مع سنوات العقدين الأخيرين من القرن الماضي، ظل مصطلح العولمة (glaobalization) يشق طريقه في أدبيات السياسة والاقتصاد على الصعيد الدولي.. صحيح أن كان المصطلح جديدا على الأسماع والأفهام.. والأصح أنه أثار لغطا طويلا وجدلا مثيرا، ابتداء من محاولة ترجمته ومن ثم إدراجه في قاعدة البيانات المعتمدة من جانب منظومة الأمم المتحدة.

وليس انتهاء بمن صكوا له ترجمات عربية أخرى منها مثلا مصطلح «الكوكبة» على نحو ما اقترحه أستاذ بارز من مصر العربية هو المفكر الاقتصادي الراحل إسماعيل صبري عبدالله، لكن «العولمة» من حيث كونها ظاهرة تطورية ومصطلحا شاملا ما لبثت أن استقرت في أدبيات التعامل السياسي والاقتصادي على الصعيد الدولي وخاصة بعد أن راج استخدامها من جانب منظمات «بريتون وودز» الثلاث وهي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسة المالية الدولية.

 

موضة شائعة

ونكاد نقول إن «العولمة» كادت تصبح «موضة» شائعة وخاصة على مستوى أقطار العالم الثالث وكأنما أضحت مرادفة لمفاهيم الأخذ بأسباب التقدم المعاصرة أو إتباع المناهج التي من شأنها تحديث البنى الاقتصادية على صعيد تلك البلدان.

ولقد بلغ الأمر مداه حين ارتفعت دعوات في جنبات شتى من عالمنا ؟ وبالذات في القارات النامية الثلاث ومنها ما ظل يردد بغير توان أو انقطاع دعوات وشعارات من قبيل: أن العولمة هي أقرب إلى قطار سريع يحمل فوق متنه قوى التقدم والرخاء وإرهاصات النجاح والازدهار.

والمطلوب هو أن يسارع الفرقاء المعنيون في شمال العالم وجنوبه إلى اللحاق باكسبريس العولمة الذي ينهب المسافات نهبا عبر المكان والزمان، حتى ولو كان هذا اللحاق من آخر عربات هذا القطار العولمي، هذا وإلا فاتكم القطار العجيب وحقت عليكم لعنة العزلة الدولية والوحشة الكوكبية، إلى آخر ما كان يصدر مع مغيب قرن مضى ومطالع قرن جديد من دعوات وتحذيرات.

 

العصا السحرية

يومها أيضا أصدر أستاذ الاقتصاد الأميركي «جوزيف ستجلتز» الفائز بجائزة نوبل العالمية في الاقتصاد كتابه التبشيري في عام ‬2008 بعنوانه الشهير:»كيف تنجح العولمة».

مع هذا كله، وفي غمار هذه التبشيرات والوعود وخاصة تلك التي تم توجيهها إلى الأقطار والشعوب النامية في جنوب العالم، فقد جاء الوقت الذي أدركت فيه تلك الأقطار والشعوب أن إتباع نهج العولمة باعتباره العصا السحرية للتقدم أو «الوصفة» الاقتصادية، الاجتماعية الشافية من كل أدواء التخلف الاقتصادي بكل ما ينطوي عليه من أدواء اجتماعية كان في مقدمتها ازدياد أعداد الفقراء وتفاقم آفة الظلم الاجتماعي وانهيار منظومات التعليم والثقافة..

كل هذا لم يجد شفاء ولا حتى علاجا من خلال الوصفة العولمية إياها، وقد كانت تقضي بشكل عام بأمور اتضح فيما بعد بأنها لابد وأن تظل محل نظر أو موضعا للأخذ والرد والحوار بين الفرقاء من أصحاب المصلحة الذين تجسدهم أساسا أوسع القواعد الشعبية وأشدها حرمانا ومعاناة.

 

حرية السوق

ولعل من أخطر دعاوى «العولمة» على مدار سنوات العقد الزمني السابق تلك التي شددت، باسم إطلاق حرية السوق، على تحجيم دور «الدولة» وربما استبعاد مسؤوليتها عن ترشيد الأداء الاقتصادي داخل المجتمع الذي تتولى الدولة إدارة مرافقه والسهر على مصالحه.

والحق أن جانبا لا يستهان به من هذه الدعوة إلى تحجيم الدولة جاء بمثابة رد فعل مباشر لهزيمة الصيغة الاشتراكية، التي كانت الدولة هي المهيمن الرئيسي فيها على كل مقاليد الاقتصاد على نحو ما ظلت تشهده منظومة المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي على مدار سنوات الحرب الباردة، أي منذ أواخر الأربعينات إلى بداية التسعينات من القرن العشرين.

