كم كان القوم يحترمون نظرية الدومينو. وكم جهد الشارحون والمحللون والمنظرون في إعادة صياغتها على أساس فكرة تسلسل التأثير أو تداعي المؤثرات إلى آخر ما كانت تتفتق عنه قرائح المفكرين والأكاديميين.. ومن تَبِعهم من محللي الصحافة وأخصائيي الإعلام.
وكان السابق إلى طرح أو ترويج نظرية الدومينو هو الرئيس الأميركي الأسبق «دوايت ايزنهاور» وقد فعل ذلك في خطاب شهير ألقاه في عام 1954.
لكن الأيام أثبتت غير ما روجت له السياسة الاميركية.
الانسحاب من فيتنام
وخلال حرب أميركا في فيتنام.. ظل القوم ينقسمون إلى فريقين:
؟ فريق يطالب بانسحاب أميركا من هذه البقعة الآسيوية حيث يقاتل جنودها في أحراشها وغاباتها بغير قضية وطنية أو مصلحة قومية اللهم إلا تحت شعار كان رائجا وقتها إبان الحرب الباردة وهو شعار محاربة الشيوعية وتحجيم النفوذ الروسي واحتواء الخصم اللدود الذي كان يحمل وقتها اسم «الاتحاد السوفييتي».
؟ فريق آخر كان أعلى صوتا وكان يقوده أيامها «روبرت مكنمارا» وزير الدفاع الأسبق في بنتاجون واشنطن وهو الفريق الذي كان يرفع عقيرته محذرا من عواقب انسحاب أميركا من أرض فيتنام: وكان لسان حالهم يقول فيما يشبه التنبيه.. إن لم يكن النذير:
؟ حذار من انسحاب أميركا.. ودونكم نظرية الدومينو بمعنى أن هذا الانسحاب سوف تنجم عنه سلسلة من التأثيرات المتوالية ذات الطابع السلبي على طول الخط: أولها يتمثل في تآكل ومن ثم انهيار مصداقية أميركا في طول العالم وعرضه.. وهو ما سوف يؤدي ـــ حسب مقولة الدومينو حتى لا ننسى ـــ إلى سلسلة من انتصارات الطرف الآخر.. وهو الطرف السوفييتي الذي كان يقود مسيرة المعسكر الاشتراكي على مدار الأعوام الثلاثين الفاصلة بين انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وانتهاء الحرب الآسيوية الفيتنامية عام 1975.
لكن الذي حدث هو العكس تماما.
وبمعنى آخر: الذي حدث جاء ليفند ويرفض نظرية الدومينو.
ذلك لأن أميركا انسحبت من فيتنام.. صحيح أن كيانها النفسي الجماعي مازال متأثرا بندوب قديمة من جراحات التجربة الفيتنامية.. لكن الأصح أن الخصم السوفييتي لم يحقق أي انتصار من قريب أو بعيد.
بل العكس هو الذي حدث. فبدلا من تساقط أحجار الدومينو ضد مصلحة أميركا فقد تساقطت أحجار الدومينو السوفييتي سواء بتجربة موسكو الفاشلة في غزو أفغانستان عند مغيب السبعينات فما بالك بسقوط جدار برلين ـــ رمز الوجود السوفييتي نفسه في عام 1989.
دراسة فوريس بوليسي
تلك هي التجربة التي دفعت، وما برحت تدفع، بعدد من أساتذة علم السياسة إلى التنبيه إلى أن مسارات التاريخ وتحولات أحداثه لا تتخذ نهجا ميكانيكيا واحدا.. ولا يجوز إخضاعها إلى نظرية واحدة يحاول بها الفرقاء ـــ مهما كانت نواياهم ـــ تفسير كل ظاهرة من ظواهر الفعل والكسب الإنساني.
في هذا الصدد.. ينبه البروفيسور «ستيفن والت»، أستاذ علم السياسة في جامعة هارفارد قائلا: علينا أن نسلّم بأن ليس هناك ما يمكن وصفه بأنه قانون عالمي أو قاعدة شاملة.. بمعنى جامعة مانعة (وبمعنى أن تتيح تفسير كل شيء وأي شيء من واقع التاريخ).
