محمد الخولي

في كتابه الصادر في منتصف التسعينات بعنوان «المستعربون» يوضح الكاتب السياسي الأميركي «روبرت كابلان» أسلوب الخارجية الأميركية في أن تكفل التواصل بين التجارب التي يخوضها العاملون في السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة.. وبحيث تفيد الأجيال اللاحقة من خبرات وممارسات الأجيال السابقة.. وفي كتابه المذكور (صدرت ترجمته في القاهرة بقلم كاتب السطور بعنوان «الحملة الأميركية») أن على كل دبلوماسي أميركي يكلَّف بمهمة ما في أي مكان من العالم، وأيا كانت نوعيتها أو فترة استمرارها، بأن يدلي لدى عودته إلى المقر في واشنطن بخلاصة التجربة.. في تسجيل صوتي مودع لدى وزارة الخارجية وبحيث يتسنى الاحتفاظ به وتصنيفه ومن ثم تبويبه ضمن محتويات هذا السجل من «التاريخ الشفوي» كما قد نسميه وبحيث يصبح متاحا لإطلاع كل من يكلَّف مجددا بعمل أو مهمة خارجية ـ دبلوماسية في المستقبل. وبهذا فهو يُقدم، أو تُقدم على المهمة الجديدة وقد استعان واستنار بأبعاد وخلاصة ما سبق وتم إنجازه من مهام، فضلا عن وعي واستيعاب الدروس المستفادة وبما قد يضمن عدم تكرارها أو يكفل تطوير ما سبق وشهده الماضي من إنجازات.

 

استخدامات الحاسوب

وبديهي أن القوم في الخارجية الأميركية قد عمدوا مؤخرا إلى تطوير هذا السجل الشفاهي باستخدام الإمكانات الفائقة، بل والمذهلة أحيانا، التي يكفلها الحاسوب الالكتروني من حيث دقة التبويب ووضوح التصنيف فضلا عن المزيد من تيسير سبل الإطلاع أمام الباحثين عن المعلومات بما يوفر الجهد والوقت في آن معا.

والحاصل أن أثير هذا الموضوع في الآونة الأخيرة، لا من خلال معاودة الحديث عن السجلات الشفاهية للخارجية الأميركية، على نحو ما ذهب إليه «روبرت كابلان»، ولكن في غمار الملابسات التي أحاطت بمسألة تسريبات «الويكليكس» التي تسامع بها العالم من أقصاه إلى أقصاه.

وسط هذه الظروف سلطوا الأضواء من جديد على الأساليب التي درجت على اتباعها دوائر الدبلوماسية وأجهزة العلاقات الخارجية في كبرى الدول الغربية. لدى معالجتها للقضايا الكبرى التي تمس في الصميم أمن عالمنا وسلام شعوبه في الشرق وفي الغرب.

ومن هذه الأضواء ما سلطوه مثلا على كتاب أصدره واحد من خبراء هذا المجال تحت العنوان التالي «بين السحر والشعوذة.. تخبّطات السياسة الخارجية الأميركية من كوريا إلى أفغانستان».

وفي هذا الكتاب يوضح مؤلفه «ديريك ليبارت» أن لابد من التسليم بأن أرشيف الدول الكبرى أو القوى العظمى يحتوي بالضرورة على مواد بالغة الحساسية وممعنة في الصراحة، وأن مثل هذه المواد أو البنود الحساسة لابد وأن توضع تحت تصرف المؤرخين كي يتعاملوا معها بمنطق الأمانة العلمية والمسؤولية الأكاديمية بالدرجة الأولى.

 

الشغف بالنجومية

وفي هذا المقام يستعيد الكاتب «ليبارت» (في مقالة منشورة مؤخرا في نيويورك تايمز) كيف سألوا المدير المسرحي الأميركي «تشارلس فرومان» عن سبب إبراز أسماء الممثلين على لافتات مسارح بروداوي في نيويورك على خلاف ما درجت عليه مسارح أوروبا في باريس مثلا حيث يرفعون أسماء مؤلفي المسرحيات ومخرجيها بالدرجة الأولى.. كان ذلك منذ قرن مضى ويومها أجاب المسؤول الفني الأميركي قائلا:

- نحن في أميركا نهتم بالفاعل وليس بالفعل نهتم بالنجم وسيرته وليس بالعمل الذي أداه.

