محمد الخولي
المراقب ـــ عن كثب ـــ للمشهد السياسي الأميركي الراهن لن يفوته أن يرصد منذ الوهلة الأولى تلك السفينة التي تتناوشها أنواء الظروف وتشدد المعارضة وعواقب الأزمات.. هي السفينة الرئاسية التي ما زال يمسك بدفتها الرئيس باراك أوباما.. وخاصة مع مطلع عام جديد تسلّم من العام الذي سبقه رسالة بالغة السلبية بالنسبة للإدارة الأميركية الراهنة وتجسدت كما هو معروف في فقدان حزبها الديمقراطي ـــ حزب الرئيس أوباما ـــ أغلبيته في مجلس النواب فيما لا يزال يجاهد للإمساك بتلابيب أغلبية محدودة العدد ومن ثم هيّنة التأثير في مجلس الشيوخ.
تأبيد الشباب
ثم هناك أيضا الاهتمام بالسيد باراك أوباما على وجه الخصوص.. لماذا؟ لأن ارتقاءه إلى سّدة المنصب الأول في أميركا جاء منطويا على أمل، أو شيء من الأمل في مبدأ الفرصة ومبدأ الطموح، وتلك مبادئ من أهم ما يكون لاستمرار حياة البشر. وقد اهتدت بجذوة الأمل والطموح مسيرات تدفع أجيالا من الشباب بخاصة إلى التعلم والاجتهاد والتطلع إلى ما هو أفضل وأرقى، والنضال بالعلم والجهد للخروج من الحلقات المفرغة التي قد تستدعي أشباح اليأس أو الإحباط، وخاصة في أقطار العالم الثالث.
ولقد كان من حظنا أن أتيحت لنا فرصة الوجود في زيارة كانت مطولة لأميركا خلال ملابسات الحملة الانتخابية التي أوصلت المرشح الديمقراطي الملون الشاب الذي يحمل اسما له إيقاع إسلامي وأصداء من لغة العرب ـــ لكي يصبح رئيسا للولايات المتحدة. ولاحظنا من متابعة هذه الملابسات أن المرشح الناجح وقتها ـــ باراك حسين أوباما ـــ كان موفقا غاية التوفيق حين طرح شعاره الأثير وهو: نعم.. نحن نستطيع.
هذه الكلمات الثلاث كان لها موضوعيا فعل السحر، وخاصة في نفوس الأجيال الطالعة من شباب أميركا الذين كانوا يستعدون وقتها للإدلاء بأصواتهم في أول تجربة لكل منهم أمام صناديق الاقتراع، ومن ثم كانت هذه الأجيال الشبابية هي القاعدة ـــ الأساس لاختيار المرشح المثقف ذي الأصل الأفريقي والنشأة المتواضعة والسيرة المكافحة التي أوصلته إلى هارفارد ـــ كبرى جامعات أميركا.. دارسا وخريجا ومدرسا واعدا للعلاقة بين علم السياسة وأصول القانون. زاد من «شبابية» هذه العملية السياسية ما بين مرحلتي الترشيح والانتخاب، ومن ثم الفوز الحاسم، حقيقة استخدام هذه الجموع الحاشدة من شباب الناخبين الأمريكيين أحدث وسائل التواصل والترابط ممثلة في سبل البريد الإلكتروني وسائر إمكانات الحاسوب، وهو ما أضفى على عملية نجاح أوباما طابع الجِدَة والحداثة والفعالية وربما الحميمية من حيث الشكل وأيضا من حيث الموضوع.
إعادة الجسور
مع ذلك.. ها هما العامان المنصرمان من الولاية الأولى للرئيس الأميركي الشاب يشهدان في ختامهما الحالي حالة من تقلصّ جذوة الأمل التي طالما كانت متقدة في نفوس شباب الناخبين الأمريكيين الذين كانوا يرون في «مرشحهم» باراك رمزا للطموح الوثاب، خاصة وقد كانت بدايات باراك أكثر من مشجعة بل أكثر من واعدة.. كيف لا وقد بدأ بزيارة لأوروبا الغربية وأفلح بعدها في رأب الصدع أو فلنقل ترميم الجسور أو الأسوار على حد ما يقول التعبير الأمريكي، بعد ما نالها من تداع وتدهور بفعل تصريحات كانت غير مسئولة في معظمها سبق وأدلى بها السيد رامسفيلد وزير الدفاع في ولاية بوش السابقة، وكان أشدها كما هو معروف ـــ ما ذهب إليه رجل البنتاجون الأول على رؤوس الأشهاد من وصف أوروبا بأنها «العجوز» وهو ما أضاف إلى وصف الأوروبيين بأنهم ينتمون في طوالعهم أو أبراجهم الفلكية إلى الكوكب «فينوس» رمز الأنوثة والليونة فيما ينتمي قومه الأميركان إلى الكوكب «مارْس» رمز الخشونة والصلابة.. الخ.
