بعد قرار بريطاني.. شبح «الأسطورة السوداء» يخيّم على إسبانيا

مطار برشلونة الدولي خالٍ من المسافرين / رويترز

تحبس إسبانيا أنفاسها من تداعيات القرار البريطاني فرض حجر صحي لمدة 14 يوماً على كل شخص يدخل البلاد من إسبانيا، وهي إحدى أبرز الوجهات السياحية بالنسبة للبريطانيين. ففي حال تبعت دول أوروبية الإجراء البريطاني، في ظل ظهور بؤر نشطة للوباء في اسبانيا، فإن المعاناة التي تنتظر مدريد قد لا تترك لها سوى استدعاء «الأسطورة السوداء» لتفسير هذا «الاستبعاد» من الانفتاح السياحي الأوروبي الضروري جداً لتعويض الخسائر الإسبانية الهائلة في هذا القطاع.

حين أعلنت الحكومة البريطانية عن تصنيف إسبانيا كأحد أسوأ الأماكن لزيارتها للسياح، بسبب «كورونا»، شنّت حسابات إسبانية نشطة على تويتر حملة مضادة، تصدرتها إحصائية ومقارنة. فبين 20 إلى 25 يوليو، كان عدد الوفيات في المملكة المتحدة 426 شخصاً، وفي إسبانيا 12 شخصاً فقط. بناء على ذلك، سادت لهجة اتهامية لبريطانيا، من مؤشراتها أن محرك البحث على تويتر يعطي مئات النتائج لتغريدات نشرت خلال الأيام القليلة الماضية، تتضمن تعبير «leyenda negra» وتعني الأسطورة السوداء باللغة الإسبانية. هذا الاستحضار السريع للمصطلح واستخدامه في تفسير ما يجري يشير إلى تجذّر الارتياب التاريخي تجاه الخارج.

نشأة الأسطورة

في القرنين السادس عشر والسابع عشر، احتدم التنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية، وتحول هذا التنافس إلى حروب في العالم الجديد المستكشف حديثاً (الأمريكيتين)، ولقيت الدعاية الخاصة ضد إسبانيا انتشاراً واسعاً لدرجة باتت كل قصص الوحوش وكائنات الشر الخرافية مرتبطة بالإسبان، مدعومة بوقائع محاكم التفتيش الدينية. وباتت هذه الحكايات جزءاً من الحركة الفنية والأدبية في عصر النهضة الأوروبية. ويشتهر الرسام والمثقف البلجيكي، تيودور دي براي، المتوفي سنة 1598، برسمه لوحات تصور المستكشفين والجنود الإسبان وهم يأكلون ويطبخون لحوم أطفال ونساء.

لعبت هذه الدعاية دوراً في مكافحة النفوذ الإسباني في أمريكا الشمالية، وكذلك شكلت هذه الدعاية مفاضلة ذهبية لصالح بريطانيا التي بدت - وفق مرويات الوحشية الإسبانية - إنسانية وعطوفة على المستعمرات، وربما يفسر هذا أحد مصادر هذه الدعاية التي أطلق عليها الاسبان في القرن التاسع عشر «الأسطورة السوداء».

في مقابلة له مع صحيفة «فاينانشيال تايمز»، في يونيو 2018، تحدث وزير الخارجية الإسباني، الاشتراكي جوزيف بوريل، الذي يشغل حالياً منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، عن أنه قبل منصب الوزارة في الحكومة الإسبانية بهدف كبح وإحباط بوادر إحياء «الأسطورة السوداء» ضد إسبانيا. فبعد إحباط إسبانيا استفتاء استقلال كتالونيا في خريف 2017، وشنها حملة ضد القادة السياسيين لكتالونيا والزج برئيس الحكومة غير المنتخب لهذا الإقليم في السجن، تضررت صورة إسبانيا للغاية على مستوى العالم، وشنت التيارات الليبرالية ومنشوراتها الدعائية حملة تضامن مع كتالونيا، وبات الموقف الإسباني مع كتالونيا يفسر على أساس الإرث التسلطي لقادة إسبان عرفهم التاريخ كطغاة ومستبدين، مثل الملك فيليب الثاني (حكم بين 1556-1598)، أو الجنرال فرانكو (حكم بين عامي 1939 - 1975). كان تعليق بوريل وتفسيره للحملة المضادة لإسبانيا قوله: «لقد عادت الأسطورة السوداء».

ميزان الخسائر

بعيداً عن الدعاية والدعاية المضادة، يترنح الاقتصاد الإسباني على وقع ما قد يتحول من إجراءات احترازية تتخذها الدول لأغراض السلامة، إلى حصار سياحي ضد إسبانيا في حال إضفاء طابع سياسي ودعائي على هذه الإجراءات.

بلغة الأرقام، أدى وباء «كوفيد19» إلى خسارة أكثر من مليون وظيفة في إسبانيا في الفصل الثاني من العام غالبيتها في القطاع السياحي بحسب الأرقام الرسمية التي نشرت الثلاثاء. وأعلن المعهد الوطني للإحصاء أن معدل البطالة ارتفع أيضاً إلى 15,3% في الفصل الثاني.

وبسبب الثقل الذي تشكله السياحة في الاقتصاد الإسباني (12% من إجمالي الناتج الداخلي)، فإن أثر الوباء على البطالة قد يشكل ضربة قوية. وقد تكون الخطوة البريطانية محفوفة بالمخاطر بالنسبة لقطاع السياحة في إسبانيا التي استقبلت 18 مليون زائر من بريطانيا العام الماضي، في أكبر عدد للسياح من دولة أجنبية واحدة.

وتعمل الحكومة الإسبانية على إقناع شركائها الأوروبيين أن الوضع آمن في البلاد لضمان تدفق السياح. لكن أرقام الوفيات في إسبانيا قد لا يكون دقيقاً، لأسباب ترويجية سياحية على الأرجح. فقد أظهر تحقيق أجرته صحيفة ألباييس ونشرته الأحد أن حصيلة وفيات «كوفيد19» في إسبانيا قد تكون أعلى بنحو 60 في المئة من الأرقام الرسمية التي تقف عند 28432. وبإحصاء كل الحالات المشتبه بها والمؤكدة في كل المناطق لمن توفوا بـ«كوفيد19»، خلصت صحيفة الباييس إلى أن عدد الوفيات قد يكون 44868. وإذا كان ذلك دقيقاً يعني أن إسبانيا بها ثاني أكبر حصيلة وفيات في أوروبا بعد بريطانيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات