في ضوء عقيدة بوتين.. ماذا تفعل تركيا جنوب القوقاز؟

جانب من الحرب بين أرمينيا وأذربيجان | رويترز

خلال سنوات، منذ انتصار روسيا في الحرب مع الشيشان، وإحكامها القبضة على الفضاء السوفييتي السابق، بشكل تام، بحلول العام 2010، سرت قاعدة استراتيجية أمنية في عهد الرئيس فلاديمير بوتين «ممنوع العبث بأمن دول الاتحاد السوفييتي السابق». تلقى العالم الرسائل واستوعبها إلى حد ما، خصوصاً خلال محاولة جورجيا قمع حركة الحكم الذاتي في أوسيتيا الجنوبية، عام 2008. العملية الروسية كانت بداية عهد جديد دشّنه بوتين، حين كان رئيساً للوزراء، وسمعت أصداء الصفعة الروسية لجورجيا في كل أنحاء دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بناءً عليه، حين توجه بوتين بخطاب إلى الشعب الروسي، عشية التدخل العسكري المباشر في سوريا، عام 2015، حرص على تضمين كلمته جوهر العقيدة الروسية الجديدة، ليعلن أن العملية العسكرية الروسية في سوريا «هي إجراء وقائي لمنع وصول الإرهاب إلى روسيا، وبلدان رابطة الدول المستقلة» التي تضم البلدان السابقة في الاتحاد السوفييتي. وبالفعل، كانت الأرض السورية الواقعة تحت سيطرة المعارضة مسرحاً لآلاف المقاتلين القادمين من الفضاء الروسي، خصوصاً الشيشان، وباتت الحرب الروسية في جزء كبير منها هي الحلقة الخارجية لحرب الشيشان الثانية التي انتهت عام 2009. وتم تحقيق أهم أهداف الرؤية البوتينية، وهو نقل الخطوط الدفاعية من الحدود الروسية إلى ساحات خارجية بعيدة، مثل منطقة دول شرق المتوسط وجنوبها.

لكن شيئاً ما تغير في خريف 2020، وبات الإرهاب الذي تلاحقه روسيا في سوريا، وقد انتقل إلى جنوب القوقاز، بمسارات طيران علنية يمكن رصدها حتى من الإنترنت.

شنّت أذربيجان هجوماً على منطقة متنازع عليها مع أرمينيا، ودخل البلدان في حرب عنيفة استخدمت فيها الصواريخ الباليستية، وكل صنوف أسلحة الحرب الثقيلة والمدمرة. بعد مرور عشرة أيام على الحرب، لم يحقق أي من الطرفين نصراً كبيراً، لكن المعادلة الأمنية تغيرت بسبب عدم تحرك روسيا لمنع النزاع، وعدم ممانعتها المشاركة التركية النشطة في الحرب إلى جانب أذربيجان، بل إن القيادة التركية، وفق كل تقارير الاستخبارات، الروسية والدولية، نقلت آلاف المرتزقة من فصائل المعارضة السورية، الذين تعتبرهم روسيا إرهابيين، إلى جنوب القوقاز للقتال ضد أرمينيا.

هل كان التحرك التركي رغماً عن إرادة روسيا؟ ربما تقوم تركيا بمثل هذه المغامرة، تحدي الإرادة الروسية، نوعاً ما، في بلد مثل سوريا أو ليبيا، لكن منطقة جنوب القوقاز ليست ملعباً لتركيا، حتى حين يتعلق الأمر بالفضاء العرقي التركي المنتشر شرق وغرب بحر قزوين. لم يكن مسموحاً لتركيا القيام بنشاط تظهر هيمنتها على مناطق انتشار عائلة اللغات التركية في الفضاء السوفييتي السابق، إلا حين يكون الأمر ضمن غطاء دولي، مثل دعم المجموعة الأطلسية، وهو ما حدث مثلاً في المساندة التركية للمتمردين الشيشان في السابق، لكن لم يجر نقل هذه المساندة على شكل تصريحات مؤيدة، بل كانت تتم دائماً في صمت، لأن التاريخ في المئتي سنة الأخيرة علّم تركيا حدود التمادي مع روسيا، وهي حدود منضبطة، وصلت إلى حد أن واحدة من الأسباب الدولية لاستبعاد فتح الله غولن هو نشاطه الدعوي التركي الإسلامي الحنفي في الفضاء الإسلامي الروسي. كان التخلص من غولن محل ترحيب من جانب روسيا التي لا تقبل نفوذاً يهدد هيمنتها في المجال الحيوي للاتحاد السوفييتي السابق.

بعض المراقبين المخضرمين للعقيدة الروسية القومية ما زالوا غير مدركين للتغير الذي طرأ على هذه الاستراتيجية، وما إذا كان هناك بديل وسياسة جديدة قم تم إقرارها وتقبل شركاء لموسكو في القوقاز. مثلاً، ألكسندر دينكين، رئيس معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وهو أيضاً مستشار للكرملين، يقول في تصريح لوكالة بلومبرغ: «أردوغان يختبر حقاً صبر بوتين... إنه يزعج بوتين أكثر وأكثر».

بحسب التقارير والبيانات، لا شيء أظهر أن بوتين غاضب، على العكس، هناك مؤشرات معاكسة تقول إنه غاضب من رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان.

ويبدو كاتب التقرير في بلومبرغ هو الآخر لم يقرأ التغير، فيقول: «إذا ما أوضح فلاديمير بوتين أمراً على مر السنين، فهو أنه ليس مسموحاً لأي قوة - لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا حتى الصين - التدخل في الشؤون الأمنية لدولة سوفييتية سابقة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات