شهد منتصف ديسمبر المنصرم تحولا سياسيا بالغ الخطورة حين أعلنت واشنطن، على لسان وزارة خارجيتها، أنها لن تمارس الضغط على إسرائيل من أجل وقف المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية، ولا سيما في القدس الشرقية. ويومها حذر مراقبو شئون الشرق الأوسط من أن هذا الإعلان يرادف، أو يكاد يرادف، تخلي أميركا عن دورها الذي ارتضته أطراف الصراع على نحو أو آخر من حيث التوسط الإيجابي أو الاضطلاع بدور «الكاتاليست »ـــ العامل المساعد أو الوسيط الحفاز في التفاعل الكيميائي من أجل التوصل إلى تسوية سياسية تتسم بدرجة مقبولة أو معقولة من الفعالية أو المصداقية لقضية الصراع الفلسطيني ـــ الإسرائيلي وهي، كما هو معروف، محور الأزمة المستحكمة في منطقة الشرق الأوسط. بعدها.. تدفقت سيول التحليلات والتوقعات السياسية وربما كان من أبرزها ما قيل عن سقوط نظرية سبق إلى الجهر بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات حين أعلن منذ أكثر من ثلاثين عاما بأن أميركا تملك في يدها ‬99 في المائة من أوراق الحل في الشرق الأوسط.

سقوط الرهان

كان السادات يراهن أولا على ما تولد من زخم التفاؤل بعد زيارته الشهيرة إلى إسرائيل، وعلى الجهود الحثيثة التي كانت قد بذلتها إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر في الجمع بين طرفي النزاع العربي الإسرائيلي، وربما على وجود أجنحة بدأت تنشط وتقوى ضمن تركيبة الحكم والسياسة داخل الكيان الإسرائيلي، وخاصة على مستوى زعامات في حزب العمل من أمثال شيمون بيريس أو على مستوى قيادات عسكرية تحولت إلى العمل السياسي من أمثال إسحق رابين.. وكانت مثل هذه القيادات تطرح مواقف وتشجع منطلقات تحت شعارات الدعوة إلى السلام، وصولا إلى المبدأ الذي ما لبثت أن تبنته بدورها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون تحت عنوان «الأرض مقابل السلام»، فضلا عما سبق من تسجيل الإدارة الأميركية ممثلة في الرئيس الأسبق بوش ـــ الأب موقفا يعد إيجابيا حين مارس الرئيس المذكور ضغوطا على إسرائيل برفضه تزويدها بإمكانات وتسهيلات مالية كانت تحتاجها لدفع عجلة الاستيطان غير المشروع إلى مواقع جديدة، غير مشروعة بدورها.

.. أو فلنقل جاء من ناحية أولى ليشكل انهيارا لنظرية التسعة والتسعين في المائة من الأوراق التي تتميز بها أميركا.. فيما جاء من ناحية أخرى ليشكل تراجعا نكوصيا كما قد نسميه إلى ما سبق ما سجلته السيدة «كوندوليزا رايس» في مانيفستو السياسة الخارجية لرئيس جمهوري كان جديدا مع مطلع هذا القرن الجديد، حين ذكرت أن إدارة هذا الرئيس ـــ الجمهوري الجديد وهو جورج بوش ـــ الابن لن تضع الشرق الأوسط على رأس أولوياتها.. بل ستكون الأولوية في تصور السيدة رايس التي شغلت، كما هو معروف، موقعي مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية ـــ هي لقارة أميركا الجنوبية التي ظلت مراجع السياسة الخارجية لواشنطن تتعامل معها على أنها «الردهة الخلفية» للولايات المتحدة منذ أمد بعيد زمنيا، قد يرجع في تصورنا إلى مبدأ رئيس أسبق هو جيمس مونرو الذي أعلن منذ عام ‬1824 هيمنة الولايات المتحدة على مجمل النصف الغربي من الكرة الأرضية (هيميسفير) الذي يمتد من الناحية الجغرافية من كندا في الشمال إلى شيلي في أقصى الجنوب مرورا بالطبع بالولايات المتحدة وأميركا الوسطى الكاريبية ثم وصولا إلى الكيان الهسباني الذي ما زال يعرف باسم أميركا اللاتينية.

