا التي خاضت صراعاتها الدموية الطاحنة خلال الحربين العالميتين (1914 و1939) خرجت من أتون هذا الصراع العسكري الرهيب.. كي تستشرف آفاق عالم جديد مع فاتح عقد الخمسينات من القرن الماضي.
وفيما ظل يراود ساستها وزعاماتها أن تنسى الشعوب كوابيس هذا الماضي الصراعي المتوتر والملطخ بالدماء كي ترسم طريقا واعدا وجديدا تدرج عليه مسيرة أوروبا في تلك الفترة المفصلية من منتصف القرن الماضي: كانت المسيرة طويلة وبالغة الإجهاد لكنها كانت مسيرة الميل التي كان لا بد وأن تبدأ بخطوة الاستهلال.
وجاءت الخطوة متمثلة في إعلان صادر عن الخارجية الفرنسية يدعو إلى حشد الجهود من جانب كل الأطراف المعنية بوحدة أوروبا من أجل اتخاذ الخطوات الكفيلة بالوصول إلى هذا المشروع ــ الحلم الذي بدا مع فاتح الخمسينات أمرا بعيد المنال بكل مقياس.
ومن عجب أن يكون أول وأهم طرفين من دعاة حلم التوحيد الأوروبي هما فرنسا وألمانيا. ويتجلى هذا العجب في حقيقة أن كان الطرفان هما ألدّ الأعداء وأشرس الخصوم في صراع أخر حرب عالمية ضروس دارت رحاها كما هو معروف بين عامي 1949 و1945.
ويكفي للتذكرة القول بأن عام 1940 بالذات شهد زحف جيوش ألمانيا النازية إلى حيث اجتاحت منطقة الصراع التاريخي بين البلدين في الألزاس واللورين ومن ثم شقت جيوش ألمانيا طريقها سالكة ومباشرة إلى حيث احتلت باريس،.
وبحيث أتيح للزعيم الألماني أدولف هتلر أن يقوم بزيارة تاريخية وقتها يتجول فيها في ساحات العاصمة الفرنسية ويتفقد فيها أبرز معالمها التاريخية وفي مقدمتها بطبيعة الحال برج إيفل الشهير.
لغة المصالح
ولأن لغة المصالح هي الأولى بالاهتمام.. فقد قامت دعوة التوحد الأوروبي على أكتاف كل من برلين وباريس.. ولكنها لم تقم على أساس شعارات زاعقة ولا مهرجانات حافلة بالحماس أو أهازيج الطبل والزمر ولا طرحت أجندات فورية تلهب مشاعر الجماهير وتعد الناس بالأمنيات المزوقة العِذاب.
؟ بالعكس.. وهذا درس مستفاد فيما نرجو لقومنا من بني العروبة في المشرق والمغرب على السواء. لقد بدأت مسيرة الوحدة الأوروبية بخطوات أقل من متواضعة وأهدأ من صخب الكرنفالات. بدأت برابطة الفحم والحديد في أواخر الخمسينات وتطورت إلى كيان حمل اسم السوق الأوروبية المشتركة عند منتصف عقد الستينات.
وكان في ذلك إيذان بأن القوم قد تنبهوا بشكل موضوعي إلى أن كيان الوحدة الأوروبية المنشودة لا بد وأن يقوم على أساس ركائز اقتصادية ومهارات مادية بمعنى أمور تلمسها وتعايشها الجماهير البسيطة بما في دول السوق المشتركة.
وهي الجماهير التي تمثل في الأساس القاعدة الشعبية التي لا بد وأن يستند إليها نجاح (أو فشل) الدعوة السياسية ــ الوحدوية أو الاتحادية، فيما تمثل هذه الجماهير أيضا الدرع الواقي ضد أي انتكاسة تصيب التجربة وهي تجربة إنسانية في الأساس بمعنى أنها تخضع منطقيا للاجتهاد السياسي الذي يحتمل الخطأ والصواب.
من السوق إلى الجماعة
وعندما بلغت السوق الأوروبية المشتركة سن الرشد كما قد نقول، وهو في تصورنا أيضا سن تحقيق المصالح للأطراف المشاركة فيها.. كان منطقيا كذلك أن نتحول إلى حيث الخطوة الأكثر رشدا ونضوجا. وجاءت الخطوة لتحمل العنوان التالي: الجماعة الأوروبية .
ظهرت الجماعة إلى الوجود تحمل هذا الاسم فيما كانت الحرب الباردة بين الكيانين الكبيرين في المعسكر الغربي بقيادة أميركا الرأسمالية قد بلغت ذروة صعودها وبدأ خطها البياني يؤذن بالهبوط إلى لحظة الانكسار التي حانت بالضبط مع انهيار الجدار الفاصل في العاصمة الألمانية برلين في عام 1989.
هكذا دخلت الجماعة الأوروبية عقد التسعينات وهي تتحفز لتحويل التجربة إلى حيث الوصول بها لبلوغ الهدف الأسمى المنشود وهو «الهدف الوحدوي أو الاتحادي بطبيعة الحال. وهكذا شهد العقد التسعيني المذكور إعلان الكيان الجديد الذي جاء ليجسد قدرة أوروبا ويؤكد ثقتها في نفسها وقدرتها المستقاة من دورها الريادي بحق الذي ظلت أوروبا تضطلع به في تاريخ التطور البشري على اختلاف أحقابه وتباين مراحله،.
وخاصة منذ عصر النهضة (الرينيسانس) الذي استطاعت أوروبا في سياقه وما بعده ــ أن تهدي لعالمها كيانات محدثة ومتجددة وجوهرية ليس أقلها مثلا فكرة الدولة المدنية الحديثة ومبدأ العقد الاجتماعي الذي نادى به جان جاك روسو خلال مرحلة التبشير بالثورة الفرنسية الكبرى (14 يوليو عام 1789) هذا فضلا عن الثورة الصناعية واكتشاف موارد الطاقة الحديثة وتجارب التحوّل الديمقراطي بما انطوت عليه.
