لا تزال تركيا مصرّة على صنع التوتر وتفجير الأوضاع في منطقة شرق المتوسط، عبر التغوّل في المياه الإقليمية لدول أخرى والتنقيب عن النفط والغاز فيها، وهو الأمر الذي قوبل بإدانات إقليمية ودولية، بل واستعداد لوقف أطماع أنقرة عند حدها، ووقف مغامراتها غير المحسوبة وما يمكن أن تتسبّب فيه من تصعيد الأوضاع وتهديد الأمن والسلم.

لا تعترف تركيا بأن مياه البحر المتوسط ملكية مشتركة، بل تتعامل وكأن المياه ملكها ولها كامل التصرّف فيها، ضاربة بالقوانين الدولية عرض الحائط، في إصرار غير مبرّر على نشر الفوضى وتأجيج التوتر.

تتبنى تركيا مشروعاً تدميرياً في المنطقة في وجهه الأول، فيما وجهه الثاني يحمل بذور الأطماع في مقدّرات الدول الأخرى، ومحاولات غرس أنيابها السامة في أكثر من مكان. لم يكن الاتفاق الذي وقعته أنقرة مع «الوفاق» الليبية سوى ضربة البداية للمخطط العدواني، فيما كان اعتداؤها على اليونان باختراق مياهها الإقليمية ومحاولة التنقيب عن الغاز، فصلاً آخر من فصول العبث التركي، وهو أمرٌ قوبل بالرفض إقليمياً ودولياً، فقد حرّك الأدوات لوقف التمادي في التعدي على حقوق الدول الأخرى، لاسيّما اليونان.

وفي ظل الموقف المتأزم، وإصرار تركيا على التغوّل على حقوق جيرانها، تحاول برلين جاهدة تهدئة الأوضاع، يقودها في ذلك تخوفاتها من أن تؤدّي أصغر شرارة في التسبّب بكارثة، داعية أنقرة وأثينا إلى الحوار وخفض التصعيد، وتراهن على الوسائل الدبلوماسية لحل الخلافات بدلاً من الصدام العسكري.

ويأتي الموقف الفرنسي أكثر حدة وصرامة، إذ ترى باريس بأنّه لا يمكن السماح بجعل منطقة شرق المتوسط ملعباً لـ «طموحات البعض» بل ملكية مشتركة، في إشارة إلى تركيا، وتطالب في لهجة واضحة بأن يكون احترام القانون الدولي القاعدة وليس الاستثناء. وفي اتساق مع موقف برلين، تراهن باريس أيضاً على الحوار والتعاون والدبلوماسية، بما يجعل منطقة شرق المتوسّط مساحة استقرار واحترام للقانون الدولي، فيما تغرّد أنقرة خارج سرب هذه المفاهيم، متبنية توجّهات مناقضة تجعل من خلق التوتر وتفجير الأوضاع لا حياد عنه، فلا الحوار منهج ولا الاستقرار أولوية.

ليس الرهان على الحوار وحده هو الخيار في التعامل مع دولة لا تعرف قيمته ولا تستوعب أهميته، فلا بد لمنطق الردع أن يظهر أدواته، وما التدريبات العسكرية المشتركة التي بدأتها فرنسا وإيطاليا مع اليونان وقبرص، سوى تجلٍ لهذا الخيار، فليس من المقبول ترك شرق المتوسط مسرحاً للعبث التركي.