كتاب بعنوان «كفى: لماذا يتضور فقراء العالم جوعا ونحن في عصر الوفرة؟»، عكف على تأليفه اثنان من المفكرين الأميركيين المهتمين بأمر الزراعة وبأبعاد حاضرها وآفاق مستقبلها. وهما «سكوت كيلمان» وزميله «روجر ثورو».
يعمل البروفيسور «ثورو» كبيراً للباحثين في مجال سياسات الأغذية والزراعة في مجلس شيكاغو المعني بالشؤون العالمية. وعلى خلاف الكثيرين من أقرانه فهو ينطلق في نظره إلى القضية من موقف واعد وإن لم يكن موقفا متفائلا بأن العالم يستطيع أن يوفر الأقوات الضرورية، لجموع البلايين الستة ويزيد من سكان الكوكب. وفي هذا السياق نلاحظ أن الرجل يضع عينه بالدرجة الأولى على واحدة بعينها من قارات عالمنا. إنها القارة السمراء. إنه يرى أن إفريقيا هي قارة الوعد بحل مشاكل الغذاء، ومن هنا يطلق عليها ببساطة الوصف التالي: القارة الخصيبة هي سلة غذاء العالم غداً. وهو عنوان الدراسة التي نشرها «روجر ثورو» في واحد من أحدث أعداد مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز)
مبادرات صينية
ونضيف أن ثمة دولة كبرى في العالم.. سبقت إلى إدراك حقيقة الإمكانات الزراعية بالذات التي تحفل بها إفريقيا: نقصد الصين بالذات التي أدركت مبكرا ما قد يواجهها من أزمة داخلية في مجال الأغذية والحبوب بالذات في غمار التحولات الطبقية والسلوكية التي تطرأ حالياً على مجتمع الصين، الذي تتغير معالمه بفعل ما قطعته الصين من أشواط التقدم في مضمار الصناعة والإنتاج والتكنولوجيا، وهو ما أدى ويؤدي إلى نشوء طبقة وسطى تتطلع إلى تغيير أنماط استهلاكها في مجالات المسكن والمواصلات والغذاء والكساء والترفيه على السواء.
هي طبقة بورجوازية مستجدة على حياة المجتمع الصيني تطمح إلى امتلاك الشقة المؤثثة في رفاهية، والسيارة الخاصة الفاخرة (بعد زمن الدراجات الهوائية البسيطة) والبدلة البالغة الأنيقة (بعد حلة ماوتسي تونغ القريبة إلى ملابس عمال المصانع) وربما الفيلا ذات الحديقة وارتياد المنتجعات الفخمة وقبل هذا كله تنويع أصناف وأطباق الطعام التي تتطلب بالضرورة توافر العديد من نوعيات الخضر والفواكه والحبوب الغذائية من كل الأصناف.
هنالك يممّت الصين شطر إفريقيا.. حيث تفيد أحدث المعلومات بأنها أنشأت مشاريع بالغة الضخامة من أجل استزراع مساحات شاسعة من الأراضي الإفريقية في إطار مشاريع مشتركة مع حكومات إفريقيا ومواطنيها.
العالم عام 2050
يبد أن المسألة لا تقتصر على مجرد ارتفاع مستوى المعيشة في الصين ومن ثم زيادة احتياجاتها من ناحية القيمة أو الكيف وحسب: أن العلماء الجادين مهمومون بالمستقبل القريب لسكان كوكبنا وهو مستقبل يشمل السنوات الأربعين المقبلة من الآن وحتى منتصف القرن الحالي.
إن القراءة الخاطفة واللماحة أيضا في سفر هذا المستقبل تفيد بإحصائية بالغة البساطة والخطورة في آن معا وتقول بالتالي: في سنة 2050 من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى أكثر من 9 مليارات نسمة، وأن معظم هذه الزيادة سوف يشهدها كل من الصين والهند إضافة إلى عدد آخر من أقطار العالم التي تشهد بدورها حاليا ارتفاعات في مستويات المعيشة.
