عندما ظهر رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو حاملاً بندقية كلاشنيكوف ويرتدي سترة واقية من الرصاص أثناء هبوطه من مروحية أقلته إلى مقر إقامته، كان المشهد يشي بما يريد أن يقوله لوكاشينكو ليس فقط للمحتجين، لمن يعتبر أنهم يقفون وراءهم، إذ اتهم حلف الناتو بإجراء تحركات عسكرية على حدود بلاده.

وبموازاة المشهد ذي الطبيعة العسكرية للوكاشينكو، حذّر الجيش من أنه سيرد، هو وليس الشرطة، على أي اضطرابات للمعارضة تقع بالقرب من النصب التذكارية بالعاصمة مينسك التي تشهد ومدن أخرى في بيلاروسيا أو «روسيا البيضاء» مظاهرات منذ التاسع من أغسطس عندما أسفرت الانتخابات، التي وصفها المحتجون ودول غربية بالمزورة، عن فوز لوكاشينكو بفترة رئاسية سادسة.

المشهد في بيلاروسيا يعيد للأذهان ما جرى في أوكرانيا التي شهدت احتجاجات أفضت إلى إسقاط الحكم المقرّب من موسكو، وفي نفس الوقت استعادت روسيا شبه جزيرة القرم، وما زالت المناطق الشرقية في أوكرانيا لم تستقر بعد.

لم تستطع موسكو إنقاذ حليفها في كييف، فهل يتكرر السيناريو في مينسك؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست تنبؤية بل استقرائية. ومن حيث المبدأ يمكن القول إن العامل الذاتي في بيلاروسيا أقوى من العوامل الموضوعية في تحديد الاتجاه. وقد نقل عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله للرئيس الأوكراني المخلوع حين عاتبه: «لا يمكنني أن أفعل شيئاً لنظام هش».

لكن في بيلاروسيا طلب لوكاشينكو المساعدة من بوتين الذي وعده بتقديم «مساعدة شاملة»، لكن في مواجهة تهديدات خارجية محتملة لبيلاروسيا.

سياسة استقلالية

وحسب صحيفة إندبندنت، فإن لوكاشينكو حاول شقّ طريق أكثر استقلالية، ووسّع اتصالات بلاده مع الغرب، ولم يرضخ لرغبات موسكو في بناء قاعدة عسكرية روسية أكبر في بيلاروسيا، وربط علاقات ناعمة مع حلف الناتو، وكافأه الاتحاد الأوروبي في 2016 بإلغاء عقوبات ضد مسؤولين بارزين في بيلاروسيا.

لكن الوضع يبدو مختلفاً الآن، ومع تعرّض سلطة لوكاشينكو للخطر، فقد تخلّى عن مناوراته لتحقيق التوازن بين موسكو والغرب، وعاد إلى روسيا طالباً الحماية.

ولا يمكن اختزال أهمية بيلاروسيا بالنسبة إلى روسيا، بمجرد وجود منشآت عسكرية روسية على أراضيها. وبالنسبة لروسيا التي يغضبها توسع حلف الناتو قريباً من حدودها، ليس سهلاً عليها السماح للغرب بإزاحة حليف آخر على حدودها.

وكانت دول البلطيق انضمت إلى الناتو عام 2004، وأوكرانيا انتقلت سياسياً إلى الغرب عام 2014، وبالتالي باتت بيلاروسيا أحد أهم عوامل ضمان الأمن القومي الروسي، مع ضرورة عدم تجاهل وجود «معاهدة الاتحاد» الموقعة عام 1999 بين روسيا وبيلاروسيا. وما من شك أن إزاحة لوكاشينكو تهدّد «إنجازات» العلاقة مع روسيا، سواء عضوية بيلاروسيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، أو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

رهان حذر

لكنّ ثمة محللين يرون أن روسيا لديها موالون أيضاً في صفوف المعارضة، وهؤلاء يحتجون على سياسات لوكاشينكو الداخلية، لكنهم لا يؤيدون انتقال بلادهم إلى الغرب سياسياً واقتصادياً وثقافياً.

الغرب من جانبه، ممثّلاً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ليس متحمّساً كثيراً للذهاب قريباً من المعارضة البيلاروسية وبعيداً عن موسكو، ربما لأنه لا يراهن على إمكانية النجاح. فالمعارضة تعاني من غياب برنامج واضح، وغياب زعيم قادر على جعل المخاطرة في مزيد من التوتير مع موسكو، ذات جدوى بالمقابل، كما قوتها في الشارع لا تعطي ضمانات بقدرتها على تغيير المشهد، وبالتالي تبدو سياسة الغرب أقرب لمنطق «خط الرجعة».

صحيح أنهم في الغرب، يصفون لوكاشينكو بأنه غير شرعي ويشككون في نتائج الانتخابات، وصحيح أنهم يدعمون المعارضة البيلاروسية سياسياً، لكنّ هذا الدعم يبقى غير مطلق وليس ثمنه القطيعة مع موسكو، ويبدو أن الغربيين يريدون حفظ خط العودة، فإذا فازت المعارضة سيكون من الممكن وقتها سحب البلاد من دائرة نفوذ روسيا، وإذا فشلت سيبقى كل شيء على حاله. ويبدو هذا الموقف مشابهاً إلى حد كبير لموقف الغرب من التدخّل الروسي في سوريا، وهو موقف اعتمد على إدراك الغرب لمصير الوضع السوري بالنسبة لموسكو، لذلك آثر الانكفاء نسبياً.

تنافس

وفي كل أحداث دول الاتحاد السوفييتي السابق، يبقى المشترك هو التنافس الغربي الروسي، فالغرب يريد عزل تلك الدول عن روسيا، وضمها إليه، كما فعل مع دول البلطيق، بينما سياسة موسكو تقوم على إبقاء هذه الدول مناطق عازلة تبعد «الناتو» عن حدودها.

وفي حال نجح المحتجون وداعموهم في تغيير الحكم في مينسك، فإن المرجّح، وفق العديد من المراقبين، حدوث سيناريو مشابه لما حدث في أرمينيا عام 2018، بمعنى وصول شخصية غير معادية لموسكو.

ففي سيناريو أرمينيا، ترأس الحكومة الزعيم السابق لحركة الاحتجاجات نيكول باشينيان، وهو ذو توجّه غربيّ، بديلاً لسيرغي سركسيان المؤيد لروسيا، لكن لم تكن أرمينيا في أية لحظة قريبة من مغادرة أي تكتل اقتصادي أو عسكري يجمعها مع روسيا.