وسط عقابيل الأزمة المالية التي ما برحت جاثمة على أنفاس العالم، ومع انشغال العالم بالعديد من الحرائق السياسية والاقتصادية، فضلا عن حرائق الطبيعة والبيئة التي لا تنفك تندلع هنا أو هناك، ما بين اغتيال حاكم ولاية في باكستان، إلى سيول مطرية بلغت في حجمها وهولها أبعادا «توراتية» كما وصفها مراقبو الشأن الاسترالي، بمعنى أنها جاءت في تصورهم أقرب حدث إلى الطوفان الذي عايشه النبي نوح عليه السلام. إلى نشاط الجريمة المنظمة الذي زاد مؤخرا على يد عصابات التهريب والمخدرات في المكسيك جنوبي الولايات المتحدة، في غمار هذا كله؛ يدعو الكثير من محللي السياسة في أميركا بالذات إلى أن يتنبّه القائمون في إدارة الرئيس أوباما على قضايا العلاقات الدولية إلى إيلاء المزيد من الرصد المتأني والمتابعة الذكية لما يجري في أقصى مناطق الشرق من القارة الآسيوية. وهم يقصدون بالذات تلك الأحداث والتطورات التي استجدت مؤخرا في المنطقة المذكورة على وجه التحديد.
وفي هدوء بعيد عن صخب الاحتفالات بحلول عام جديد، أنجز الطرفان الروسي والصيني خط أنابيب الإمداد النفطي المتجه من روسيا، الغنية كما هو معروف باحتياطيات وإنتاجيات النفط والغاز الطبيعي، إلى الصين.. الجائعة بتروليا.. إلى حد الشره والنهم كما يقول المراقبون.
عن النفط والسياسة
ولأن النفط سلعة استراتيجية بحكم الاستخدام، فمثل هذه الخطوات تعد سياسية بحكم التعريف. والمعنى أن وجود شبكة «تابلاين» آسيوية تنطوي على قيام روسيا بتزويد الصين بسائل الذهب الأسود يمكن أن تترتب عليه دلالات شتى من أهمها في تصورنا ما يلي:
أولا: إن علاقات الطرفين الكبيرين في قارة آسيا.. وهما موسكو وبيجين أصبحت من المتانة والرسوخ والدينامية لدرجة أن تزوّد العاصمة الروسية زميلتها الصينية بأهم مورد لازم لاستمرار وتطوير قاطرة التصنيع والتنمية: أين هذا من أيام خلت منذ ستينات القرن العشرين حين استفحل الخلاف الصيني الروسي لدرجة بالغة الخطورة، رغم أن الطرفين ينتميان إلى معسكر واحد كان يحمل وقتها اسم المعسكر الشرقي أو الاشتراكي أو الشيوعي، حيث كان من المفترض أن تجمع بينهما الإيديولوجية الماركسية. ولأن زمن الأيديولوجيات قد انتهى، وحل محله ــ كما نعرف في أيامنا الراهنة ــ زمن المصلحة الوطنية المبنية على اعتبارات برغماتية بمعنى نفعية وتبادلية ونابعة من ضرورات الواقع، فها نحن نشهد الغريمين الروسي والصيني، وقد أرسيا أسس هذا التطور النفطي الذي استجد مع أيام العام الجديد على خارطة الاقتصاد السياسية في عالم القرن الواحد والعشرين.
ثانيا: إن سياسة الكرملين الروسي الراهنة نجحت، كما نتصور، في إثراء تحركها إلى خارج حدود الوطن الروسي المترامي الأطراف، ولقد درج الكرملين منذ مغيب القرن الماضي، وبعد تولى «فلاديمير بوتين» مقاليد السلطة الأولى، على أن يمد البصر من الشرق إلى الغرب عبر تخوم بولندا وألمانيا، وصولا إلى مشارف انجلترا وفرنسا في غرب أوروبا، وفي محاولة كانت مضيئة، لاستعادة مكانة روسيا التي كانت قد انهارت مع انهيار الكيان ـ الماموث السوفيتي في مفتتح التسعينات ــ فما بالنا بما عانته روسيا خلال العقد المذكور، من ضربات موجعة، ولا سيما في حقبة «بوريس يلتسين»، من بيع مقدرات الشعب والدولة بيع السماح كما يقولون، ومن تمليك قوى الفساد والهدم والعصابات الإجرامية مقدرات الدولة السوفييتية التي كانت، وبشكل جعل من روسيا أرضا مستباحة لحساب الفساد الذي بلغ وقتها حدودا لم يسمع بها أحد من قبل.