وعليه، فالعالم يحتاج إلى زيادة في الإنتاج الغذائي بنسبة تتراوح بين70 و100 في المائة بما يكفل مواكبة الاحتياجات الغذائية المتزايدة من ناحية، مع إطعام الفقراء ومن يكادون يتضورون جوعا في أماكن شتى في عالمنا من ناحية أخرى.
لهذه الأسباب بالذات باتت الأنظار تتجه نحو إفريقيا.. بوصفها أرض الأمل المرتجى لتحقيق هذه الأهداف أو بالأدق لتلبية هذه الاحتياجات المرتبطة أساسا بالحق في الحياة بوصفه الحق الأول والجوهري من حقوق الإنسان ولقد سبق للعالم أن حاول مواجهة أزمة الفقراء...وكان ذلك منذ 40 عاما وكان ذلك تحديدا في عام 1970 حين وقف رائد أميركي في عالم الزراعة والنبات اسمه «نورمان بورلوج» يخطب في احتفال تسلمه جائزة نوبل العالمية بوصفه كما قيل أيامها «رائدا للثورة الخضراء»
قال بورلوج: أيها السادة: إن الثورة الخضراء لم تحقق انتصارها بعد: إنها مازالت تسير بين مد وجزر. وقد تكون الآن (1970) في حالة تقدم ولكننا مهددون بحالة الخسارة إذا ما فترت همتنا وأصابتنا آفة الغرور وتراخت من ثم جهودنا في هذا السبيل.
الفرصة في أفريقيا
ومن جانبه يضيف البروفيسور روجر ثورو مع ذلك قائلا: وها نحن بعد 40 سنة من هذه الكلمات وقد بتنا نواجه خطر الجزر والانجاز كيف لا ولدينا واحد من كل سبعة من سكان عالمنا الراهن يعاني من الجوع الذي كان يخشاه «بورلوج» في سابق الأيام.
هذا هو بالضبط الوضع الذي دفع أمينا عاما سابقا للأمم المتحدة هو كوفي عنان إلى أن يعود إلى المطالبة بإعلان ثورة خضراء جادة ولازمة وجديدة في إفريقيا.
إن السيد عنان من أبناء إفريقيا (غانا) وقد جاءت مطالبته هذه في عام 2004 حيث انطوت دعوته على التخلي عن «وصفات» البنك الدولي التي كانت تحمل عنوان «التكيف الهيكلي» ولصالح التأكيد على دور الدولة ومسئوليتها إزاء ضخ أكبر كمية من الاستثمارات في مجال الزراعة.. مع الاستعداد لتقديم إعانات الدعم لصغار المزارعين وأصحاب المشاريع الزراعية تعزيزا لجهودهم وتعظيما لإنتاجهم من ناحية الكم والكيف على السواء.
في ضوء هذا كله تظل إفريقيا أرض الفرصة التي ما برحت سانحة لزيادة الإنتاجية الزراعية لصالح الجموع من سكان العالم. ومن عجب أن هذه الإمكانية ذاتها إنما تتأتي من حالة التخلف التي جعلت إفريقيا تتعثر خلف مسيرة التقدم في العالم ولدرجة يمكن أن يقال معها: أن هذا التخلف هو السبب في إبقاء الكثير من إمكاناتها غير مستغلة، والعديد من مواردها النباتية والزراعية متاحة لمشاريع الاستثمار النافع والرشيد.
الماء والأرض
وفيما ينطبق على ما سبق عرضه وصف الأساليب أو الآليات.. فإن إفريقيا لديها ما هو أثمن من ذلك بكثير: لديها كميات هائلة من الموارد المائية التي لم يتم استخدامها بعد على نحو رشيد أو سليم وكثير منها يلقى مصير التبدد أو التبخر أو الإهدار.
ولديها أيضا أكثر من نصف ما يملكه كوكب الأرض من الأراضي الصالحة للزراعة التي يمكن استغلالها بغير توان، وأيضا بغير أي أضرار لسائر عناصر الغطاء النباتي الذي وهبته الطبيعة لقارة إفريقيا..وخاصة أراضي الحشائش والأدغال وساحات الغابات، يضاف إلى هذا أيضا أن مزارعي إفريقيا لا يزالون يستخدمون سبلا ومواقع غاية في البدائية من أجل تخزين وحفظ محاصيلهم على اختلاف مواسم الحصاد والتصريف وهو ما يؤدي عمليا إلى انهيار جودة المخزون وتبدد نوعيته والعجز المطرد عن ترويجه على نحو مفيد على مستوى الأسواق.