والمعنى أنهم يهتمون بشخصية بالفرد وبعنصر الإثارة وأنماط السلوك التي يتبعها.. الفرد عندهم قبل القضية.. والإثارة بالنسبة لهم أهم من العمل العام.. والشعارات البراقة والمانشيتات الزاعقة أوْلى بالرعاية والاهتمام من رصانة الفعل والإنجاز في صمت أو روية.

وربما لهذا اتسمت ردود الأفعال لدى الدوائر المعنية في أميركا إزاء تلك التسريبات بقدر ملحوظ من الإثارة والثورة المشوبة بالانزعاج ولدرجة أن أحيلت المسألة إلى دوائر معنية بالتحقيق الجنائي مع تكييف الأمور إلى حد قد يتيح رفعها إلى سدة القضاء.

 

حكاية الشخصنة

في نفس السياق يواصل «ديريك ليبارت» تحليله موضحا أن الخطر الذي يواكب برقيات وكتابات (أو اجتهادات) الدبلوماسيين والمبعوثين الأميركيين قد تجسده كلمة واحدة هي «الشخصنة»، ويبّين أن هذه الشخصنة، مهما بلغت من توخي الدقة، إلا أنها يمكن أن تقطع الطريق على موضوعية التقييم وقدرة التعرف على الموارد والقضايا القومية والاتجاهات الحقيقية للرأي العام في البلد المقصود أو المنطقة المعنية.. وعلى سبيل المثال فإن الإسهاب في توخي جوانب الإثارة الشخصية لدى هذا الفرد أو ذاك من القيادات السياسية أو الاجتماعية في باريس.. ترك واشنطن غير مستعدة لأن تفهم أو تدرك عزوف فرنسا عن المشاركة في غزو العراق في عام ,‬2003. ثم هناك أيضا ذلك التركيز المبالغ فيه من جانب واشنطن على الأفراد ممن ترفعهم إلى مراتب المشاهير بل الرموز أحيانا على طريقة هوليوود السينمائية في صناعة أو تصنيع النجوم. ومن هؤلاء الأفراد ـ النجوم من تدفع بهم أميركا إلى مراقي الحكم في هذا البلد أو ذاك (في أفغانستان مثلا ) وبعدها تتكشف الأبعاد عن كوامن الضعف أو عوامل الفساد أو آفات العجز عن إدارة الأمور. من هنا يقول «ديريك ليبارت» أيضا: في عقد الخمسينات من القرن الماضي، كانت حكاية «سنغمان ري» في كوريا الجنوبية وحكاية «نغودين دييم» في فيتنام (الجنوبية) وكليهما لم تقصر آلة الدعاية الأميركية في أن تطلق عليه اللقب النجومي بدوره وهو «تشرشل.. آسيا» وبمعنى البطل المحرر أو الزعيم المقتدر. وهناك أيضا اسم «أحمد جلبي» الذي كان مفترضا ؟ كما يضيف الكاتب الأميركي أيضا ؟ أن يكون «جورج واشنطن العراق» في عرف إدارة الرئيس السابق جورج بوش.

ولكن المشكلة أن واشنطن لا تلبث أن تجد نفسها في الغالب الأعم وهي مضطرة بأن تواصل التعامل مع مثل هذه الشخصيات حتى بعد أن يثبت أن لا جدوى من ورائها لا من قريب ولا من بعيد.

 

قال الشاعر

يتساءل الكاتب الأميركي إذن: هل يرتبط الأمر بمحور الشخصية الأميركية ذاتها؟

إن الشاعر الأميركي الشهير «رالف والدو ايمرسون» (‬1803ـ ‬1882) يصف هذه الشخصية في عبارة تقول «نحن بلد الغد»، بمعنى أنهم يعيشون وسط تهاويم المستقبل. يستخدمون كثيرا كلمة «جديد» وكلمة «تغيير» ويذهبون ـ دون تمهيد أحيانا ـ إلى إمكانية أن تتغير الأحوال بسهولة وأن الدنيا تتبدل بعد وقوع حدث هنا أو هناك.