روسيا: إلى الغرب ثم الجنوب
في عهد «بوتين» تعززت حركة روسيا إلى جهة الغرب بحثا عن موقع مهم لها بوصفها دولة أوروبية.. ثم ها هي في عهد الرئيس الحالي «مدفيديف» وقد عمدت إلى تفعيل خط الانتماء الآخر للكيان الروسي، وهو الانتماء الآسيوي.. متمثلا، كما أسلفنا، في الحركة جهة الشرق وجهة الجنوب. وبقدر ما حفرت روسيا لنفسها موقعا يُعتد به أو يؤبه له في أوروبا بفضل إمداد الجيران الأوروبيين بالنفط والغاز الطبيعي، فقد كان من حسن السياسة.. أن تضيف إدارة «مدفيديف» الحالية خطها الآسيوي الجديد بإمداد الجار الصيني بالبترول عبر خطوط الأنابيب التي احتفلوا مؤخرا بوضعها موضع التشغيل.
ثالثا: إن الإمداد الروسي بالنفط كفيل بأن يريح بال مخططي السياسة الصينية إزاء ما كان يؤرقهم، ولعله لا يزال يؤرقهم، من إشباع احتياجات طبقة وسطى لا تزال في حال نشوء ونضوج في ربوع الصين التي لم تعد هي «صين العم ماو» كما كانوا يسمونها عند منتصف القرن الماضي، حيث كان القوم يقتنعون بشظف العيش ومحدودية الدخل والحد الأدنى من لوازم المأكل والملبس من أجل تحقيق ما ظلت تدعو إليه قيادة الحزب الشيوعي الصيني وخاصة على يد الزعيم «ماوتسي تونغ» ورئيس وزرائه المثقف الذكي «شوين لاي» من دفع عجلة التنمية تحت العنوان الشهير وقتها وهو: القفزة الكبرى.
راحت بالطبع أيام «العم ماو».. وراحت معها تعاليم الأيديولوجيات.. ماركسية وغير ماركسية، ودخلت الصين منذ أواخر سبعينات القرن في مرحلة انفتاح جديد، ولكن منضبط محسوب تحت قيادة واحد من رفاق «ماو» شخصيا وهو الزعيم «دنغ ساو بنغ» الذي أضفى على مسيرة بلاده عنصر البرغماتية والمرونة، خاصة بعد أن كانت أميركا في عهد إدارة رئيسها الأسبق «ريتشارد نيكسون» قد طرقت ـ كما قال الزعيم «ماو» وقتها ـ أبواب سور الصين العظيم فكان أن انفتحت الأبواب، ودخل سياسي أميركي شديد المهارة اسمه «هنري كيسنجر» لتنشأ على يديه أول علاقات بين واشنطن وبيجين، ومن ثم تُخلي أميركا مساحة الاعتراض كي تدخل الصين إلى عضوية الأمم المتحدة وتشغل مقعدها الجدير بها ضمن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بدلا من تايوان (فرموزا أو الصين الوطنية كما كانوا يسمونها) ثم ترسل أميركا أول سفير لها إلى العاصمة الصينية، وكان اسم السفير هو «جورج بوش ـ الأب» الذي أصبح من بعد رئيسا للولايات المتحدة.
السفير الأميركي
في هذا السياق يكتب مبعوث آخر لأميركا لدى الصين هو السفير «جون هونتسمان» عن شوط، بل أشواط التغيير التي قطعتها الصين خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة التي فصلت ما بين أول زيارة للرئيس «نيكسون» إلى بلاد السور الآسيوي العظيم في عام 1972، وما بين حاضرها الراهن المُعاش. يقول السفير الأميركي: عندما زار الرئيس «نيكسون» عاصمة الصين في فبراير 1972 كانت بيجين وقتها مدينة تشقها الدروب الملتوية والحواري الضيقة وتعيث في مسالكها الدراجات الهوائية الرخيصة، ولا تفتح العين فيها إلا على بدلات «ماو» الزرقاء.
ويضيف السفير الأميركي قائلا: وها قد مضت ثلاثة عقود من الزمن، فإذا بأحوال بيجين وقد تبدلت لتصبح عاصمة أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان وثاني أكبر اقتصاد في الدنيا، بل وتصبح مركز العقل المدبر لقوة عولمية ناهضة.
