الرصبد السياسي مع مطلع هذا العام الجديد توقّف مليا عند تطورات الأمور على الساحة السياسية في العالم وأشار إلى ما سبق إلى توقعه في عام 2010 مفكر سياسي مرموق في الولايات المتحدة هو لاري دياموند الأستاذ بجامعة ستانفورد واصفا إياه بأنه انحسار المد الديمقراطي في الفترة الراهنة من حياة عالمنا.
تقارير فريدوم هاوس
يومها جهد البروفيسور «دياموند» في التدليل على ما ذهب إليه بشأن هذا التراجع الديمقراطي حين أحال إلى تقرير هيئة فريدوم هاوس المعنية بحقوق الإنسان الذي أوضح تراجع عمليات الانتخاب في العالم من 119 إلى 116 عملية انتخابية وهي الأدنى منذ عام 1995، والى البطش الحكومي الذي شهدته أقطار شتى من بينها روسيا مثلا ولاسيما بحق مؤسسات وناشطي المجتمع المدني.. وكان بديهيا كذلك ألا ينسى محللو الغرب أن يغمزوا من قناة الصين التي تعاملت بجفاء مع قضية واحد من أشهر ناشطيها هو «ليو سيابو» الذي منحوه مؤخرا جائزة نوبل رغم أنه رهن الاعتقال في بلاده التي رفضت السماح بسفر أسرته لتسلم الجائزة الدولية في كوبنهاغن عاصمة الدانمارك.
وإذا كانت قضية الناشط الصيني بل وحكاية جائزة نوبل نفسها.. مازالتا محل جدل محتدم حيث بات هناك من ينظر بارتياب شديد، وله مبرراته أحيانا إزاء ظاهرة «تسييس» جائزة نوبل، فإن الذي يهمنا في هذا السياق هو ما ذهبت إليه الدراسة الاستشرافية لمجلة «كرنت هستوري» في نظرتها إلى أحوالنا في الشرق الأوسط حين نعت على كثير من أنظمته تخليها عن ضرورة الإصلاحات السياسية لصالح تشديد قبضتها على مقاليد الأمور. ولم تتورع المجلة الأميركية مع مطلع عامنا الحالي كما أسلفنا عن التطرق إلى الحالة في مصر على سبيل المثال لتقول بالنص: إن مصر أجرت مؤخرا (تقصد في أخريات عام 2010) انتخابات برلمانية زائفة وخادعة.
والأكيد أن جاءت أحداث وتطورات الخامس والعشرين من يناير وما بعده تعبيرا عن الرفض الشعبي والجماهيري لما أسفرت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر والتي اتسمت بالتزييف الواضح.. ومن ثم فقد اتسع نطاق وأهداف هذا الرفض ليشمل أسس وقوائم النظام السياسي من أساسه وفي إطار تطورات ومستجدات مازلنا نرصد آثارها ونتائجها حتى كتابة هذه السطور.
قضية السكان
وعندما ينتقل الكاتب «الان سورنسن» من المجال السياسي إلى مجال الديموغرافيا فهو يلمح أيضا إلى أن ظاهرة الانحسار، أو التراجع الديمقراطي، هي الوجه الآخر من نزعة التمسك بإبقاء الأحوال على ما هي عليه ـ «ستاتيكو» في المصطلح السياسي المعروف. ولكنه يربط بين هذه الرغبة في ركود الأحوال (تحت شعارات براقة مثل الهدوء أو الاستقرار) وبين التحولات التي باتت بارزة ومشهودة في الأنساق الديموغرافية بين سكان عالمنا.
في مقدمة هذه التحولات ما يطلق عليه أهل الاختصاص ما يلي: شيخوخة السكان.