وفي دراسة منشورة مؤخرا (مجلة السياسة الخارجية ـــ فورين بوليسي، عدد: (فبراير 2011). يواصل الأستاذ الأميركي التحليل الذي ذهبنا إليها بشأن نظرية الدومينو فيقول: صحيح أن ملابسات فيتنام وسقوط جدار برلين.. وزوال الاتحاد السوفييتي جاءت في مجملها كي توجه ضربة قاصمة إلى نظرية الدومينو إلا أن نفس النظرية ما لبثت أن عاودت الظهور أو رُدّت فيها أنفاس الحياة شأنها في ذلك شأن طائر العنقاء (الفونكس) في أساطير الأقدمين.
هانحن ـــ يستطرد البروفيسور «ستيفن والت» ـــ نرقب ما يدور في أميركا من حوارات ومناظرات بشأن الحرب والوجود الأميركي في أفغانستان.. ويشير «والت» في هذا السياق إلى ما سبقت إليه «كوندوليزا رايس» وزيرة خارجية أميركا السابقة حين صرحت في عام 2008 قائلة:إن أفغانستان تمثل اختبارا مهما لدى مصداقية حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وعلى نفس النهج سارت قرارات الرئيس أوباما حين عزز الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان قائلا: إن أي انتصار لطالبان هناك، من شأنه أن ينشر (عدوى) زعزعة الاستقرار في باكستان.
دروس التاريخ
وعندنا أن الأخطاء والنكسات التي تلم بالدول والأمم ـــ عبر التاريخ الحديث على الأقل - إنما يرجع سببها في المقام الأول، لا إلى مجرد التسليم بطروحات سابقة أو مقولات نظرية، بقدر ما أنه عزوف فردي وجماعي أيضا عن وعي العبرة المستقاة واستيعاب الدروس المستفادة من حوليات الماضي كيما يسترشد بها الفرقاء وخاصة صانعي القرار في الزمن الحاضر..
وإذا كان الفكر السياسي في مراحل سابقة قد طرح مقولة «حدود القوة» على نحو ما أسلفنا في مستهل هذه السطور.. فإن البروفيسور «ستيفن والت» يطرح في بحثه الذي ألمحنا إليه مقولة مستجدة في العبارة التالية: حدود المعرفة (بمعنى قصور أو ابتسار المعرفة).
هذا القصور المعرفي هو الآفة التي تكاد تعمي بصائر القيادات والزعامات عن وعي دروس الماضي وتنكّب الخطأ في الحاضر والمستقبل.
أنظر مثلا إلى تجربة ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.. لقد تلّفت الألمان من حولهم فإذا بجنودهم وقد أصبحوا حبيسي الخنادق وإذا بإمبراطورهم «ويلهلم» وقد أصبح عرشه بل وأسرة الهوهنزلورن التي ينتمي إليها في ذمة التاريخ.. وكان الدرس المستفاد وقتها عبر عقد العشرينات هو أن محاولة ألمانيا ـــ الإمبراطورية بسط هيمنتها على مقاليد وساحة غرب ووسط أوروبا أمر مقضي عليه بالفشل ويؤدي بالحتم وحسب التجربة المشهودة والمعاشة إلى عواقب فادحة التدمير.. فهل وعى ساسة ألمانيا هذا الدرس؟ هل استقرت هذه العبرة في العقل الجمعي الجرماني؟.. الإجابة طبعا كانت بالسلب.. فقد عاودت برلين اتباع نزعة الهيمنة على مقاليد أوروبا ـــ نفس أوروبا التي حاولت معها في الماضي الذي كان قريبا.. (أقل من 20 سنة) وكان التغيير هو من ألمانيا الإمبراطورية إلى ألمانيا الهتلرية، التي ما لبثت أن لاقت نفس المصير في الحرب الكونية الثانية ولكن في ظل دمار أشد فداحة وأوسع تدميرا.
وإذا كان هناك من يصف أو حتى يتهم العقل الجرماني بالتصلب أو التشدد أو العناد فها هي العقلية اللاتينية.. كما جسدتها فرنسا استطاعت أن تستوعب أكثر من عبرة مستفادة من تجربة الإمبراطورية الفرنسية، سواء في الجزائر التي استعمرتها فرنسا منذ عام 1830 وحتى عام ,1962. أو في فيتنام ومنطقة جنوب الشرق الآسيوي (إمبراطورية فرنسا في الهند الصينية).
هذه التجربة الفرنسية في شمال أفريقيا وجنوب آسيا ما لبث أن استوعبها قادة فرنسا وعمدوا إلى إبلاغها إلى الأميركيين رفاق المحالفة الأطلسية إذ كانوا على مشارف خوض تجربة واشنطن في فيتنام على وجه الخصوص.