يمضي الدبلوماسي الأميركي في تحليله، موضحا كذلك ما سبق وذهبنا إليه في مستهل هذا المبحث من أن الصين تشهد صعودا مطردا وملحوظا لشرائح الطبقات الوسطى (البرجوازية كما يقول التعبير الذي أصبح عتيقا في القاموس الماركسي الذي كان). وعندنا أن هذه الطبقات جاء صعودها منذ السنوات الأخيرة في التسعينات متزامنا مع ثورات التكنولوجيا في عالمنا، ما بين الإعلام الفضائي إلى تكنولوجيا الحواسيب إلى شبكة الإنترنت بكل تفريعاتها وإمكاناتها، وبمعنى أن الطبقات الصاعدة في الصين باتت تتابع عن كثب، ومن ثم تدرك بيقين، أن من حقها أن تنعم بثمار ما استطاع أفرادها إنجازه في ميدان العلم والصناعة والتكنولوجيا وسائر مجالات الإنتاج والإبداع الإنساني.
مليون سيارة شهرياً
ولعل أول أبسط ترجمة لهذا الاتجاه تتمثل في أن الصين باتت تضع على أرضية شوارعها ما متوسطه مليون سيارة كل شهر.. وهو رقم يهول السفير الأميركي الذي كان ممثلا لبلاده ـ كما ألمحنا ـ في عاصمة الصين.
وهو يحاول في مقالته تقريب هذا الحشد الرهيب من السيارات، فيقول لقارئه الأميركي: تصور ـ سيادتك ـ صفا (طابورا) وحيدا من السيارات مصطفا على أديم الطريق من نيويورك (عند أقصى الساحل الشرقي للقارة الأميركية) وحتى لوس انجلوس (عند أقصى ساحلها الغربي) وحينها يمكن أن يكتمل لديك شعور الاهتمام الذي لا بد وأن نوليه لعلاقات التعاون المطلوبة بين أميركا والصين.
في كل حال يظل الشأن الصيني، أو «العامل الصيني» في ساحة السياسة الدولية أمرا من الأهمية بمكان، وبحكم ما عمدت إليه بيجين من حركة سريعة ومرنة وطليقة على مستوى العالم كله، ابتداء من علاقاتها الإقليمية المتاخمة لجيران جنوب الشرق الآسيوي.. ثم الاتجاه غربا إلى افريقيا بالذات بوصفها قارة الوعد كما قد نسميها أو هي ساحة اللعب التي باتت تشهد أكثر من لاعب، كان أكثرهم مهارة هو الصين بالذات، خاصة وأنها جاءت بوصف الدولة ـ الصديقة والشريك النامي وشعب العالم الثالث، وليس بوصفها دولة عظمى (رغم أنها أصبحت كذلك أو تكاد تكون). وكانت بيجين تعكس في هذا المنحى قراءة ذكية استوعبت الرواسب النفسية والسلوكية، التي تخلفت عن تَرِكة الاستعمار والسيطرة الإمبريالية التي طالما عانتها شعوب القارة السمراء من جراء عهود وعقود من سيطرة الإمبراطوريات الأوروبية. بعدها بدأت الصين تمد بصرها جنوبي المحيط الأطلسي إلى قارة أميركا اللاتينية، خاصة وقد سلكتها المجامع الاقتصادية الدولية مع البرازيل ـ كبرى أقطار تلك القارة ـ في مجموعة «بريكس» جنبا إلى جنب مع جارتها الهند ثم روسيا التي بدأت معها تعاونها النفطي على نحو ما أشرنا إليه في صدر هذا الحديث.
تطورات المستقبل
على أن المشهد الصيني يحتاج من الآن إلى أكثر من وقفة تحليلية ترصد تطوراته وتستشرف مآلاته ومن منطلق بديهي، هو أن الصين باتت تجسد رقما بارزا وعددا صحيحا في معادلة التوازن الاقتصادي ومن ثم السياسي في طول عالمنا وعرضه على السواء.
هذا الرصد التحليلي لا بد وأن يقف بالتأمل عند أكثر من موعد محدد ومرسوم على النحو التالي: اليوم الأول من شهر يوليو المقبل، هو موعد الاحتفال بالذكرى التسعين لإنشاء الحزب الشيوعي الصيني الحاكم في البلاد، وهي مناسبة من المتوقع أن تشهد حوارات ومجادلات ومعارضات في إطار الديمقراطية المركزية التي يعتمدها الحزب المذكور بين قياداته وكوادره، ومن خلالها تتبلور صورة البلاد في المستقبل في جميع أبعادها. بعدها يأتي عام 2012، وهو بدوره الموعد المحدد لتقاعد قيادات الصف الأول في الصين وعلى رأسها كل من رئيسها «هوغنتاو»، ورئيس وزرائه «وين جياباو».
وفي توقعاتها تصف مجلة «الإيكونومست» البريطانية مليا موعد التقاعد المذكور في العام المقبل لتقول إن الصين تستعد لاستقبال قادة جدد يتولون أمورها.. ولكنها تلتزم في كل هذا جانب الحذر والاحتياط.