سحابات التشاؤم

في كل حال.. سيطرت أشباح التشاؤم بعد إعلان وزيرة الخارجية لأميركا الذي أشرنا إليه والذي قرأه المعنيون رغم صياغته الدبلوماسية على أنه تخلّ من جانب واشنطن عن دورها المتواتر في هذا السياق. وقد ذكرت السيدة هيلاري كلينتون في حفل عشاء أقيم بمركز «سابان» للبحوث في واشنطن أن إدارتها سوف تعمل على تضييق الثغرات الفاصلة بين الطرفين وعلى طرح أسئلة صعبة بانتظار إجابات ملموسة عليها.. الخ.

كان خطابا مطولا، ومصاغا بعبارات الدبلوماسية الملفوفة وبحيث يحتمل تفسيرات شتى مع تكرار الشعارات البلاغية المعتادة في هذا الصدد، على نحو ما يلاحظ الكاتب السياسي الأميركي جلين كيسلر (جريدة وول ستريت جورنال ـــ عدد ‬20101211). وخاصة عندما تطرقت السيدة كلينتون إلى ما وصفته بأنه جهود الطرفين في إعادة بناء الثقة بينهما والتدليل على جدية موقف كل منهما، والعمل المأمول على التوصل إلى أرضية مشتركة تكفل من ثم إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة والتوصل إلى اتفاق إطاري في هذا الشأن.. الخ

وفي معرض تحليل هذه الجوانب من الخطاب المذكور يذهب البعض إلى أن الدبلوماسية الأميركية تكاد تعود بالأمور إلى المربع الأول، وربما المربع قبل الأول وهو مربع الإجراءات والترتيبات والأبعاد الإطارية وحكاية بناء الثقة.. فضلا عن حكاية العودة، مجرد العودة إلى موائد المفاوضات إلى آخر هذه الدعوات أو الخطوات التي يمكن أن تدخل في باب التهويمات السياسية والتعلل من الجانب الفلسطيني بأمنيات وتوقعات فيما يواجه عمليا خصما يركز كما هو معروف على عنصر كسب كل دقيقة من زمن يتيح استكمال أخبث مشروع للاستيطان العنصري الاستعماري على أرض شعب آخر.

دبلوماسية محترفة

نلاحظ كذلك أن وزيرة الخارجية الأميركية أعلنت بوضوح في خطابها المذكور أن إدارة أوباما الراهنة، شأن كل إدارة سبقتها على مدار عقود من الزمن في البيت الأبيض، ما برحت ترفض الاعتراف بشرعية الاستيطان ـــ وهو ما فهمه مراقبو الشأن الشرق أوسطي بأن إدارة أوباما لم يستول عليها اليأس بعد ولا نفضت يدها تماما إزاء العمل على التوصل إلى حل قضية الصراع الفلسطيني ـــ الإسرائيلي، باعتبار ذلك أمرا يدخل في أجندة المصالح القومية للولايات المتحدة.. وهنا لا بد أن نتوقف مثلا عند تحذيرها من أن استمرار النزاع من شأنه أن يقوي شكيمة قوى الرفض عبر منطقة الشرق الأوسط بأسرها وعلى حساب القوى التي يمكن أن تدعم الدعوة إلى التعاون والتعايش. ثم يصل تحذيرها إلى ذروة بالغة الأهمية حين أضافت موضحة أن هذا الوضع من شأنه بدوره أن يزج بشباب المنطقة إلى معمعة التطرف الراديكالي ومن ثم إلى تنامي أيديولوجيات العنف، وهو الأمر الكفيل، في تصور المسئولة الأمريكية، بأن يقوض دعائم الاستقرار والرخاء في الشرق الأوسط. ومرة أخرى، وبصرف النظر عن الصياغات البلاغية ـــ الزاعقة أحيانا في خطاب المسئولة الأميركية.. يمكن أن نلاحظ أن هذا الجانب المحذر من تنامي دعوات العنف أو من مغبة التطرف الأيديولوجي ـــ «الردكلة» كما حذرت منها السيدة هيلاري كلينتون قد جاء بمثابة حجر جديد ألقت به عبارات الخطاب المذكور في بحيرة السياسة الدولية فتحركت دوائر في مياهها على نحو ما يتضح مثلا من مقال مهم نشرته «النيويورك تايمز» في منتصف ديسمبر لباحث كبير هو «روبرت رايت»، زميل البحوث في مؤسسة «نيو أميركا فاونديشن» الذي يرى أن أهم ما جاء في طروحات السيدة كلينتون هو أنها حذرت إسرائيل من مغبة استمرارها سادرة في عمليات الاستيطان وأوضاع الاحتلال.

