أميركا لن تظل منفردة بالعالم، فهناك قوى من الشرق سوف تنافسها بقوة، وهذا ما يؤكده الباحثون الأميركيون أنفسهم. ففي دراسة منشورة مؤخرا يسوق مفكر أميركي عدة نماذج من تلك الجوانب السلبية للعولمة، ومنها مثلا استشراء المد الرأسمالي الذي ارتبط بغياب أي ممارسات ديمقراطية بمعنى أن اتسعت آفة النهب المالي دون أي رقابة شعبية أو برلمانية أو سياسية تحد من استمرار إهدار الثروات الوطنية لحساب القلة الطامعة المنحرفة وتهدف من ثم إلى محاسبة الناهبين والمدمرين.

واضع الدراسة التي نشير إليها هو الأستاذ «ستيفن سابو»، المدير التنفيذي للأكاديمية البحثية عبر الأطلسي وقد اختار لدراسته عنوانا بليغا ومهما هو: مرحبا إلى عالم ما بعد الغرب.

وبديهي أن هذا العنوان يحيل إلى الكتاب المهم الذي سبق إلى إصداره مؤخرا الإعلامي الأميركي ــ الهندي الأصل، «فريد زكريا» بعنوانه الشهير: عالم ما بعد أميركا.

 

تعددية الأقطاب

لقد اهتم «فريد زكريا» في كتابه برصد وإبراز التحولات التي باتت حاليا تطرأ على القوى المحورية، الفاعلة في عالم مستهل القرن الحادي والعشرين.. وخلص إلى نتيجة يمكن تلخيصها على النحو التالي:

إن التحولات الأخيرة في مجالات الاقتصاد والتجارة وفي عالم الثورة الالكترونية واستشراء ظاهرة العولمة.. أصبحت تجنح بالبشرية نحو عالم متعدد الأقطاب (على حساب عالم القطب الواحد أو الأوحد الذي ظل يحمل اسم الولايات المتحدة الأميركية وخاصة على مدار عقد التسعينات من القرن الماضي).. وفي إطار هذه التعددية يرى «فريد زكريا» أن الحقبة القريبة إن لم تكن الراهنة من القرن الواحد والعشرين سوف تشهد قطبين أساسيين يحّفان بالقطب الأميركي وهما قطب يراه زكريا «حليفا» واسمه الهند وقطب آخر يراه زكريا «غريما» أو منافسا عنيدا واسمه الصين.

لكن ها هو «ستيفن سابو» يضيف إلى قائمة تعددية الأقطاب أرقاما أخرى ينبغي أن يحسب لها حساب، وفي مقدمتها روسيا التي تسعى جاهدة في الوقت الحالي إلى استعادة دورها المحوري الذي كانت تتمتع به خلال حقبة الحرب الباردة التي استطالت عبر النصف الثاني من القرن العشرين. ولقد نضيف من منظورنا السياسي العربي أن هذه المحاولات أو الجهود الروسية يمكن أن تحقق الكثير.. ببساطة لأن موسكو الراهنة تبذلها في تؤدة وثبات يواكبه النفس الطويل والإصرار المثابر. ومع ذلك فما كان لهذا كله أن يبشر بإمكانات النجاح.. إلا بفضل حقيقة أساسية وهي ببساطة شديدة.

إن روسيا تمضي على الطريق مدجّجة بإمكانات هائلة وسوبر ــ واعدة من موارد الطاقة متمثلة في حجم إنتاجها واحتياطياتها من النفط والغاز على السواء.

 

القطب الأميركي

تقول الدراسة التي نحن بصددها (نشرتها مجلة «كرنت هستوري» المعنية بقضايا السياسة العالمية، عدد يناير ‬2011):

ــ تشهد أميركا حاليا توسع نفوذ الأجنحة اليمينية في سياساتها الداخلية. ويتواكب مع نشاط هذه الأجنحة استشراء الاتجاهات الشعبوية (التي ترفع شعارات التعصب القومي وأحيانا الاستعلاء العنصري).. هذا فضلا عما باتت أميركا تعانيه من استمرار الصعوبات الاقتصادية التي تفاقمت بفعل ما يتوازى معها من شعور إجهاد الحرب (War Fatigue) وهو الناجم عن الصراعات (العسكرية، وغير العسكرية) في ساحتي العراق وأفغانستان ? كل هذا دفع أميركا إلى حالة من الانكفاء على الذات.. والانشغال بما يجري داخل حدودها ومن ثم إلى حالة من الاستقطاب السياسي (المرادف للعزلة عن التعاطي الإيجابي والدينامي مع قضايا العالم وطروحات العصر).

 

لاعبون جدد

بل إن تهديدات الأمن العالمي ـــ أو العولمي إن شئت ـــ يمكن أن تزيد بفعل دخول لاعبين جدد إلى مسرح الأحداث والأنشطة على مستوى أغلب دول العالم.. هؤلاء اللاعبون أصبحوا يحملون الصفة التالية:عناصر اللادولة.