بعدها عمد الرئيس «الجديد» أوباما إلى مدّ جسور جديدة وكم كانت واعدة بدورها مع العالمين العربي والإسلامي: تجلىّ هذا التوجه الأوبامي الإيجابي بكل معنى في خطابه الأشهر بجامعة القاهرة في صيف عام 2009 وهو الخطاب الذي أفضى إلى صعود بورصة المراهنات السياسية على ربيع متألق من علاقات واشنطن بدنيا وشعوب العروبة والإسلام. وبديهي أن كانت المراهنات لا تقتصر على عبارات المجاملة أو تعبيرات الإطراء أو المديح الدبلوماسي بقدر ما كان الطرف الآخر ـــ العرب بالذات ـــ يتطلعون إلى دور فاعل.. أشد إيجابية وأعمق إنصافا تضطلع به الولايات المتحدة في قضية الصراع بين شعب فلسطين العربي والاحتلال الإسرائيلي الصهيوني.
التركة الفادحة
مع هذا كله .. فقد أضحت إدارة أوباما ـــ كما قد نتصور ـــ أسيرة لتركة المشاكل التي ورثتها عن الإدارة السابقة.. وكان في مقدمتها بالطبع أن ورثت عن سلفها تكاليف حربين في أفغانستان والعراق بكل ما يسفر عن الحرب، أي حرب، وعن المجهود الحربي، أي مجهود حربي في عصرنا، من تكاليف مادية ومغارم بشرية وندوب سيكولوجية.. فما بالنا وقد كان من أثقال هذه التركة الفادحة أزمة مالية ـــ اقتصادية لم يكن أقلها مثلا إفلاس عدد من أكبر المؤسسات الاقتصادية في أميركا وربما في العالم (مؤسسة أي. آي. جي للتأمين + مؤسسة ليمان برزرز للتمويل والاستثمار على سبيل المثال).
صحيح أن إدارة أوباما لجأت كما هو معروف إلى ما أصبح يعرف باسم «حزمة الإنقاذ» أو «مجاميع الانتشال». وصحيح أن هذه البلايين التي عمد مستشاروه الاقتصاديون إلى ضخّها في شرايين منظومة المال والأعمال في أميركا أدت إلى تخفيف وطأة الأزمة نوعا ما، وبالذات ما يتعلق بأبعاد شبح الانهيار والإفلاس عن مؤسسات كبيرة وفاعلة أخرى في الحياة الاقتصادية بالولايات المتحدة. لكن الأصح أن هذا كله لم يكن ليحدث تأثيره الفعال على أجيال الشباب التي كان لها الفضل كما ألمحنا في الوصول بالسيد أوباما إلى موقع الرئاسة الأول في البلاد.
أجيال الشباب يؤثر فيها بالدرجة الأولى حالة العمالة في بلادها.. وهي بحكم السن والطموح إلى ولوج باب الحياة العملية ـــ تكاد تركز اهتماماتها على فرص العمل المتاحة أمامها كي يبدأ الشباب حياته ويكسب عيشه ومن ثم يتمكن من تحقيق استقلاله الاقتصادي والمعاشي حيث يشكل هذا الاستقلال، حتى في المسكن، أحد الأقانيم الجوهرية في منظومة حياة شباب أميركا وشاباتها أيضا.
انكماش التأييد
من هنا بدأت استطلاعات الرأي تحذر من انكماش مطرد ومنذر بالخطر في قاعدة تأييد الرئيس أوباما التي تشكل أجيال الشباب الأميركي أساسها الوطيد، أو الذي كان وطيدا منذ عامين مضيا.. فيما يتمثل الخطر على مدار عامين قادمين توشك أيامهما أن تبدأ ومن المقرر أن يشهدا وقائع الاستعداد ومن ثم التفعيل والتنفيذ المرتبطة بترشيح السيد أوباما للولاية الثانية التي يكفلها له دستور البلاد، في الوقت الذي أعلن فيه الخصوم الجمهوريون ـــ أو أعلن بعضهم على الأقل ـــ وبصورة لا تخلو من الاستفزاز السياسي والنفساني أيضا أنهم بصدد أجندة عمل مستقبلية لا تضم سوى بند وحيد فقط لا غير وهو: أن يصبح باراك حسين أوباما رئيس الولاية الواحدة .