مرة أخرى يقول ليبارت: علينا أن نتذكر كيف تصورنا أن كل شيء.. نعم كل شيء، سوف يتغير بعد حادثة ‬11 سبتمبر سنة ‬2001 أو بعد سقوط جدار برلين سنة ‬1989 أو بعد أسبوع القمة الأميركية ـ الصينية المعقود عام ‬1972 التي أعلن بعدها الرئيس الأميركي نيكسون قائلا: «هذا هو الأسبوع الذي أدى إلى تغيير العالم».

ولقد نضيف من جانبنا ما سبق إلى إعلانه رئيس أميركي آخر هو جورج بوش ـ الأب غداة الحرب الخليجية التي عرفت باسم تحرير الكويت وقد تزامنت بصورة أو بأخرى مع انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي، ويومها أعلن بوش عن قيام نظام دولي جديد. من هنا يوضح أكاديمي آخر، هو البروفيسور «بول شرويدر» أستاذ التاريخ في الجامعات الأميركية أن السرية ما برحت تشكل جانبا لا غنى عنه بالنسبة لأي مفاوضات سياسية أو اقتصادية أو حتى إنسانية أو شخصية، يستوي في ذلك أي عملية تفاوض بين دولتين حول قضية مصيرية أو بين شركتين حول الاندماج بينهما وبين طرفين في مجال نزاع قضائي أو خلاف قانوني وصولا إلى عملية التفاوض بين زوجين وصلا في مرحلة ما إلى قرار بالانفصال أو الطلاق.. والمعنى أن أي عملية للتسوية بين الطرفين على هذا النحو من تباين الهدف والمضمون لابد وأن تتم بمعزل عن صخب العلانية وخطر الكشف أو الانكشاف، ولا سبيل إلى التوصل إلى تسوية.. سياسية.. اقتصادية أو شخصية إلا في ظل قدرٍ ما يتسع أو يضيق من الموثوقية بمعنى الكتمان.

 

بعد الحرب الأولى

بعدها يمضي الأكاديمي الأميركي، وهو متخصص أصلا في التاريخ الأوروبي الحديث، ليسوق مثلا عن جدوى السرية مقابل خطر العلانية، موضحا أنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى عام ‬1918 ذاعت سلسلة من التسريبات التي أحاطت بالشكوك والتخمينات مواقف الدول الأربع الكبرى التي كانت منغمسة في التفاوض وقتها بشأن عالم ما بعد تلك الحرب الكونية الضروس التي أدت كما هو معروف إلى سقوط أكبر إمبراطوريات ذلك الزمان: العثمانية في تركيا + الهابسبورغ في النمسا والمجر + هوهتزولن في ألمانيا + الرومانوف في روسيا).. وبعد هذه السلسلة الخطرة من التسريبات عمدت هذه القوى المنتصرة في الحرب وهي بريطانيا وفرنسا وايطاليا وأميركا إلى التزام مبدأ السرية وتخلت بذلك ـ كما يؤكد البروفيسور شرويدر ـ عن حكاية السياسة العلنية والدبلوماسية المفتوحة وعقدت جلساتها التفاوضية بشأن تسويات ومعاهدات الصلح وعالم ما بعد الحرب واستحداث منظومة عالمية جديدة حملت اسم «عصبة الأمم» ـ كل ذلك تم في إطار من السرية المسؤولة في التحليل الأخير.. وبهذا فقط أمكنهم ـ كما يضيف شرويدر (التايمز، عدد ‬3/‬12/‬2010) أن يسبحوا في خضم التفاصيل الصعبة التي أوصلت إلى عقد معاهدة فرساي الشهيرة في عام ‬1918 وأن يتوصلوا من ثم إلى حالة سلام نهائي أتاحت للعالم أن يضمد جراحات الحرب وأن ينصرف بصورة ما إلى جهود التعويض أو التعمير.

صحيح ـ كما نؤكد من جانبنا ـ أن حالة السلام التي ذكرها المفكر الأميركي لم تدم طويلا وإنما كان قصاراها أن طالت حتى عاود العالم الاشتعال بنار حرب ضروس أنكى وأشد خطرا في عام ‬1939، لكن تلك قصة أخرى.