من هنا يمكن أن نقول إن تطوير واستثمار إمكانات الزراعة في إفريقيا لا بد وأن يغدو شأنا أن لم يكن همّا ينشغل به سائر الفرقاء من مسئولين ومواطنين على مستوى العالم كله. ونتصور أن تكون البداية في يد مراكز البحوث الزراعية..فالمؤسسات العلمية المتخصصة في هذا المجال أحرزت نجاحات مشهودة مثلا حيث ساعدت على تحويل المساحات الشاسعة من حشائش السافانا في البرازيل إلى زراعة وإنتاج فول الصويا ومحاصيل الأرز والذرة عبر سنوات السبعينات والثمانينات من القرن العشرين.
العائد 770 ملياراً
يأتي بعد ذلك بداهة توظيف استثمارات لابد وأن تكون طائلة من حيث الحجم ومتواصلة وموثوقة من حيث الاستمرار.. وهي استثمارات سوف تكون مضمونة العائد في كل حال.
إن معهد «ماكنزي» المعني بالبحوث الدولية يؤكد أنه لو اندلعت شرارة الثورة الخضراء المرتجاة في قارة إفريقيا، فمن شأن الناتج الزراعي المتحصل من القارة السمراء ــ طبقا للمؤسسة العلمية المذكورة ــ أن تزيد قيمته من 270 مليار دولار في الوقت الحالي إلى أن يبلغ 770 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030 فما بالك إذن بما يمكن أن نصفه بأنه «القيمة المعنوية المضافة» لمثل هذه التوقعات الإيجابية المحسوبة، وتتمثل أساسا في نقل الملايين من أبناء إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى من حياة الشقاء والمسغبة والحرمان إلى مستوى حياتي يليق على نحو أو آخر بكرامة الكائن البشري.
والحاصل أن جمهرة المثقفين الأفارقة ومنهم من تعلّم في كبرى جامعات الغرب، ومنهم من شغل مواقع مرموقة في عدد من المنظمات الدولية. هذه النخبة من الانتيلجسيا الإفريقية بات أفرادها يرفضون استمرار تدفق المعونات إلى أقطار شتى من إفريقيا: إنهم يحذرون من حالة سلبية أطلقوا عليها الوصف التالي: مرض إدمان المعونة.
وبذلك فهم يطالبون بأن يدخل مقدمو المعونات في مشاريع مشتركة مع مواطني إفريقيا وأن تشارك المنظمات غير الحكومية الدولية في مخططات فعالة وبناءة وليس في مجرد المشاريع الخيرية القائمة على مبادرات البر والإحسان.
يريد الأفارقة أن يشاركوا وأن يتعلموا وأن يتلقوا الخبرة قبل المعونة المالية وأن يستخدموا البذور المحسنة بدلا من شيكات الدولارات التي قد تسد حاجة ولكن بشكل مؤقت وربما تدفع إلى سوء الاستغلال وخراب الذمم في بعض الأحيان.
صفوة القول يقول أهل الاختصاص: لا ينبغي أن يقتصر الأمر على إطعام أفواه جائعة..بل لابد أن تتعدى الجهود إلى تغذية المستقبل ذاته بمعنى توفير كل الإمكانات لتحويل إفريقيا إلى مصدر لتلبية الاحتياجات الغذائية لسكانها وللعالم على مدار سنوات وعقود في مستقبل الأيام.