منهم عناصر إيجابية وبناءة وقد يمثلهم رجال الأعمال الجادون الحقيقيون من ذوي الاهتمام بالممارسات المشروعة والمفيدة في مجالات التجارة والتصنيع والاستثمار والإنتاج فيما قد يمثلهم بنفس القدر عناصر المافيات المستجدة على ساحة الأنشطة الاقتصادية في العالم، تلك التي أصبحت تحمل وصف «الأوليجاركيه» بمعنى الأقليات الاحتكارية التي لا تتورع عن الطمع في تحقيق مكاسب هائلة.. تحسب بالمليارات ويتم تحصيلها على حساب مصلحة جماهير الناس عبر الحدود والشعوب.. فما بالنا عندما تنعقد أواصر التحالفات المشبوهة وغير المشروعة ومن ثم المدمرة بين عنصري الثروة والسياسة.. أو بين سطوة المال ونفوذ السلطة.. وهو ما يفرخ خفافيش الفساد الذي لا يلبث يضرب أطنابه في جنبات المجتمع لا بوصفه داءً يؤدي إلى اكتناز الثروات والتحكم في القرار السياسي، ولكنه يشكل بالدرجة الأولى دمارا يصيب المنظومة الأخلاقية والأنساق الثقافية في المجتمع مما يحول دون السير على طريق تنمية حقيقية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ويلقي على قطاعات أي مجتمع ــ ولاسيما شرائح الشباب.. غلالة من القنوط واليأس من إصلاح الحال فضلا عن إحباط الأمل في المستقبل.

الإرهاب الدولي

في نفس السياق تحرص الدراسة الأميركية التي أشرنا إليها.. على تلخيص هذه التيارات السلبية المستجدة مع توسع ظاهرة العولمة في النظام الدولي المعاصر.. وذلك في السطور التالية:

ــ إن هذا المد الذي شهد تنامي واستشراء نفوذ عناصر اللادولة يتخذ أشكالا شتى من بينها مثلا: ظاهرة الإرهاب عبر المنظمات الإرهابية والإجرامية والجريمة العابرة للحدود واستخدام (أو بالأدق استغلال) شبكة الانترنت وسائر إمكانات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من أجل أغراض تتعارض ومصالح البشر، ما بين الجريمة إلى الإرهاب إلى حروب الحاسوب (سرقة البيانات بصورة غير مشروعة واغتصاب الأموال والإيداعات وأرصدة الحسابات المصرفية عن طريق الحواسيب) هذا فضلا عن تضخم جريمة الاتجار بالبشر وظواهر الهجرة غير المشروعة.

وعلى الجانب المشروع بدأ العالم يواجه ازدياد حدة التنافس، وبشراسة في بعض الأحيان على الاستئثار بالموارد الطبيعية اللازمة بالذات لتغذية آلات النمو الجبارة التي ما برح هدير تروسها دائرا وصاعقا على مستوى الاقتصادات المتنامية ــ الصاعدة في عالمنا وفي مقدمتها اقتصاد الهند والصين على وجه الخصوص.. وهو ما أدى، كما تقول الدراسة الأميركية، إلى تجدد وتيرة وزيادة حدة الصراعات على موارد أساسية من قبيل المعادن والطاقة والمياه والمواد الغذائية.. كما أفضى بدوره إلى صراعات متجددة على مناطق ومساحات في البحر واليابسة ما بين مناطق القطب إلى بحار الصين.. فيما تفاقمت مع هذا كله الأخطار البيئية الناجمة عن التلوث والانبعاثات الكربونية الضارة بصحة الكائنات الحية.

 

استضعاف الدولار

في ضوء هذه الظواهر المستجدة وما ينطوي عليها من تحديات.. يرى المحللون أن النظام الذي تعارف عليه العالم ربما منذ أيام الثورة الصناعية في مطالع القرن ‬19 من دور قيادي أو المركزية الغربية ــ الأوروبية.. ومن ثم دور الهيمنة الأميركي هذا النظام بات يؤول إلى نهاية: الدولار أميركي لم يعد له مكانته السابقة بوصفه العملة المضمونة للاحتياطيات. ومجموعة الثمانية، الأوروبية في أساسها وكانت تمثل صفوة الدول الصناعية المتقدمة.. أفسحت المكان مؤخرا كي تحل محلها مجموعة العشرين التي ضمت دولا ونظما واقتصادات من خارج هذا النطاق الذي ظل أرضا محتكرة لصالح الغرب على مدار سنوات، حيث أصبحت مجموعة الـ‬20 المذكورة تشكل أو تكاد تشكل ما يمكن وصفه بأنه مجلس إدارة العالم.

ولما كان جانب لا يستهان به من أعضاء مجلس الإدارة المذكور يقع في قارة آسيا.. فإن كاتب الدراسة التي أحلنا إليها، الأستاذ «ستيفن سابو» يختم اجتهاداته قائلا:

ــ آسيا لابد أن تكون على رأس الأولويات الأمنية بالنسبة لأميركا شريطة أن تصبح استراتيجية واشنطن متعددة الأبعاد حيث يقل اعتمادها على العنصر العسكري فيما يزيد الاعتماد على القوى والإمكانات الأذكى بما يكفل الإفادة من إقامة الشراكات مع القوى والفعاليات الإقليمية والوطنية من خلال تحالفات يتم تشييدها عبر الأقطار والمجالات.. صحيح أن سوف تستمر مطالبات أميركا بأن تضطلع بدور فاعل وجوهري في استتباب الأمن العالمي.. لكن الأصح أن مقدرات أميركا ذاتها محكوم عليها بقدر من التقلص أو الانكماش. والأصح أكثر وأكثر أن هذا التحجيم المتوقع لابد وأن يشكل العنصر الأساسي الذي يدفع إلى بناء وشائج التعاون والشراكة مع أطراف شتى في طول عالمنا وعرضه على السواء.