والحق أيضا أن سقطت المنظومة الاشتراكية إياها.. واكتملت هزيمتها ـــ كما هو معروف ـــ بانهيار ومن ثم زوال الاتحاد السوفيتي ذاته من فوق خارطة العالم، وبديهي أن الويل للمهزوم في كل حال.

هنالك تختلط الأوراق، ولا يتورع الخصوم عن كسب التأييد للصيغ المقابلة أو المناظرة أو المنافسة وهي الصيغ التي ترفع عقائرها في بعض الأحيان بشعارات تتساءل أحيانا:

ما للدولة والتدخل في النشاط الاقتصادي؟

أو تقول في أحيان أخرى: إن النهج الرأسمالي هو الأصوب والأوْلى بالإتباع.

أو تقول في أحيان ثالثة: الاستثمار الرأسمالي لا يعرف جنسية بعينها ولا انساقا ثقافية بذاتها.. ومن ثم فلا محل للحديث عن دور للدولة أو عن انتماء للقومية بعد أن دخل العالم، يا لحسن الحظ، في بوتقة جديدة رائعة تحمل اسمها الخلاب وهو: العولمة.

مع هذا كله، وكأنما كانوا يسبحون ضد تيار عاتٍ - فقد شهدت سنوات منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين مفكرين وعلماء واختصاصيين لم يترددوا في أن يرفعوا عقائرهم بالتنبيه والتحذير يقولون: هونوا عليكم، وخففوا من غلواء المبالغة في تكريس العولمة.. التي لا تعدو في جوهرها أن تكون ظاهرة مرحلية يجتازها التطور الاقتصادي في عالم ما بعد الحرب الباردة، أو أن تكون شعبة من شُعب الاجتهاد العلمي على مستوى التنظيم أو على صعيد التطبيق وبمعنى أن تنطوي موضوعيا وبالضرورة على جوانب من الصحة والخطأ.. السلب والإيجاب فلا محل لتكريسها كي تتحول الى ما يشبه العقيدة الدينية أو النظرية الفكرية الحتمية التي لا ترقى إليها الشكوك ومن ثم فلا يجوز أن تخضع لمنطق النقاش دعك بمنطق الدحض أو التفنيد.

 

مفكر كندي

بمعنى آخر.. فإن العولمة لا تعدو أن تكون في التحليل الأخير «نظرية اقتصادية تجريبية (ولكن) طرحوها علينا بوصفها حقيقة داروينية لا ترقى إليها الشكوك.. وهاهم «أنبياء العولمة» الذين ظلوا يرددون دعوة الخصخصة ولا شئ غير الخصخصة وقد باتوا الآن يدركون أنهم كانوا على خطأ.. وثمة دول قوية الشكيمة مثل الهند والبرازيل أصبحت ترفض التسليم بحكمة اقتصاديات العولمة».

تلك هي الآراء والأفكار التي اقتبسناها من الكتاب المهم الذي أصدره في عام ‬2007 المفكر الاقتصادي الكندي «جون رالستون سول» منددا بطرح العولمة، لا بوصفها رؤية اجتهادية، بشرية بالطبع، إزاء المشكل الاقتصادي، الاجتماعي في عالمنا ولكن في صورة أقرب إلى النظرية الحتمية.. خاضعة لمنطق النشوء والارتقاء الدارويني من جهة.. بل تكاد تقرب في صيغتها الحتمية من شكل «الديانة» الاقتصادية التي لا ينبغي أن تخضع لجدل النقاش أو التفنيد من جهة أخرى.

 

مهاتير في ماليزيا

من هنا فقد ظل البروفيسور «سول» يتابع طرح وتطور ومآل مقولات العولمة على مدار سنوات قليلة مضت رافضا بالذات دعوتها إلى تهميش دور الدولة إلى حد النفي والاستبعاد من متابعة النشاط الاقتصادي، هذا فضلا عن نبذ وإقصاء الانتماء القومي للأفراد والشعوب لصالح الانتماء الكوكبي، العولمي إن شئت وهو ما انطوى على الإصغاء المستمر لوصفات صندوق النقد والبنك الدولي. ولشعارات اجتماعات دافوس الموسمية.. وكأنها موئل الحل السعيد لمشاكل الدول..