أفريقيا .. أرض الشقاء والأمل
مع الارتفاع المتوقع لأسعار البترول في الأسواق العالمية، ومع تفاقم جهود الدول الصناعية المتقدمة خاصة أميركا من أجل إنتاج الإيثانول المستمد من مزروعات الذرة أساسا بوصفه بديلاً محتملاً عن البترول، يتوقع خبراء الأغذية والزراعة ومعهم المؤسسة المختصة بهذا المجال ضمن منظومة الأمم المتحدة أن تعاود أسعار الأغذية ارتفاعها فضلاً عن نشوب أزمة ما زالت قائمة أصلا وتجسدها أعداد غفيرة تبلغ نحو سبع سكان العالم وهي تعاني من الجوع وسوء التغذية. مع ذلك فما زالت القارة الإفريقية، كما تشير إلى ذلك دراسات رصينة ــ تشكل أملا مرتجى في تزويد العالم بإمكانات وافرة متجددة في مجال الأغذية والزراعة، خاصة وأن سكان عالمنا بسبيلهم إلى الزيادة كي يبلغوا حسب التوقعات العلمية أكثر من 9 مليارات إنسان بحلول منتصف القرن الحالي بيد أن الأمر يحتاج إلى جهود حثيثة ترمي إلى تطوير أحوال الزراعة في إفريقيا التي ما برحت تتمتع بموارد مائية غنية ولكنها مهدرة في أغلب الأحوال فضلا عن تمتعها بأراض شاسعة قابلة للزراعة وخاصة زراعة محاصيل الحبوب الغذائية حيث تضم إفريقيا نحوا من نصف الأراضي القابلة للزراعة على مستوى الكرة الأرضية بأسرها.
من هنا لابد وأن تبدأ الجهود المطلوبة بالدراسات العلمية المتخصصة وبتوفير الأموال التي يتم استثمارها في تطوير سبل الري والصرف واستخدام أحدث سلالات البذور المحسّنة المنتقاة بما يكفل مضاعفة الإنتاجية الزراعية فضلا عن تطوير آليات وأساليب التخزين والتسويق وتحويل المعونات المالية المقدمة لإفريقيا إلى مشاريع إنتاجية مشتركة لصالح سكانها ومصالح العالم كله.
مع اضطراب الأحوال الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة على الساحة العربية وهي ساحة بترولية بالدرجة الأولى. يسود نوع من التخوف المبرر والمفهوم إزاء ارتفاع أسعار البترول في أسواقه العالمية. ولما كانت الأسعار تتبع بداهة نظرية الأواني المستطرقة بمعنى انتقال الأثر من مجال إلى مجال آخر، فإن التخوف المبرر كان لابد وأن ينسحب بدوره كي يشمل ارتفاعا مرتقبا وخطيراً في أسعار الأغذية، ولاسيما أسعار الحبوب الغذائية.. وفي مقدمتها القمح والذرة، تلك التي يتم نقلها من مواقع زراعتها وإنتاجها إلى مواقع استيرادها واستهلاكها على متن سفن عملاقة ومعرضة بالتالي لزيادات في فواتير النقل البحري بسبب الارتفاع المرتقب في أسعار البترول. ما بالنا إذن بتزايد الاتجاه إلى التماس بدائل عن البترول ذاته من خلال محاولات توليد مادة الإيثانول من محاصيل نباتية يأتي في مقدمتها الذرة، وبحيث ستخرج مساحات شاسعة من عملية إنتاج هذا المحصول الأساسي للبشر، ولصالح تحويل استخدامه مصدرا لأنواع الوقود العضوي التي يريدون بها أن تنافس أنواع الوقود الأحفوري من نفط أو غاز على السواء.
كل هذه التطورات رصدتها وما برحت ترصدها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وأصدرت بسببها أكثر من بلاغ أو نداء تحذر فيه من مغبّة ارتفاع أسعار الأغذية وهو أمر يضيف بالدرجة الأولى لجوع الفقراء في العالم الذي نعيش فيه.
وبخلاف أركان واختصاصيي المنظمة الدولية المذكورة فإن نفس الهواجس والمخاوف مازالت تساور كوكبة العلماء والباحثين الذين تؤرقهم فكرة معاناة الفقراء من ناحية مع إيمانهم الموضوعي من ناحية أخرى بأن عالمنا مازال حافلاً بالموارد والإمكانات الثرية والحافلة والواعدة (الفقراء بين الحرمان والوفرة)، هذا التناقض في الأوضاع سبق وأن عبر عنه كتاب صدر منذ سنوات تحت العنوان اللافت التالي: كفى: لماذا يتضور فقراء العالم جوعا ونحن في عصر الوفرة؟