حل الدولتين

وغني عن البيان أن الباحث الأميركي لا يصدر عن تأييد أو إيمان بحقوق الفلسطينيين، بقدر ما أنه يصدر عن نظرة ترى في حل الدولتين ما يحقق مصالح إسرائيل بالدرجة الأولى.

يلاحظ الباحث الأميركي المخضرم ما ورد في خطاب وزيرة خارجية بلاده من إشارة تلميحية كما قد نراها إلى ما وصفه الخطاب بأنه «التطور المتواصل في تكنولوجيا الحرب» وهو ما يفضي في رأيها إلى أن ضمان أمن العائلات الإسرائيلية من شأنه أن يصبح أمرا من الصعوبة بمكان.. هذا في حين «أن الاتجاهات السكانية الطويلة الأجل (بين الفلسطينيين).. تمثل بدورها خطرا على الرؤية الصهيونية بالنسبة لدولة يهودية ديمقراطية...».

وبصرف النظر عن هذا الاهتمام الحادب.. الحنون كما نراه على مصالح ومستقبل سكان وعائلات إسرائيل (أين هذا من محنة السكان والعائلات من قاطني المخيمات والمنافي والشتات الفلسطيني) فلن تفوتنا الملاحظات التي علق بها الكاتب هربرت رايت قائلا إن الاجتهاد في ترجمة تصريحات هيلاري كلينتون كفيل بأن يوصل إلى ما يلي:

(أ) في غياب حل الدولتين فإن إسرائيل تعطي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة حق التصويت ثم عليها أن ترصد كيف يؤدي معدل المواليد (المرتفع) بين هؤلاء السكان العرب لتحويل اليهود إلى أقلية.. مجرد أقلية.

(ب) أن تظل إسرائيل سادرة في رفضها حق التصويت للعرب الذين حكمتهم على مدار عقود من الزمن، ومن ثم تجلب على نفسها تهمة الفصل العنصري المقيت (الأبارثيد) بحيث تتحول إلى طرف منبوذ بين مجموعة الدول (على نحو ما كانت دولة العنصريين البيض في جنوب أفريقيا).. وهو ما يكفل بالتالي إضافة المزيد من الوقود للدعايات المعادية لإسرائيل التي يشنها ـــ في رأي الكاتب الأميركي ـــ مشعلو القلاقل في إقليم الشرق الأوسط ومما يثير بالتالي فرص اندلاع حرب كارثية بكل معنى.

ما الحل إذن؟

صحيح أن وزيرة خارجية واشنطن اعترفت بأن أميركا لا تستطيع فرض حل على أي من الطرفين

والعكس هو الأصح كما يتصور الكاتب السياسي الأميركي الذي نحيل إليه، وهو يبدأ طروحاته بشعار الرئيس أوباما المعروف: نعم نحن نستطيع

ويحاول الكاتب أن يفصل اقتراحاته في هذا المضمار قائلا:

- إن الأمم المتحدة خلقت دولة يهودية منذ ستة عقود مضت (عام ‬1947). والأمم المتحدة تستطيع أن تخلق الآن دولة فلسطينية، أي تستطيع (المنظمة الدولية) أن تحدد خطوط الحدود وأن تضع الجداول الزمنية المطلوبة وأن ترسي القواعد المطلوب اتباعها.