هؤلاء الجمهوريون لا ينسون مثلا أن السيد بوش ـــ الأب أصبح رئيس الولاية الواحدة رغم خبرته الواسعة والعميقة والطويلة ما بين 8 سنوات أمضاها نائبا للرئيس ريجان في البيت الأبيض + مناصب رفيعة وحيوية اضطلع بها وحقق فيها نجاحات لا تنكر حين كان أول سفير لأميركا لدى الصين وكانت مهمته تاريخية بكل معنى، ثم كان مندوبا لأميركا لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك، فيما تولى السيد بوش ـــ الأول أيضا منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية في واشنطن .. ناهيك بدخول بوش معمعة انتخابات التجديد الرئيسي في مطالع التسعينات ومن خلفه إنجازات حملت طابعا عسكريا وسياسيا يلخّصها نجاح التحالف الذي قادته واشنطون أيامها في حرب تحرير الكويت. ورغم هذه السيرة الشخصية الحافلة بالنجاحات إلا أنها لم تحل دون حرمان الرجل من استحقاق الولاية الرئاسية الثانية، ولصالح مرشح ديمقراطي شاب اسمه «بيل كلينتون» استطاع بدوره أن يحرم الجمهوريين من مقاليد السلطة على مدار 8 سنوات من عقد التسعينات. ورغم جهود الخصم الجمهوري في التنديد بالسيد كلينتون وسط ملابسات فضيحة «لوينسكي» الشهيرة، إلا أن حوليات السياسة الأميركية وضعت الفضيحة المذكورة في منطقة الضباب الرمادية من السجل الرئاسي الأمريكي، ولصالح تسجيل إنجاز مرموق لا ينكر وخاصة بمقاييس الأزمة المالية الراهنة وهو أن كلينتون ترك ميراثا ماليا مرموقا بكل مقياس ومتمثلا في فائض تحقق في الميزانية القومية الأميركية وصل إلى نحو 800 مليار دولار.
التعاون مع الخصم
في كل حال يكاد مراقبو الشأن الأميركي يسلّمون بالموقف الصعب الذي أصبح يحف الرئاسة الأميركية الراهنة رغم كل اجتهادات الرئيس الديمقراطي الذي أصبح مكتوبا عله أن يواجه مجلسا نيابيا تسيطر فيه أغلبية المعارضة الجمهورية التي زاد من شراستها نجاح القوى المحافظة في أروقة السياسة والحياة الأميركية في تعبئة النفوس غضبا ضد إدارة أوباما، وفي استغلال عقابيل الأزمة الاقتصادية ـــ فضلا عن آفة البطالة التي تكاد تلامس حد الخطورة الداعي إلى إضاءة كل لمبات الإنذار الحمراء وهو نسبة العشرة في المائة من مجموع القوى العاملة أو الباحثة عن العمل في الولايات المتحدة.
ومن هؤلاء المحللين من أنكر على الرئيس أوباما محاولاته الدؤوبة للتعاون مع الخصم الجمهوري وخاصة بعد نجاح الخصم ـــ كما أسلفنا ـــ في انتخابات التجديد التشريعية في شهر نوفمبر الماضي.. صحيح أنه يسجل للسيد أوباما مقدرته على الاحتفاظ بهدوء أعصابه أو اتزانه السياسي وهو يمد غصن زيتون إلى المعارضة من منطلق أن الأزمة المالية قضية قومية بالأساس ومن ثم فهي تستدعي بحكم التعريف شراكة من الحزبين في معالجتها والتماس حلولها بدلا من الانغماس في صراعات حزبية على حساب مصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة في البلاد، وذلك على نحو ما أشار إليه أوباما في خطابه بتاريخ 6/12/2010.
عقدة ستوكهولم
لكن هناك من المحللين السياسيين من ينعي على أوباما أنه يمالئ خصومه لدرجة أنهم كادوا يستوعبوه أو على حد ما ذهب إليه كاتب سياسي مهم هو «فرانك ريتش»: أن أوباما أصبح أسيرا لآفة تحمل الاسم التالي: عقدة ستوكهولم
هي العقدة التي تطرح تعريفها أدبيات مكتب المباحث الفيدرالي الأميركي على أنها: «رضوخ الرهينة إزاء مختطفها» وبمعنى أن المجرم الذي يختطف الرهائن يحاول أو يظهر أحيانا بمظهر طيب أمام هؤلاء الرهائن الذين يحتجزهم .. كأن يحرص على طعامهم أو يسهر على شيء من راحتهم فإذا بالرهائن يتحولون إلى قدر من الانجذاب إليه أو إلى التماس الجوانب الطيبة فيه.