وهو ما رفضه بالذات، على ما أوضحه المفكر الاقتصادي الكندي المذكور، زعيم آسيوي مسلم هو «مهاتير محمد».. حين سبح بدوره ضد كل هذا التيار العولمي الناجح فكان أن أكد دور الدولة الماليزية في تفعيل وترشيد حركة الاقتصاد ولم يكن لينساق وراء تيار الخصخصة الجامح بغير روية اللهم إلا الانصياع لنصائح ظلت تعزف تنويعات على لحن العولمة الشهير.. وفي هذا السياق حرص المفكر الكندي على أن يسجل آراء الزعيم المسلم الذي رفض وصاية العولمة قائلا: أيها السادة.. دعونا نتعلم من أخطائنا.

والحاصل أن البروفيسور «راؤول سول» سجل هذه الآراء والاجتهادات في كتابه الصادر عام ‬2007 بعنوانه الذاتي الدلالة وهو: انهيار العولمة.. وإعادة اختراع العالم.

ويسجل لمؤلف الكتاب المذكور (صدرت ترجمته عام ‬2009 بقلم كاتب هذه السطور). أنه تنبأ عبر فصوله السبعة والعشرين باحتمالات وقوع أزمة اقتصادية تحيق بالعالم.. بل وتوقف مليا، ومن منظور التحليل العلمي والرؤية الاستشرافية والموضوعية - محذرا من الدور الذي كانت تلعبه.

وما برحت في تصورنا تلعبه، الاحتكارات المالية والشركات عبر الوطنية والمؤسسات والمصالح المتعددة الجنسيات وكلها ظلت تعمل بغير هوادة على أن تحل محل الحكومات وبحيث تصبح مقاليد الأمور لا بيد أهل السياسة وممثلي الشعوب بقدر ما يعهد بها إلى أيادي التكنوقراط وهم فئة الفنيين الذين لا يصغون إلا لصوت التخصصات التقنية بعيدا عن زخم الواقع الحي بكل ما قد يموج به من آلام الناس وأوجاع الطبقات الفقيرة ومعاناة جماهير المحرومين والمستضعفين.

 

انفلات وول ستريت

وليس صدفة أن يسهب كتاب «انهيار العولمة» في الحديث عن دور المديرين التنفيذيين، رؤساء مجالس الإدارات ومن في حكمهم من قيادات.. ثم تقع الأزمة الاقتصادية.. وبعدها يكاد ينعقد إجماع المحللين في أميركا ومن خارجها على أن أول عقابيلها الكارثية جاء منذ خريف عام ‬2008 بسبب السلوكيات الطامعة والجامحة وغير المسؤولة من جانب من أطلقوا عليهم الوصف المبسط التالي: مديرو «وول ستريت».

ومازال هذا الوصف أو العنوان يشير إلى أنماط السلوكيات الرعناء المنفلتة بمعنى غير المسؤولة وقد اتبعتها قيادات وول ستريت بمعنى دوائر المال والاستثمار والمصارف والأعمال التجارية في الولايات المتحدة ومن ثم الى خارج حدودها، إزاء منح القروض، العقارية بالذات، بغير ضمانات وفي إطار من التوسع المنفلت من معايير التدقيق والمحاسبة والانضباط.

ورغم ما أصبح معروفا على مدار السنتين الماضيتين وبالذات منذ تسلمّ إدارة أوباما مقاليد الأمور في واشنطن، من تهيئة أطواق الإنقاذ وتقديم حزم التحفيز بعشرات.. مئات المليارات من الدولارات إلا أن «أوراق الشاي» لا تبشر بخير على مدار عام ‬2011 الحالي على نحو ما يعبر المحلل الاقتصادي «زاني منتون بيدوز» الذي استخدم مصطلح أوراق الشاي تعبيرا عن آفاق التوقعات التي تحملها الفترة القريبة القادمة من عامنا الراهن..

وحيث يلاحظ المحلل المذكور في دراسته المنشورة في كتاب «الايكونومست» الخاص الصادر بشأن آفاق عام ‬2011 إن الأمر مازال بيد الحكومات (وليس دوائر الخصخصة وما في حكمها) كي ترسم مسارا له مصداقيته لخفض أوجه العجز في الموازنات القومية وحيث تواجه الغرب وأميركا بالذات منافسة ستظل مستعرة ومتواصلة الشراسة من جانب الصين التي ظلت الدولة تضطلع على صعيدها بدور محوري في توجيه دفة النشاط الاقتصادي وبما أدى إلى تجنيب مجتمعها أهواء الأفراد وسطوة الاحتكارات في الداخل أو الخارج على السواء.