والكاتب السياسي الأميركي أيضا لا يفوته في هذا السياق أن يشير إلى عدة عوامل يرى أهمية أخذها بنظر الاعتبار في هذا الخصوص.. ومنها:

(‬1) اعتراف عدد من دول أميركا اللاتينية مؤخرا بدولة فلسطينية ضمن حدود ‬1967 (منها البرازيل والأرجنتين وبوليفيا.. والبقية تأتي).

(‬2) جهود الرباعية الدولية التي تضم، إلى جانب أمريكا.. كلا من روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي يمكن أن تنطوي على وضع مشروع يوصل إلى قيام الدولة الفلسطينية المنشودة بحيث تُعرض على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وساعتها ـــ يضيف هربرت رايت ـــ تدلى أميركا بصوتها تأييدا للمشروع أو تمتنع عن التصويت (وهو ما يرادف عدم استخدام حق النقض ـــ الفيتو المكفول لها).

اليمين الإسرائيلي

بغير ذلك يزداد خطر تحوّل مؤشرات السياسة الإسرائيلية إلى أقصى اليمين وهو ما يراه الكاتب الأميركي من أعمق وأخطر مايكون بالنسبة لاحتمالات المستقبل في ضوء ما يصدر حاليا من فتاوى الحاخامات العنصرية المتشددة إلى وصول شراذم من غلاة المستوطنين (الصهاينة) إلى المراتب العليا من السلك العسكري في إسرائيل.. وذلك على حساب أي عناصر معتدلة كما يسمونها. إن تيار التطرف (ومن ثم التعصب العنصري ـــ هل نقول الإرهابي) في تزايد داخل إسرائيل وبحيث تؤكد مقالة «النيويورك تايمز» أن عدد طلبات مغادرة إسرائيل والتماس الإقامة في أميركا بلغ الضِعف في الفترة بين عامي ‬2000 و ‬2009. في ضوء هذا كله فالدعوة، ما زالت موجهة إلى الرئيس أوباما إلى أن يدرك أن كل يوم يمر ليشهد مستوطنات جديدة من شأنه وخاصة في القدس الشرقية أن يزيد من صعوبة حل الدولتين ـــ ولا سيما الدولة الفلسطينية التي لن تكفل حدودها ـــ في حال استمرار الاستيطان أي شعور بالكرامة للفلسطينيين كما يؤكد الكاتب الأميركي، ويما يكفل سلاما دائما في المنطقة. وبديهي أن الرئيس أوباما، سوف يسمع في كل حال ضجيجا يصخب من حوله وخاصة من جانب اللوبي المؤيد لإسرائيل في أميركا.

هنا ينصح الكاتب الأميركي أن يضع أوباما السماعات التقليدية على أذنيه كي تعزله عن صخب اللوبي الإسرائيلي ومن ثم يمضي أوباما في طريقه إلى حيث تستلم الأمم المتحدة (مجلس الأمن) زمام المبادرة.. وبعدها يتنبأ «روبرت رايت» بأن المقاومة السياسية الداخلية سوف تقتصر على الجناح اليميني من الرأي العام اليهودي في أميركا ثم يضيف هذا المحلل السياسي الأميركي قائلا: سوف تتجمع قطاعات شاسعة من اليهود الأميركيين والإسرائيليين تأييدا لهذه الخطة لأنها تنطوي على وعد بأن السلام الدائم يمكن أن يكون قريب المنال.