يكتب «فرانك ريتش» مقالا مطولا يرى فيه أن أوباما قد أصبح في حكم الرهينة لخصومه الجمهوريين الذين لم يتورعوا عن النيل من شخصيته وأحيانا نشأته وأحيانا من لون بشرته .. فضلا عما يسلكونه من أعمال التحريض والإثارة مستغلين ذك الفصيل المستجد على مسرح السياسة الأميركية وقد أصبح معروفا باسم «حفلات الشاي» مرادفا لغلاة العناصر المحافظة والرافضة مثلا لتدخل الدولة من أجل إصلاح الاقتصاد الذي عبثت به أيادي الطامعين والمغامرين والمحتكرين.
وفي اتهامه الرئاسة الأميركية بعقدة أو «متوالية» ستوكهولم المذكورة أعلاه ـــ يشير الكاتب ريتش (نيويورك تايمز ـــ الملحق السياسي بتاريخ 5/12) ـــ إلى تبني البيت الأبيض للطروحات الاقتصادية التي سبق إلى تبنيها والترويج لها الخصوم الجمهوريون وخاصة ما يتعلق بإعلان الرئيس الأميركي مؤخرا عن تجميد أجور موظفي الدولة الاتحاديين لمدة عامين قادمين ـــ دعك من تبني تمديد قانون خفض الضرائب الموروث من حقبة بوش ـــ الجمهورية بدورها ـــ وهو ما يراه كثير من معلقي الديمقراطيين بوصفه ينطوي على ممالأة الشرائح الأغنى في المجتمع الأميركي وعلى حساب القطاعات الأفقر التي ما برحت في حالة حصار اقتصادي، خانق في بعض الأحيان، ولا سيما في ظل أزمة البطالة التي ما زالت الإحصاءات الرسمية الصادرة مؤخرا تنذر بتفاقمها وغياب حلول ناجعة لها على الأقل في مدى المستقبل القريب.
عن البطالة والرئاسة
في نفس السياق، يحذر محللو الشأن الرئاسي في تاريخ أميركا ـــ القريب من أن وصول معدل البطالة إلى 8 في المائة ـــ فما بالك بزيادته، ظل أمرا خطيرا على أي رئيس مرشح لولاية ثانية وتشهد بهذا تجربة الحياة السياسية في أميركا بعد الحرب العالمية الثانية .. وقوامها بالطبع فترة 65 عاما أو نحوها. وخلال هذه الفترة تقدم إلى الترشيح للولاية الثانية 4 رؤساء ولم يكن ينقصهم سجل للنجاح أو المنجزات السياسية. والحاصل أن ثلاثة من هؤلاء الرؤساء فشلوا في الانتخابات ودخلوا تاريخ بلادهم من باب تعلوه لافتة «رئيس الولاية الواحدة» وهم: هنري فورد وجيمي كارتر وجورج بوش ـــ الأب.
من هنا يحذرون السيد أوباما من مغبة هذه النسبة التي يرونها منذرة بالخطر إذا لم يتم خفضها في مرحلة ما من مراحل السنتين الوشيكة الحلول.. بل وفي فترة مبكرة تكفي لإقناع الناخبين وخاصة أجيال الشباب المتطلعة إلى سبل العمل وكسب الرزق والانخراط في سلك الحياة العملية.
ومرة أخرى لا يخفي الكاتب «فرانك ريتش» تقديره للرئيس أوباما.. وقد شهدت كتاباته العديدة أكثر من تعبير سياسي من كاتب كبير إزاء رئيس شاب كان، ولعله ما زال، معقدا للآمال. ولكن ها هو الكاتب يحذر الرئيس الديمقراطي من مغبة الاستسلام لسياسة الممالأة أو المهادنة أو الاسترضاء بالنسبة للخصوم من الحزب الجمهوري، وفي هذا السياق يقول «ريتش»: حذار من أن يلقى الرئيس أوباما خصومه الجمهوريين ملوحا بغصن الزيتون: أنهم لن يتورعوا عن التقاط غصن الزيتون كي يستخدموه لإيذاء الرئيس.
أوباما بين الفشل في الداخل والخارج
جاء ارتقاء السيد باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة الأولى في أميركا تعبيرا منذ سنتين عن آمال جيل من شباب الولايات المتحدة الذي كان قد سئم إلى حد الرفض من السياسات والسبل التي اتبعها أركان الإدارة الجمهورية على عهد سلفه الرئيس بوش ـــ الابن. وربما عبّرت هذه الأجيال التي أيّدت ترشيح، ومن ثم نجاح أوباما، عن هذا التأييد المفعم بالأمل في الشعار الذي طرحوه خلال حملته الانتخابية وهو «نعم.. نحن نستطيع». وربما زاد هذا التأييد تعمقا وتجذرا بفضل ما استهل به الرئيس أوباما ولايته الأولى من ترميم الجسور مع الحلفاء الأوروبيين الذين نالهم من وزير الدفاع السابق رامسفيلد شيء من الاستهانة.. بقدر ما كان محل التقدير إطلالة أوباما الإيجابية على العالميْن العربي والإسلامي على نحو ما تجلّى في خطاب جامعة القاهرة الشهير.
