استطاعات الثورة المصرية إزاحة التراب عن عروبة مصر، وعن كثيرمن تكلسات الماضي وقد شدت الاهتمام العالمي فاصدرت «فورين أفيرز» باكورة أعدادها لعام ‬2011 وقد طرح في الأسواق مع بواكير شهر فبراير الحالي فكان أن دارت أغلب مقالاته وبحوثه ودراساته، إن لم يكن كلها، حول محور جوهري يحمل بدوره كلمة وحيدة هي: مصر.

ثم ها هي تفاصيل وعناصر هذا المحور وقد توزعت من حيث التعدد والتنوع إلى قضايا أساسية تحت عناوين من قبيل ما يلي:

؟ رسالة (ميدانية) من القاهرة.

؟ ما بعد المعتدلين والمتشددين (في السياسة المصرية).

؟ إسرائيل ترقب ما يدور في محيط الجيران.

؟ قراءة متأنية في السياسة المصرية.

؟ آفاق (ومخاطر) علاقة مصر والولايات المتحدة.

حالة فريدة

وبديهي أننا في هذا السياق لسنا فقط بإزاء تغطية تليفزيونية لأحداث ما برحت تمثل في جوهرها وفي تداعياتها وفي تفاصيلها الدرامية عوامل جذب لا تفوت إطلاقا على اهتمامات المراسلين ولا على عدسات المصورين.

إن النظرة الموضوعية لهذه الأحداث وتطوراتها تفيد بأن العالم بات منذ أيام الأسبوع الأخير من شهر يناير الماضي بإزاء «حالة» فريدة من التحرك الشعبي والزخم الجماهيري ما كان لأحد أن يتوقعها، لا من حيث الحجم ولا من حيث المطالب، ولا من حيث النضج والتطور في مصر بكل ما يحف بها من تطورات وبكل ما تفرزه من مستجدات.

ونبادر كي نقول إن على كل القوى والدوائر الحريصة على مصلحة الشعب العربي في مصر أن تطّل على هذه الأحداث والتطورات، لا من منظورها القطري. الذي يقتصر على شعبها العربي أو مصالحها القطرية.. بل من منظور أوسع وأعمق وأفق أوسع من حيث الرقعة الجغرافية من ناحية ومن حيث استشراف التحولات التاريخية من ناحية أخرى.

ونحسب أن هذا هو الدور الذي تحدث عنه جمال عبدالناصر في وثيقته الباكرة التي حملت عنوانها الشهير وهو: «فلسفة الثورة» رغم أن عبدالناصر بادر يومها (عام ‬1954) ومن منطلق نظرة ثاقبة بحق إلى وصف هذا الدور المصري بالنسبة لإقليمها العروبي انه ليس دور زعامة بقدر ما أنه دور تجاوب وتفاعل بين مصر وأمتها، وبمعنى أن ليس دور أبهة مظهرية ولكنه دور مسئولية قومية تتحملها القاهرة بحكم ما وصفه العلامة جمال حمدان بأنه «عبقرية المكان».

إيجابيات الأزمة

في ضوء هذا كله يمكن أن نفهم هذا الاهتمام المتواصل والمتعمق من جانب العالم كله بالنسبة لمتابعة ما يجري في مصر العربية؟ ونؤكد بكل اعتزاز موضوعي وصف مصر.. «العربية».

وفيما يتابع أبناء الأمة من الخليج إلى المحيط هذه الأحداث وتداعياتها من منطلق الحرص الحادب والفؤاد الواجف والإدراك الموضوعي لوحدة المستقبل وشراكة المصير، فمن الطبيعي أن ثمة قوى متباينة في الإقليم والعالم تابعت وتتابع أحداث مصر منذ يوم «ميدان التحرير» المشهود في ‬25 يناير ومن منطلقات متباينة تصدر بدورها عن تباين المصالح الأمنية والسياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية ولكنها مصالح في التحليل الأخير.