البيت الأبيض والتأثير على إسرائيل

راجت في أدبيات السياسة الدولية مصطلحات تصدق بالذات على دور الولايات المتحدة الأميركية، بوصفها قوة عظمى دولية، بالنسبة لالتماس حلول ناجعة وفعالة لقضية الشرق الأوسط وفي قلبها بطبيعة الحال قضية الصراع الفلسطيني ـــ الإسرائيلي، الذي يعد في جوهره صراعا بين قوة احتلال واستيطان تجسده الحركة الصهيونية وبين قوة تحرير ودعوة إلى تقرير المصير والدولة المستقلة التي يطمح إليها، وبحق، الشعب العربي الفلسطيني. وقد راج من هذه المصطلحات تعبير «الكاتاليست» بمعنى أن تضطلع واشنطن ـــ حسب اجتهاد سبق إليه وزير خارجيتها الشهير هنري كيسنجر ـــ بدور العامل المساعد أو الوسيط الحافز على التفاعل بين أطراف القضية، وهو دور سبق وأن عززته أيضا اعتبارات الرئيس المصري الراحل أنور السادات بأن أميركا تمتلك ‬99 في المائة من أوراق الحل. ثم ها هي الفترة القريبة الماضية تأتي لكي تشهد ما توصلت إليه إدارة الرئيس أوباما الراهنة، في تصريحات أدلت بها بالذات وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ومؤداها ـــ رغم صياغاتها الدبلوماسية الحاذقة، أن أميركا ستكّف عن هذا الدور الفعال الذي يتعاطى عن قرب أو عن التزام بالتماس الحل المنشود لقضية الشرق الأوسط وخاصة فيما يتصل بالضغط على إسرائيل من أجل إيقاف عملية الاستيطان التي من شأنها أن تحول دون قيام الدولة الفلسطينية المنشودة.

مع ذلك فقد شاءت جدليّات هذا الموقف، السلبي في مجمله، إلا أن يسفر بدوره عن طروحات مستجدة على المشهد الأميركي ذاته. وقد عبرت عنها مثلا مقالات واجتهادات لعدد من المحللين والخبراء والمراقبين من إسناد الدور الفعال المطلوب إلى منظمة الأمم المتحدة وبرعاية أميركية وهو ما يجنّب إسرائيل مغبة استيلاء اليمين العنصري المتطرف على مقاليد سياستها الداخلية فيما يحقق المصالح القومية العليا للولايات المتحدة ذاتها. ويكفل التوصل للسلام المأمول في الشرق الأوسط. البعض يرى أن الخطأ منذ البداية كان خطأ إدارة أوباما التي أرادت استخدام الملف الإسرائيلي - الفلسطيني كوسيلة للتقرب من العرب والمسلمين دون وعي واستيعاب جيد لحساسيات وظروف ومشاكل هذا الملف، وأن هذا ما صدم الرئيس أوباما وأصابه بإحباط شديد عبر عنه صراحة بأنه لا يستطيع فعل شيء، تصور أوباما أن التعامل مع هذا الملف ليس أمرا صعبا، خاصة أن المطلوب من الأطراف ليس مستحيلا، لكنه لم يستوعب التطور الزمني لمراحل هذا الملف، ولم يستوعب أيضا حقيقة هامة، وهي أن إسرائيل نفسها التي تتعامل مع واشنطن على أنها الحليف الأوحد لها، لا تقبل في نفس الوقت أن تترك لواشنطن أي مساحة من الحرية للتعامل مع هذا الملف.

ومع هذا فإن إسرائيل تسمح للرؤساء الأميركيين بالتظاهر بأنهم أصحاب نفوذ وبأنهم الرعاة لعملية السلام، وبأنهم حتى أصحاب مصلحة في السلام، ولكن هذا كله في إطار التظاهر وليس في إطار التنفيذ، وعندما تدخل جيمي كارتر عام ‬1978 كوسيط مباشر في السلام بين مصر وإسرائيل بدا وكأنه هو الذي فعل كل شيء وبذل الجهود الكبيرة لتحقيق هذا السلام، مع أن الواقع أن كارتر نفسه لم يكن يعرف كيف تسير الأمور، وكان يستدعى فقط عندما تكون الأمور قد حسمت بين الطرفين، ومباحثات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل كان كل ما حدث فيها متفقاً عليه من قبل اللقاء في كامب ديفيد، وما بدا من مشاكل في اللقاء الأخير كان أكثره شكليا وإعلاميا، أما الاتفاق فقد كان محسوما تماما ومتفقاً على كافة بنوده قبل تدخل الإدارة الأميركية، ورغم هذا بدت واشنطن وكأنها صاحبة الفضل الأكبر وراعية عملية السلام.

على هذا الأساس تتعامل إسرائيل مع سياسة الإدارة الأميركية، وهي على ثقة تامة بأن شيئا لن يحدث رغما عنها أو ضد مصالحها.