لكن ها هي استطلاعات الرأي في أميركا وقد باتت تهدد إلى حد النذير بتراجع شعبية أوباما، وبمعنى انحسار التأييد الجماهيري الذي سبق وتمتع به، ولاسيما من جانب قواعد مؤيديه من الشباب الذين يهمهم بداهة، وبالدرجة الأولى، إتاحة فرص العمل التي تكفل لهم بدء حياتهم العملية، هذا فضلا عن اشتداد الدعايات المناوئة من جانب الحزب الجمهورية المُعارض وخاصة بحشد العناصر المحافظة المتطرفة المعروفة باسم «حفلات الشاي».
واضطرت الإدارة، في ظل الخسارة الانتخابية وانزلاق شعبية الديمقراطيين وأوباما في استطلاعات الرأي إلى 49 في المئة، إلى تحويل خطابها من التركيز على خطة الضمان الصحي، والتي تعارضها غالبية الأميركيين بشكلها الحالي، إلى تشريعات أكثر ترابطاً مع الأزمة الاقتصادية وهموم الرأي العام.
ويشبه هذا التحول إلى حد بعيد نقلة الرئيس بيل كلينتون في منتصف التسعينات من القرن العشرين بعد خسارة حزبه الأكثرية في الكونغرس، من تداول خطة إصلاح الضمان الصحي إلى استحداث خطة لتحسين برنامج التقاعد والتعاون مع الجمهوريين لصوغ مشاريع تؤيد التجارة الحرة وصولاً إلى تأسيس منظمة التجارة العالمية. إلا أن الخبراء يرون الفارق بين ولاية أوباما وعهد كلينتون ان نسبة البطالة لم تكن تتجاوز 4 في المئة سابقاً فيما هي اليوم 10 في المئة، ما يشكل تفسيراً واقعياً لتحول البيت الأبيض نحو اليسار وليس الوسط كما فعل سلفه.
وبعد سنة من التركيز على الخارج في محاولة لإصلاح سمعة أميركا في العالم العربي والإسلامي، وتحسين العلاقات مع شرق آسيا وروسيا وأوروبا، يفرض الواقع السياسي الحالي واقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس توجيه الاهتمام نحو الشأن الداخلي من أجل تفادي خسارة الغالبية الديمقراطية في الخريف وتقويض الجمهوريين لأجندة أوباما. وفي إطار عملية السلام، يحسم الحديث الذي أدلى به أوباما إلى مجلة «تايم» واعتباره أن الادارة أخطأت في رفع توقعاتها من التنازلات التي يمكن تقديمها للفلسطينيين والإسرائيليين للدخول في المفاوضات، تراجع الإدارة عن مطالبتها بتجميد الاستيطان وخطوات عربية للتطبيع قبل المفاوضات. ويعكس الموقف بالدرجة الأولى إقرار أوباما الضمني بعجزه عن دفع التكلفة السياسية للضغط على إسرائيل في هذه المرحلة المعقدة من رئاسته. إذ قد تعني أي مواجهة بين الرئيس واللوبي الإسرائيلي في العاصمة، خسارة تشريعات في الكونغرس وأزمة بين البيت الأبيض والنواب القريبين من مجموعات الضغط الإسرائيلية والتي تمول الكثير من حملاتهم الانتخابية. من هنا حاول مستشار أوباما، رام ايمانويل التخفيف من نسبة التشنج بين الجانبين، والتأكيد لدبلوماسيين إسرائيليين أن أوباما سيزور إسرائيل في الأشهر الستة المقبلة، وذلك للمرة الأولى منذ انتخابه رئيساً.
لقد عمد بعض كبار المحللين السياسيين في أميركا إلى انتقاد خطوات أوباما، أو محاولاته مهادنة أو استرضاء الخصم الجمهوري الذي يكاد يحكُم الحصار على إدارته الديمقراطية مع التحذير من مغبة الحقيقة التاريخية التي تشهد بأن أي رئيس للولايات المتحدة تقدّم لنيل الولاية الثانية لقي مصير الفشل في ظل تفاقم أزمة البطالة.