كما أصبح معروفا من مبادئ أساسية ما بين مبدأ لا ضرائب بلا تمثيل أو مبدأ الشورى البرلمانية أو مبدأ المساواة في المواطنة أمام القانون.. المهم أن شهد العقد الأخير من القرن الماضي تفعيل معاهدة «ماستريخت» وبموجبها قام كيان الاتحاد الأوروبي بالشكل الذي يعرفه عالمنا في هذه الأيام.
ومرة أخرى، وما زال الدرس المستفاد ماثلا أو ينبغي أن يكون أمام سائر شعوب العالم ــ الثالث على وجه الخصوص: وهذا الدرس يفيد في بلاغة حاسمة بأن تجربة الاتحاد الأوروبي لم تقم على أساس مهرجانات حافلة.
ولا شعارات براقة ولا اجتماعات قمة ضمت الزعامات والقيادات وأسفرت عن بيانات وعدت عباد الله البسطاء بالمنّ والسلوى كما قد نقول، دون أن تحتوي آلية عمل تؤدي إلى النزول بهذه الوعود من سموات الحلم إلى أرض الواقع المعاش بكل مشاكله وأبعاده وتعقيداته.
مؤسسات الوحدة
لقد استند الاتحاد الأوروبي إلى قيام برلمان أوروبي موّحد، وإلى وجود مفوضية (بمعنى آلية إدارية) موحدة وإلى محكمة عدل أوروبية موحدة وإلى بنك مركزي أوروبي فضلا عن دوائر اتحادية أو موحدة،.
منها بالذات ما يتعلق بالشئون الخارجية ويتعامل مع العلاقات الدولية التي تربط ما بين دول الاتحاد ككل وبين سائر الكيانات السياسية في شرق عالمنا وفي غربه على السواء.
هذه أفكار كان ولا بد وأن تراود الذاكرة السياسية في الأيام القليلة الماضية ونحن نطالع ونتابع أبعاد تعامل الاتحاد الأوروبي مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة في البرتغال، وهي من أفقر اقتصادات الاتحاد الأوروبي.
وقد بادر الكيان الاتحادي الأوروبي إلى مد يد العون إلى لشبونة التي كانت حكومتها قد انتظرت طويلا قبل أن تنحني أمام عواصف الأزمة الاقتصادية وتطلب المساعدة من أطراف الاتحاد.. تماما كما سبق للاتحاد الأوروبي إلى مد يد العون من أجل انتشار الاقتصاد اليوناني من عثراته التي تسببت فيها أزمة تراكم،.
بل تفاقم المديونية التي ظلت أثينا ترزح تحت وطأتها، وبما يحول دون الإنفاق المطلوب على بنود حيوية في الميزانية القومية لليونان. وهكذا فعل الاتحاد الأوروبي أيضا مع اقتصادات مستضعفة أمام أعاصير الأزمة المالية التي ما زالت تمسك بخناق كثير من أطراف عالمنا ومنها مثلا الاقتصاد الأيرلندي.
والأهم من هذا كله أن يتم هذا العون أو أن يُلقى القوم بطوق الانتشال أو الإنقاذ لا من باب البر والإحسان ولكن من منطلق شراكة المصير وتكافل الأطراف وحسن إدارة كيانات أصبحت من الأهمية بمكان بالنسبة لاستقرار النظم ومستقبل الدول ومصالح الشعوب اسمها كيانات الوحدة أو كيانات الاتحاد.
أوروبا من الصراع إلى الوحدة
تكررت المحاولات في تاريخ القارة الأوروبية لتوحيد أمم أوروبا، فمنذ انهيار الإمبراطورية الرومانية التي كانت تمتد حول البحر الأبيض المتوسط، مروراً بإمبراطورية شارلمان الفرنكية ثم الإمبراطورية الرومانية المقدسة اللتين وحدتا مساحات شاسعة تحت إدارة فضفاضة لمئات السنين، قبل ظهور الدولة القومية الحديثة.
وفيما بعد حدثت محاولات لتوحيد أوروبا لكنها لم تتعد الطابع الشكلي والمرحلي، منها محاولة نابليون في القرن التاسع عشر، والأخرى في أربعينات القرن العشرين على يد هتلر، وهما تجربتان لم تتمكنا من الاستمرار إلا لفترات قصيرة وانتقالية..
بوجود مجموعة من اللغات والثقافات الأوروبية المتباينة، اشتملت هذه السيطرات على الإخضاع العسكري للأمم الرافضة، مما أدى إلى غياب الاستقرار وبالتالي كان مصيرها الفشل في النهاية.
واحدة من أول أفكار التوحيد السلمي من خلال التعاون والمساواة في العضوية قدمها المفكر السلمي فيكتور هيوجو عام 1851 دون أن تحظى بفرصة جادة في التطبيق. وبعد كوارث الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ازدادت بشدّة ضرورات تأسيس ما عرف .
فيما بعد باسم الإتحاد الأوروبي. مدفوعا بالرغبة في إعادة بناء أوروبا ومن أجل القضاء على احتمال وقوع حرب شاملة أخرى. أدى هذا الشعور في النهاية إلى تشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951 على يد كل من ألمانيا (الغربية)، فرنسا، إيطاليا ودول بينيلوكس (قمَمٌٍِّّ) (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ). أول وحدة جمركية عرفت بالأصل باسم المؤسسة الاقتصادية الأوروبية (ُِِّْ كٍَُُىك ٍٍَُِّىُّ؟)، وتسمى في المملكة المتح
