سبق للكاتب الأميركي ــ الهندي الأصل «فريد زكريا» أن أصدر كتابه الشهير بعنوان: «عالم ما بعد أميركا». وفي نفس السياق تتواصل الاجتهادات الفكرية التي ترصد من منظور التحليل السياسي تنامي ظاهرة العولمة ومن ثم تعددية الأقطاب الفاعلة في عالم هذه العقود الاستهلالية من القرن الحادي والعشرين.. وأهمها ظهور أقطاب جدد على الساحة العالمية وفي مقدمتهم كل من الصين والهند حيث تدور عجلة التنمية بلا هوادة، فضلا عن روسيا التي تجهد حاليا في استعادة دورها القيادي الذي طالما نعمت به خلال حقبة الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن الماضي.. وعلى الصعيد السلبي الضار بمصالح عالمنا، تجلت بل واستشرت أيضا ظاهرة عناصر اللا دولة التي تجسدت في «أوليجاركيه» القلة التي مارست احتكارات الموارد ونهب المقدرات وعقد تحالفات الزواج غير الشرعي بين السلطة والثروة.. مما أدى إلى التوسع في جرائم الاتجار بالبشر وآفات ارتكاب الجريمة عبر الوطنية وأنشطة المنظمات الإرهابية.
وبينما ظلت أميركا، بفضل قدراتها الاقتصادية وثراء مواردها وانتشار أنماطها السلوكية وأنساقها الثقافية تضطلع بدور قيادي في العالم، إلا أن ظهور العناصر المستجدة على المسرح السياسي العالمي.. ومنها مثلا مجموعة العشرين التي استمدت كثيرا من أعضائها من مناطق القارة الآسيوية.. إنما يشير إلى أن المستقبل سوف ينطوي على دور أكثر أهمية وفعالية لآسيا مما يدعو إلى استشراف ما أصبح يوصف بأنه عالم ما بعد الغرب.
أدت عواقب الأزمة المالية الدولية التي اندلعت منذ خريف عام 2008 إلى أن بات محللو السياسات منشغلين بأمر قضية جوهرية بالنسبة لمستقبل عالمنا مع استهلال العقد الثاني من هذا القرن الجديد.. هذه القضية تلخصها كلمة واحدة هي: الأمن.
وهو المصطلح المرادف لمعنى الاستقرار.. الذي يتكافأ بدوره مع انحسار مد الصراعات المسلحة سواء كانت ناشبة بين أقطار ودول.. وأقاليم.. أو كانت صراعات داخلية، أهلية تندلع ضمن حدود هذه الدول والأقطار على اختلاف مناطق عالمنا وأقاليمه.
في هذا السياق يكاد المحللون ينقسمون إلى فريقين رئيسيين:
فريق متفائل مازال يرى في ظاهرة العولمة أملا يرتجى لإصلاح الأمور وتقويم الاختلالات حيث يتصورون العولمة وسيلة لتعزيز ما أصبح يعرف في الأدبيات الدولية بمصطلح الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وهو ما يمكن أن نصفه من واقع تراثنا الروحي بأنه ظاهرة التكافل الاقتصادي على مستوى الدول والشعوب.. وهذا الفريق المتفائل يحاول دعم نظرته حين يؤكد أن هذه الأوضاع التكافلية من شأنها أن تساعد على فتح أسواق جديدة واعدة وعلى دعم الإمكانات التي تتيح تبادل الأفكار والسلع والطروحات والمنتوجات عبر المناطق والحدود.. فضلا عن دعم سبل التواصل الإيجابي الأعمق بين الأفراد والشعوب والثقافات وهو ما تجسده ظواهر الهجرة المتواصلة مما يدعم بدوره قيام وازدهار نظام دولي مستجد اقتصاديا وثقافيا.. تزدهر في إطاره احتمالات الأمن والسلام على صعيد العالم بأسره.
ثم هناك على جانب الطرف الآخر من المعادلة المتشائمون وهم يؤكدون على أن ظاهرة العولمة.. بكل ما أفضت إليه من تطوير بل تثوير وسائل الاتصال وميديا الإعلام وامكانات البث عن طريق الأقمار الاصطناعية، فضلا عن ثورة الحواسيب التي وضعت شبكة الانترنت بكل امكاناتها المهولة تحت تصرف قطاعات واسعة من جماهير العالم.. ولاسيما أجيال الشباب.. هذه الظاهرة «الغلوبالية» كما نسميها نجمت عنها آثار تُعد سلبية في التحليل النهائي فكان أن أصبحت جماهير الكرة الأرضية على بيّنة خاطفة، بل لحظية في بعض الأحيان مما يدور في كل بلاد العالم.. كما أن هذه الثورات التقنية وجدت من يستغل امكاناتها الهائلة وغير المسبوقة لصالح فئات مستجدة وطبقات طامعة وعناصر تملك أجندات شيطانية كما قد نسميها.. وتتوخى تحقيق مصالح بالغة السلبية ولو على حساب مصالح أوطان وأقطار وشعوب.