وإذا كان الشاعر القديم قد دعا بأن يكون الخير من نصيب الشدائد والأزمات التي أتاحت له أن يفرز ويعرف العدو من الصديق.. فنحن نتصور أن الأحداث الفاصلة في مصر العربية، وقد سبقتها بداهة أحداث تونس العربية أيضا، جاءت أو حتى فلنقل اتقدت جذوتها لكي تفتح أعيننا ؟ نحن عرب الشرق الأوسط والشمال الأفريقي العربي ؟ على الحقيقة الساطعة التي تؤكد في كل لحظة أن منطقتنا مازالت تضم كيانا للاستعمار الاستيطاني البغيض اغتصب منطقة عزيزة من الأرض العربية في فلسطين دون سند من الطبيعة أو التاريخ ولصالح حركة عنصرية عدوانية ترفع لافتة شائهة اسمها إسرائيل التي لاتزال متربصة لأوجاع الأمة وعائقا دون تحقيق مصالحها المشروعة.

آراء العدو

وفيما حاول بعض ساسة إسرائيل في مراحل مضت من التاريخ المعاصر تزويق منطلقات وأهداف هذا الكيان العنصري العدواني في قلب منطقتنا العربية (تأمل مثلا طروحات شمعون بيريس عن شرق أوسط جديد) فإن سلوكيات إسرائيل الراهنة، بما في ذلك متابعتها لحظة بلحظة لتطورات «الحالة المصرية» بكل فورانها وشعاراتها وآفاق تطورها، إنما تؤكد البديهية التي ينبغي أن تظل نصب الأعين باستمرار وهي أننا بإزاء عدو متربص بكل معنى، لا بالحق والكيان الفلسطيني فحسب، ولكن أيضا بالكيان العربي القومي في عمومه، حاضرا ومستقبلا على السواء.

يفصح عن هذه التوجهات أحدث تصريحات أدلى بها «أفيغدور ليبرمان» وزير خارجية إسرائيل في لقاء أخير (بتاريخ ‬7/‬2/‬2011) مع عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين المؤيدين لإسرائيل، كما وصفتهم ميديا الإعلام.. ويومها ألمح ليبرمان إلى تطورات الأحداث في تونس ومصر وفي غيرهما ثم خلص إلى أن يقول:

- «إن العالم العربي أخذ يضعف بسبب غياب الاستقرار والتوترات والمشاكل الداخلية..»

ثم يضيف السياسي العنصري الصهيوني القول بأن الأمور أسفرت عن ‬3 لاعبين محوريين في الشرق الأوسط.. وهم ليسوا أطرافا عربية بحال من الأحوال وهم ؟ كما قال ليبرمان ؟ إيران وتركيا وإسرائيل. مؤكدا في هذا السياق بالذات على أن إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي الوحيد في الشرق الأوسط للغرب مجَّسدا في كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.. ولم ينس أن يضيف بقدر لا يخفى من التبجح بأن هذه الشراكة بين إسرائيل والغرب إنما تنبع من القيم المشتركة.

وثيقة اسطنبول

وإذا كان المسؤول الصهيوني قد استرسل في حديثه على هامش تطورات مصر ومن قبلها تونس.. إلى حديث عن تراجع النظام الإقليمي العربي ولصالح قوى أخرى غير عربية.. فقد سبقت ورقة اسطنبول التي صدرت عام ‬2007 عن كوكبة من خبراء السياسة والاستراتيجية والتاريخ والاقتصاد في أوروبا إلى الحديث عن معالم شرق أوسط جديد أو كبير، وإن كانت قد تميزت بحكم تشكيلتها الأكاديمية بقدر لا سبيل لتجاهله من موضوعية التحليل على حين طرحت ما وصفناه في كتابنا الصادر عام ‬2008 بعنوان «الشرق الأوسط الكبير» بأنه مانيفستو أو أجندة الإصلاح حين ركزت على ضرورة أن تتبع مبادرات التنمية الشاملة والتحول الديمقراطي (على اختلاف أشكاله وإيقاعات تواتره وأساليب تطبيقه) من داخل المنطقة ذاتها ومن أجل تلبية طموحات شعوبها.. دون أن تُفرض عليها من خارج حدودها.. مع الإشارة أيضا إلى أن الإصلاح يشكل عملية جوهرية تتم لصالح طرفين أساسيين، وهما نظم الحكم من ناحية ممثلة في الحكومات بكل دوائرها وفروعها وسياساتها.. ثم جموع المواطنين ممثلين في تنظيمات وتحركات المجتمع المدني من ناحية أخرى. ولم تنس «وثيقة اسطنبول» التي ألمحنا إليها أن تشير إلى أهمية التوافق بين الإسلام والديمقراطية على أساس أن لا تتعارض دعوة الإصلاح وتطبيقاتها وممارساتها مع العقيدة السائدة في معظم أرجاء المنطقة.