والمعنى أن عالمنا يشهد ـ وخاصة في الدول المتقدمة والقوى البارزة أو المؤثرة ـ ظاهرة تقدم السكان في السن بشكل عام.. يشهد بذلك أوضاع قطرية تمتد من اليابان إلى أميركا ومن إيطاليا وألمانيا إلى انجلترا.. وفي هذا الخصوص يقول اثنان من أبرز أساتذة السكانيات هما نيل هاوي وريتشارد جاكسون:
- إن قطاعات واسعة من سكان العالم أصبحت نهبا لظاهرة الشيخوخة وهذا يعني انكماشا في القوى والأيادي العاملة يوازيه زيادة في تكاليف التأمينات.. ومصروفات الرعاية الاجتماعية.. فما بالنا ؟ يضيف الباحثان المذكوران أعلاه ؟ وأن كثيرا من الدول المتقدمة باتت تواجه شيوخة سكانها بينما تعاني بشدة وقسوة من المديونيات الداخلية والخارجية.. بمعنى أعباء الدين القومي الداخلي وتبعات اختلال الميزان التجاري لصالح أطراف خارجية (الولايات المتحدة نموذجا في ضوء ارتفاع ديونها لصالح الصادرات الوافدة من الصين).
وأقرب نموذج يجسد هذه الأزمة ما شهدته فرنسا في عام 2010 حين طرحت حكومة رئيسها «ساركوزي» اقتراحا يراه الخبراء متواضعا بحد ذاته وكان يقتضي برفع سن التقاعد بصورة محدودة. ومع ذلك فقد جوبه الاقتراح بمعارضة بالغة الشدة.. وهو ما ألجأ الولايات المتحدة إلى منطق التسويف في معالجة مثل هذه المشكلة حين عمدت إلى إحالة بحثها إلى لجنة بيروقراطية من شأنها مواصلة البحث ومعاودة البحث ثم تكرار المعاودة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
التطرف والائتلاف
في نفس الدراسة الاستشرافية يطل كاتبها الأميركي على قضية محورية قد نقترح لها العنوان التالي: الممارسة الديمقراطية والطرح الإسلامي.
وهو يوضح ما كشفت عنه محاولات شتى من جانب أنظمة حاكمة كثيرة لاستغلال حكاية تخويف الغرب من أصحاب الطرح الإسلامي لصالح استمرار الأوضاع غير الديمقراطية ؟ الأوتوقراطية كما تسميها الدراسة التي نحيل إليها ـ ومرة أخرى يقول الكاتب «الان سورنسن»:
- لقد أوضحت دراسات عديدة أنه عندما تعاود أطراف (أو أحزاب) الطرح الإسلامي المشاركة في عمليات انتخابية متعددة أو متكررة، فلسوف تدفعها الظروف إلى الأخذ بخيارات برغماتية وصولا إلى بناء تحالفات وتوافقات تهدف إلى اجتذاب نوعيات شتى من جماعات الناخبين.. وحتى لو فازت مثل هذه الأطراف (أو الأحزاب) في الانتخابات تصبح الأيديولوجيات أقل أهمية حيث يصبح بإمكان الناخبين إقصاء الذين لا يحلّون المشاكل ولا ينجحون في سد الثغرات.
ونحن نتصور من جانبنا أن المفكر الأميركي يطرح هذه الآراء والتصورات وفي ذهنه أبعاد الحالة التركية على وجه الخصوص حيث لا يزال حزب العدالة والتنمية مسؤولا عن إدارة دفة الأمور في أنقرة أو اسطنبول، وحيث تسود حالة من التوافق أو الائتلاف بين أطراف الدولة التركية ما بين رئاسة الوزراء؟ المسؤولة عن التنفيذ والقوات المسلحة ؟ حامية الدستور وبين جموع الناخبين الذين جاءوا بحكومة تركيا الراهنة إلى مواقع المسؤولية لإدارة شؤون بلد شرق أوسطي مسلم.. يتطلع إلى استعادة دور دينامي في الإقليم، فيما يجهد في مواصلة مسيرة التنمية الاقتصادية ؟ الاجتماعية، ويحاول جاهدا تمثل مواريثه العقائدية ؟ الروحية وأنساقه الثقافية ثم يواجه تحديات ومتطلبات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي بوجه مواقف متصلبة من بعض أقطار غرب أوروبا تصدر بدورها عن منطلق يجمع بين العنصرية والمركزية الأوروبية ناهيك بمنطق الصلف والاستعلاء.