تحذيرات فرنسية
في هذا السياق، يوضح البروفيسور «ستيفن والت» في بحثه المنشور كيف عمد زعماء فرنسا إلى مخاطبة الرئيس الأميركي الأسبق «ليندون جونسون» على مدار عقد الستينات الماضي محذرين البيت الأبيض والبنتاجون من أن أميركا ـــ بكل هيلمانها ـــ سوف تُمنى بمصير الفشل في ساحة فيتنام.. لكن الرئيس الأميركي تجاهل هذه التحذيرات وانغمس في غمار حرب خاسرة في المستنقع الفيتنامي..
بل إن الأمر لم يكن ليقتصر على تجربة، أو عقدة فيتنام، على حد ما يذهب إليه أستاذ العلوم السياسية الأميركية الذي نحيل إلى أفكاره في هذه السطور.
فبرغم كل مرارات الدرس.. إلا أنه لم يجد أحيانا من يتوقف عنده مليا بالتأمل والتدبر والاستيعاب.. وخاصة بين صفوف رؤساء أميركيين لاحقين، لم يترددوا مع السنوات الأولى من القرن الجديد الحالي.. من خوض حروب والدخول في تجارب عسكرية أقرب إلى المغامرات إن لم تكن المراهنات.. وتحت شعارات تبدو براقة وجذابة من قبيل ما يلي: تغيير النظام.. بناء الدولة.. ناهيك عن التحول الديمقراطي.. أو حقوق الإنسان.. أو الفوضى الخلاقة.. الخ.
وبديهي أن أسفر هذا كله عن مغارم فادحة وتكاليف أكثر من باهظة ناءت بها ولا تزال تنوء بها خزانة أميركا يستوي في ذلك مسرح أفغانستان أو مسرح الرافدين إلى حد ليس بالقليل.
الفكرة الثابتة
والى جانب آفة نقص المعرفة.. أو قصور الوعي.. تعرض دراسة الأستاذ «والت» إلى آفة الفكرة الثابتة.. تلك التي تتحول عند الفرد البشري إلى نوع من الوسواس الذي يتقمص الشخصية وقد يفضي إلى نوع من المرض العقلي في نهاية المطاف.
نفس الداء يصيب الأمم والمجتمعات مهما بلغت أنصبتها في مسيرة التنمية وأشواط التقدم.
ألا ترى مثلا إلى الاتحاد السوفييتي الذي ظل على اختلاف المراحل متمسكا بمقولة الثورة العالمية (الشيوعية ـــ الماركسية) الشاملة، أو إلى الإمبراطوريتين الإنجليزية أو الفرنسية، وكل منهما ظلت أسيرة المقولة الذائعة بشأن حمل المسئولية التي ينبغي أن ينهض بها الرجل الأبيض (تجاه السود ـــ الأفارقة أو السمر ـــ الآسيويين بطبيعة الحال).
ألا ترى إلى أميركا ذاتها بكل إمكاناتها العلمية وبكل ما تحفل به من نوابغ المفكرين والمحللين.. وهي مازالت متمسكة حتى تاريخه بحكاية الحصار المفروض من دولة عظمى اسمها الولايات المتحدة على جزيرة صغيرة من جيرة البحر الكاريبي.. يعيش على أرضها دولة اسمها كوبا؟ لقد انقضى على الحصار الأميركي عقود من الزمن.. منذ أن منيت واشنطن في رئاسة «جون كينيدي» مع مطلع الستينات بهزيمتها في غزو كوبا وإزاحة نظام «فيديل كاسترو» فيما يعرف تاريخيا باسم «معركة خليج الخنازير». ورغم أن قضية هذا الحصار الطويل ما برحت مدرجة ضمن بنود جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ويتم ترحيل البند تلقائيا من سنة إلى أخرى.. فمازال الحصار مفروضا.. رغم أن القرائن واضحة كالشمس بأن الحصار ليس بالإجراء الفاشل وحسب.. بل أن ضرره بات أكثر من نفعه في التحليل الأخير.