وإذا كنا نتسامع بين حين وآخر عن دعوات صادرة من أجل الإصلاح من دوائر الغرب، سواء في أميركا أو انجلترا أو غيرهما.. فعندنا أن الأوْلى بهذه الدعوات هم شعوب أمتنا الناطقة باللغة العربية، باعتبار أنها الشعوب التي تجمع بينها وحدة الميراث الثقافي والتراث الفكري والوشائج العقيدية ؟ الروحية إسلاما ومسيحية.. وهي الأكثر إدراكا لمصالحها ومصالح الأجيال الطالعة من أبنائها وبناتها..

شراكة المصير

وفيما يسّلم العقلاء بأن أهل كل قطر عربي هم الأدرى بمصالحه المباشرة، على أساس أن أهل مكة هم أدرى بشعابها كما يقول المثل العريق.. فإن شراكة المصائر العربية هي المنطلق الذي يصدر عنه، فيما نرى، هذا الاهتمام المستمر بما يحدث على أرض مصر بكل انعكاساته على تحولات السياسة والاقتصاد، بل والفكر والثقافة والإبداع على صعيد العالم العربي بأسره.

ألا ترى مثلا إلى ما بادرت إليه أسعار البترول إلى ارتفاع فور انطلاقة الأحداث الأخيرة في مصر.. وبمعنى أن من شأن ساحة ميدان التحرير في القاهرة أن تؤثر بعمق مشهود على أسعار العديد من السلع الاستراتيجية الجديرة بأن تتأثر بدورها بأسعار البترول، سواء حسب نظرية الأواني المستطرفة في الفيزياء أو نظرية سلسلة التأثيرات المتوالية التي تحمل عنوان «الدومينو» في علم السياسة.. سواء كانت أسعار المواد الغذائية أو السلع الرأسمالية أو مصاريف النقل البحري والجوي على وجه الخصوص؟

ما بالنا إذن وقد أصبح العالم بحق أقرب إلى القرية التي لا يخفى فيها شئ عن ساكنيها أيا كانت مواقعهم!. وإذا كان هناك من علماء الاتصال من تكلم منذ عقود خلت عن القرية العالمية هٌُقفٌ ًّىٌٌفهم فقد أصبح حتى هذا المصطلح من تراث الماضي.. ليحل محله المصطلح الأحدث وهو «القرية الالكترونية».. كيف لا.. وها نحن نشهد ونتابع الأثر العميق لكل وسائل الاتصال عبر بريد الحاسوب ومحادثات التويتر ودعوات التواصل الاجتماعي التي وصفها مبدعوها عند مطالع هذا القرن باسم «فيسبوك».. وجاءت حركة الجماهير في مصر العربية.. لتجد من يطلق عليها وصفا مبتكرا ومعبرا في آن معا وهو:

تطورات المنطقة العربية تخالف هوى إسرائيل

جاءت الأحداث والتطورات المستجدة مؤخرا على الساحة السياسية في مصر العربية لتحوز اهتماما عميقا ومتابعة متواصلة من جانب العالم العربي بين مشرقه ومغربه، وأيضا من جانب أطراف بعينها في منطقة الشرق الأوسط كان في مقدمتها بداهة إسرائيل التي أعلن وزير خارجيتها في الأيام القليلة الماضية تصوراته عن شحوب أو ذبول النظام العربي الإقليمي لصالح صعود يتصوره المسئول الصهيوني من جانب قوى غير عربية يرى أن من بينها إسرائيل التي تربطها مع الغرب مصالح شتى وروابط القيم المشتركة بين الطرفين.