على الضفة المقابلة من هذه القضية تكمن المقولة الأخرى التي تتعلق بجانب جوهري من جوانب خطاب العولمة كما قد نسميه. وهذا الجانب هو: إذا كانت العولمة في حال من الانحسار أو فلنقل التراجع.. فما هي النتائج الجيوسياسية المترتبة على هذه الظاهرة.. وتحديدا ما هي الدروس المستفادة من تجربة شعوبنا وأقطارنا مع ظاهرة العولمة، عبر حالات الانتشار والازدهار ثم الانحسار.هذا هو موضوع الجزء الثاني، الأخير المتمم لهذا المبحث إن شاء الله.

 

سياسة السوق بين القطاعين العام والخاص

 

بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها وتم إحراز قصب السبق للمعسكر الغربي على المعسكر الشرقي، ثم بعد تصدع وزوال الاتحاد السوفيتي مع مطلع عقد التسعينات من القرن العشرين تجلت «العولمة» بوصفها ظاهرة ودعوة من جهة وكذلك بوصفها حلا شافيا إن لم يكن سحريا لمشاكل العالم الاقتصادية فضلا عن طرحها من جهة ثالثة على أنها علامة دالة على الآفاق المبشرة بالحداثة ونجاح الخطط الإنمائية، إن لم يكن تحقيق الازدهار مع حلول القرن الواحد والعشرين.

ولقد بلغ التحمس لدعوة وظاهرة العولمة الحد الذي بلغ مبلغ التكريس والحتمية وهو ما ظل موضعا للترويج المستمر وخاصة مع انعقاد منتدى «دافوس» الشهير في كل عام في سويسرا حيث ظل المشاركون يواصلون دعوتهم إلى إطلاق كل العنان لحرية التجارة وإزالة الحواجز التي تحول دون التبادل التجاري بين أطراف المعمورة بعيدا عن دور الدولة ومسؤوليتها في ترشيد النشاط والعلاقات الاقتصادية فضلا عن تأكيد دور وسطوة الشركات عبر الوطنية والاحتكارات الدولية والمؤسسات المتعددة الجنسيات

ومن يقوم على أمرها من مديرين ورؤساء مجالس إدارات، وذلك على حساب الانتماءات القومية للأفراد والطبقات والشعوب.. وهو ما انضوى في مجمله تحت لواء «العولمة». لكن جاءت الأزمة الاقتصادية منذ خريف عام ‬2008 بمثابة تفنيد لدعاوى الانسياق وراء شعار العولمة بما يؤدي إلى إقصاء الدولة والانسحاب من الانتماءات الوطنية والقومية والانسياق وراء الانفلات تحت شعارات حرية التجارة والاقتصاد وهو ما أسلم إلى الأزمة المستحكمة التي مازال العالم يواجهها.

تعتمد العولمة بأفكارها على آلية السوق ومبدأ الانفتاح الاقتصادي وحيادية الدولة وعدم تدخلها في الحياة الاقتصادية وانسحابها ليحل محلها القطاع الخاص .

هنالك عدد من الآليات التي من خلالها تم ويتم نشر أفكار ومبادئ العولمة والتي أهمها إنهاء دور الدولة في الحياة الاقتصادية، إن هذه الآليات بمؤسستي بريتون وودز وهما الصندوق والبنك الدوليين كذلك منظمة التجارة العالمية والشركات المتعددة الجنسية والتي عن طريقها (وصفاتها وبنودها واحتياجاتها) تم تعميق فكرة انحياز الدولة ونشرها دوليا.

هنالك وجهات نظر مختلفة حول مدى فاعلية القطاع العام (مؤسسات الدولة ) والقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي إذ أن هنالك من يؤيد عمل القطاع العام وما له من منافع اجتماعية وهنالك من ينتقد هذا القطاع ويلقي الثناء على القطاع الخاص لما فيه من مزايا وايجابيات عديدة أن هذه الآراء تعكس مدى قبول فلسفة آلية السوق كنظام اقتصادي أو رفضها.

هنالك بعض الأمور تعد من مهام الدولة وليس من مهام القطاع الخاص وخصوصاً في البلدان النامية بسبب ضعف اقتصادياتها الوطنية كحماية منتجاتها المحلية الناشئة وحماية أسواقها من ظاهرة الإغراق وتعزيز الكفاءة الإنتاجية وتحقيق العدالة وتوفير الخدمات الأساسية والبنى التحتية .

إن إتباع مبادئ العولمة ومنها نظام السوق في البلدان النامية عموماً بدون دراسة ونهج متبع سيؤدي إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية جمة مع انسحاب دور الدولة من الحياة الاقتصادية .

توجد هنالك العديد من النماذج للتحول من النظام المركزي إلى نظام السوق يمكن الاستعانة بها وتطبيقها بعد أن يتم دراستها واحتياجاتها والشروط الواجب توفرها لإنجاح عملية تطبيق احد وانسب هذه النماذج .