حدود القوة الأميركية وغرورها
في دنيا السياسة يلزم باستمرار التمييز بين الطروحات النظرية والممارسات العملية.. ولا غنى أيضا عن وعي العبرة التاريخية واستيعاب دروس التاريخ المستخلصة من الحوادث والوقائع والسلوكيات.. ولقد شاعت مثلا نظرية «الدومينو» بمعنى سلسلة تداعي الآثار الناجمة عن حدث ما، لا يلبث أن يجرّ خلفه متوالية من التأثيرات على نحو ما يحدث من سقوط أحجار الدومينو واحدا بعد الآخر إذا ما سقط الحجر الأول على رقعة اللاعبين.. بيد أن هناك من أساتذة علم السياسة ومفكريها من يتصورون أن الأمر يقتضي الإطلالة على الأحداث من منظور التفاعل المستمر بين النظرية والتطبيق.. وعلى سبيل المثال فقد ظلت السياسة الأميركية تتبع نظرية «الدومينو» منذ طرحها الرئيس الأسبق «أيزنهاور» في خطاب شهير ألقاه عام ,1954. وكان المنتظر أن يسفر إخفاق أميركا في فيتنام خلال عقد الستينات عن سلسلة من التداعيات التي تدمر مصداقية واشنطن على مستوى الساحة الدولية وهو ما لم يحدث.. بل أن الذي تداعى بحق هو الكيان السوفييتي ـــ الاشتراكي الخصم في الحرب الباردة وهو ما تجلى بجلاء في سقوط جدار برلين عام ,1989. ورغم هذا كله فمازال أركان السياسة الأميركية يعاودون اللجوء إلى نفس المقولات النظرية السابقة حين يحذرون البيت الأبيض والبنتاجون من أي انسحاب من أفغانستان التي يتصورون ـــ وفق حكاية أحجار الدومينو ـــ أن الفراغ على صعيدها كفيل بأن يؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتوالية أخطر ما فيها مثلا زعزعة الاستقرار في باكستان.
ثمة تجارب معاصرة لدول كبرى وكيانات سياسية من أقوى ما يكون، لكن أفضت بها إلى درس مستفاد رغم أنه كان درسا مريرا في كل حال.. هذا الدرس عبروا عنه في علم السياسة بالعبارة التالية: حدود القوة.
والمعنى هو أن الكيانات الكبرى، ولاسيما الإمبراطورية منها. تصاب بآفة الغرور وداء الاستعلاء على الآخرين.. وهو الداء المرادف لآفة الاستهانة أو الاستخفاف بهؤلاء الآخرين.. وهو أيضا سبب الوقوع في فخ الأخطاء على نحو ما حدث على سبيل المثال لأميركا، بجلالة قدرها، في فيتنام خلال عقد الستينات.. ومنه إلى منتصف السبعينات من القرن العشرين. ومرة أخرى فثمة تعبير وجد طريقه منذ ذلك الحين إلى قاموس مصطلحات العلوم السياسية وهو: غرور القوة.
هذا المصطلح المنسوب إلى واحد من آباء السياسة الخارجية المعاصرة في الولايات المتحدة.. السناتور «ويليام فولبرايت» (1905- 1995) الذي أمضى ردحا طويلا من الزمن والخبرة المباشرة قوامه 30 سنة أو نحوها عضوا في مجلس الشيوخ في واشنطون.. ومن ثم رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في الكيان البرلماني المشهور.
لقد كان السياسي الأميركي المخضرم على حق تماما حين استقى من تجربة ـــ بالأدق مغامرة - أميركا في أدغال جنوب الشرق الآسيوي الفيتنامي ـــ درس المواجهة بين قوة إمبراطورية أميركية كانت مدججة وقتها بأحدث أسلحة العصر.. وبين قوى الفلاحين ومقاتلي الميكونغ وأعوان الزعيم التاريخي الفيتنامي «هوشي منه» ممن تصدوا للقوة الأميركية الوافدة إلى بلادهم عبر المحيط.. فكان أن عاودوا القتال ضدها مستفيدين في ذلك من صبر الفلاح الآسيوي ومعرفة أهل البلاد الآسيوية، بدخائل أرضها وأسرار تضاريسها.. فكان أن سجل التاريخ المعاصر مشهد فرار السفير الأميركي على متن طائرة هليوكوبتر حلقت فوق سطح سفارته في سايجون.. وكان ذلك عام ,1975. وهو المشهد الختامي لملحمة فيتنام التي سبق وسجلت مشهدا مماثلا طردت به الاحتلال الفرنسي في معركة «ديان بيان فو» التي كان بطلها قائدهم الشهير.. الجنرال «جياب» في عام 1954.