صراعات عسكرية أقل
وفيما تواصل «كرنت هستوري» استشراف آفاق عام 2011 على صعيد الاقتصاد العالمي، فهي تنطلق أيضا من نظرة نراها متشائمة إزاء احتمالات التطور وخاصة في الدول الصناعية المتقدمة على طريق التعافي من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي أخذت بخناق اقتصاديات عالمنا ابتداء من خريف عام ,2008. ويحدث هذا الأداء المحبط رغم ما اتخذته بلدان شتى من إجراءات تقشفية بعضها بلغ حدا مشهودا من الشدة والصرامة وإن كان الاستشراف الذي نعرض له في هذه السطور يتوقع مزيدا من هذه التدابير الحازمة والمتشددة. وفي كل حال فإن الانشغال بأزمة العالم الاقتصادية أدى ؟ ويا للغرابة ؟ إلى أن باتت كل دولة تنشغل بهمومها الذاتية ومشاكلها الداخلية، وهو ما أفضى بدوره إلى تناقص حالات الحروب والصراعات المسلحة فيما بين الدول والأقطار.. ولكنه يؤدي ؟ بنفس المنطق الغريب ؟ إلى احتمالات الاشتباكات الأهلية بمعنى احتمالات الصراعات الداخلية التي تراها مجلة «كرنت هستوري» إما إحدى نتائج ظاهرة الدول الفاشلة حسب التعبير الذي طرأ مع عقد التسعينات (Failed States) أو مع استشراء ظاهرة التطرف الأيديولوجي في أكثر من بقعة في العالم.. يستوي في ذلك أحوال القرصنة في الصومال أو ظاهرة «المحافظين الجدد» بكل تعصبهم الاستعلائي في مقاليد السياسة الأميركية عبر السنوات الأولى من هذا القرن فضلا عما يمارسونه من معارضة بالغة الشراسة بوجه إدارة أوباما الراهنة في واشنطن. نفس الآفاق غير الواعدة ترصدها هذه التوقعات بالنسبة لأجندة إصلاحات البيئة في العالم وما يرتبط بها من تغيرات المناخ في كوكبنا بكل ما تسفر عنه من مشاكل بل وأخطار لا تكاد ينجو منها أي جزء من يابسة العالم أو محيطاته وبحوره على السواء. ويستند هذا المنحى غير المتفائل إلى النتائج المحبِطة التي أسفر عنها آخر مؤتمر عقد مؤخرا في كانكون ؟ المكسيك دون أن يسفر عن أي تغيير إيجابي يعتد به على أجندة البيئة أو المناخ.
أخيرا يخلص الأستاذ «الان سورنسن» في ختام رصده الاستشرافي إلى أن يقول:
- قد لا تكون اتجاهات (توقعات) مطلع عام 2011 واعدة بأفضل ما ينتظره عالمنا.. ولكنها لا تشير في الوقت نفسه إلى أن العالم سيظل معرضا للمزيد من الاستبداد السياسي ولا الانغلاق الاقتصادي ولا الاقتتال العسكري الذي لا يغني ولا يفيد.