في كل حال.. فالملاحظ أن تطورات الأحداث في مصر مازالت تستأثر باهتمام يجّسد محورية الموقع الجغرافي والدور السياسي الاستراتيجي لمصر ؟ عبقرية الموقع أو المكان كما سبق إلى وصفه المفكر الراحل جمال حمدان. وقد تجسدت هذه الحقيقة من صعود أسعار البترول مع تطور الأحداث في مصر، بكل ما تشير إليه هذه الظاهرة من احتمال ارتفاع أسعار أصناف وسلع ومواد أخرى حسب نظرية الأواني المستطرقة أو التأثيرات المتوالية والمتبادلة ضمن منظومات الأسعار. ويدلل على محورية الأحداث المصرية أيضا ما عمدت إليه مجلة «فورين أفيرز» الفصلية الأمريكية من أسلوب جديد على قارئيها حين تخّلت عن عادتها المتواترة في نشر التحليلات والدراسات عن مختلف القضايا المحورية في شرق العالم وغربه، إلى حيث جاء أحدث أعدادها مع العام الجديد لتركز محاوره الرئيسية على الحالة المصرية بكل تداعياتها وآفاق تطورها.

مجلة «الشؤون الخارجية» (فورين أفيرز) تمثل بالدرجة الأولى مطبوعة دورية تصدر من أمريكا وتحوز اهتمام واحترام الانتليجنسيا من جمهرة المفكرين والمحللين وصانعي السياسات ومتخذي القرارات في طول العالم وعرضه.

والسبب البديهي في هذا الاحترام يتمثل كما نتصور في كلمة واحدة هي: الشمول.

وبمعنى أن «فورين أفيرز» تطل على قضايا السياسة الدولية والشؤون الخارجية في عالمنا من منظور أقرب إلى الإحاطة والاستيعاب بحيث تعرض للظواهر والأوضاع وللمشاكل والقضايا المثارة على مستوى أقطار العالم من أقصاه إلى أقصاه.. بكل ما تتسم به من تنوع وتعددية واختلاف في النسق والإيقاع والمضمون.

من هنا فقد دأب كل من الأعداد الصادرة كل ‬3 أشهر من المجلة الأمريكية على أن يقدم ما يمكن وصفه بأنه قائمة حافلة من حيث التعدد والتنوع بالنسبة لمشاكل عالمنا وقضاياه.

وليس صدفة أن يصدر العدد قبل الأخير من فورين أفيرز (عدد نوفمبر/ديسمبر عام ‬2010) وقد حمل محوره الرئيسي عنوانا يمكن ترجمته في عبارة تقول: نظرة استشراف شاملة على العالم.

وكان بديهيا أن تستوعب هذه النظرة، مع ختام عام وبزوغ عام جديد، دراسات وبحوثا وطروحات تراوحت بين مستقبل الاقتصاد إلى آفاق الدبلوماسية الجديدة (بقلم وزيرة خارجية أميركا هيلاري كلينتون) إلى إطلالة على قضايا تأمين التعاملات والاتصالات عبر الفضاء الالكتروني (سايبر سبيس) إلى مشاكل التربية والتعليم في عصرنا ومعها قضية الانفجار السكاني على مستوى العالم، دع عنك قضايا الطاقة النظيفة وآفاق الدور الذي تستعد للاضطلاع به الدول الواعدة أو القوى المحورية المستجدة كما تسميها فورين أفيرز وتضم كما نكرر باستمرار كل من الصين وروسيا والبرازيل.. والجديد أن أضافوا إليها تركيا من منطقة الشرق الأوسط. ونبادر كي نقول إن هذا التوجه من حيث الشمول والتعددية، كان أمرا درجنا عليه كقارئين ومحللين من جانب المجلة الأميركية المذكورة.