الزحف الديمقراطي بين المد والجذر
لم يكد ينقضي من أيام عام 2011 المستجد سوى فترة شهرين ومع ذلك فقد تسنى خلالها متابعة الرصد الذي يقوم بها الاختصاصيون باستشراف آفاق العام الجديد في إطار ما يندرج تحت عنوان «الاتجاهات العالمية لسنة 2011»، وفي ميادين شتى يأتي في صدارتها ميادين السياسة والاقتصاد وأحوال السكان في كوكبنا.. ولعل من الظواهر الايجابية في هذا الرصد الذي قامت به واحدة من أهم الدوريات في الولايات المتحدة وهي شهرية «كرنت هستوري» أنها صدرت في أوائل شهر يناير ورغم أنها عرضت نظرة تفتقر إلى التفاؤل إلى إمكانيات التحول الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط، فإذا بأيام الأسبوع الأخير من نفس الشهر المذكور تحفل بتحولات جذرية في هذا المضمار شهدتها مصر بعد أن سبقتها كما هو معروف تونس. مع ذلك فلا تزال ثمة أزمة في الممارسة الديمقراطية في أغلب أقطار القارة الأفريقية وفي بلدان أخرى وإن كان الرصد الذي قامت به «كرنت هستوري» يتصور أوضاعا سياسية يمكن أن تستوعب التوجهات والطروحات الدينية بمعنى مشاركة أصحابها في عمليات الترشيح والانتخاب التي من شأنها أن تسفر عن تحالفات وائتلافات تجمع بين العناصر القادرة، لا على تكريس الأيديولوجيات ولكن على التصدي بالدرجة الأولى لحل مشاكل الجماهير.
يرتبط بهذا الاستشراف أيضا توقع ظواهر سلبية منها تنامي شيوخة السكان ومن ثم نقص في قوى العمل في أقطار من الشرق إلى الغرب، ثم ظاهرة إيجابية رصدتها المطبوعة الأميركية وتمثلت في انخفاض حالات الصراع المسلح بين الدول بالمقارنة مع مراحل ماضية.
تأبى انعطافات الأحداث وتحولات المقادير إلا أن تخّيب توقعات المحللين وتنبؤات اختصاصيي الاستشراف والتنبؤ رغم عكوفهم لفترات طويلة من البحث والتمحيص على القراءة، أو محاولة القراءة في أسفار المستقبل.
وفي دراسة استطلاعية صدرت مع الأيام الأولى من يناير الماضي ينعى كاتبها، المفكر الأميركي «آلان سورنسن» استمرار حالة الجزر أو الانحسار بالنسبة للمد الديمقراطي وتيارات الحكم الرشيد والإدارة السليمة لمقاليد الأمور في معظم بلدان العالم.
والأكيد أن أصحاب هذه التحليلات أصيبو بخيبة الأمل مع أيام الأسبوع الأخير من شهر يناير المذكور أعلاه. وهي خيبة أمل شديدة الايجابية بكل تأكيد إذا ما أحلنا إلى تطورات الأحداث في مصر العربية وقد سبقها كما هو معروف تحولات السياسة والحكم في تونس الشقيقة.. فضلا عن توابع الحالتين التونسية والمصرية من تطورات من شأنها أن تفضي كما هو مأمول إلى ترشيد أساليب الحكم والى الإصغاء المسؤول إلى صوت الشعوب ومطالبها والآمال المشروعة التي تجيش بها صدور أجيال المستقبل.
ونحن نحيل في هذا السياق التحليلي بالذات إلى أحدث الأعداد الصادرة من شهرية أميركية رصينة معنية بالشأن السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي في عالمنا الراهن بشكل عام: نتحدث عن مجلة «ِّْْمَُّ بىَُُّّْ؟» التي تجمع في اسمها بين الرصد التاريخي وبين المتابعة التحليلية لمجريات الأمور الراهنة في عالم اليوم.
ولقد دأبت «كرنت هستوري» على أن تبدأ أعدادها مع مطلع كل عام بإلقاء نظرة بانورامية شاملة على آفاق العام المستجد على حياة البشر في عالمنا.. وهي حريصة في ذلك على أن تتطرق إلى معالجة هذه الآفاق من زوايا شتى وخاصة زوايا السياسة والديموغرافيا (التطور السكاني العولمي) فضلا عن دنيا الاقتصاد من واقع الرصد المكثف على ما تطلق عليه «كرنت هستوري» الوصف التالي:الاتجاهات العالمية الرئيسية في العام الجديد.
