حرصت بريطانيا على البقاء خطوة خلف الولايات المتحدة وخطوة أمام أوروبا، بخصوص سبل التعامل مع النفوذ الصيني المتصاعد في العالم، لكن في الأيام الأخيرة، كسرت لندن موقفها الوسط بين التردد الأوروبي والاندفاع الأمريكي، وقامت بثلاث خطوات تضعها في قلب محور الحزام الليبرالي المناهض لنفوذ الصين، والمكون بصورة رئيسية من الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا والفلبين.

الخطوة الأولى، حظر استخدام تجهيزات شركة هواوي في بناء شبكة الجيل الخامس في بريطانيا، من خلال إصدار تعليمات لشركات الاتصالات بالتخلص من معدات الشركة الصينية في مجال شبكة الجيل الخامس بحلول عام 2027، مضحّية بمكاسب مالية للشركات البريطانية تبلغ مليارات الدولارات.

الخطوة الثانية، إعلان لندن عزمها توسيع حقوق الهجرة لسكان هونغ كونغ ما يمكن ملايين من سكان المدينة من الحصول على الجنسية البريطانية.

الخطوة الثالثة، نيّة المملكة المتحدة نشر حاملة الطائرات «إتش إم إس كوين إليزابيت» في الشرق الأقصى كجزء من تحالف دولي لمواجهة الصين.

واتخذت بريطانيا هذه الخطوات بعد ضغوط كبيرة من واشنطن، وانتقادات لاذعة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتساهل البريطاني مع ما تسميه واشنطن «تكنولوجيا التجسس الخاصة بالحزب الشيوعي الصيني»، وتوسع الهيمنة الصينية في مناطق نفوذ تقليدية لبريطانيا، مثل جزيرة هونغ كونغ التي كانت تابعة للتاج البريطاني حتى عام 1997.

وتضاعف الإدارة الأمريكية الضغوط على النظام الصيني منذ أن فرضت بكين قانون الأمن القومي المثير للجدل في هونغ كونغ، والذي تعتبر واشنطن وغالبية الدول الغربية أنه يقوّض الحريات الاستثنائية في هذه المستعمرة البريطانية السابقة.

البحث عن حلفاء

وفي رد فعل بكين، حض السفير الصيني في لندن ليو شياومينغ السبت لندن على التخلي عن خطتها الرامية إلى نشر حاملة طائرات في المحيط الهادئ، مؤكداً أنها ستكون «خطوة خطيرة للغاية». وذكر ليو شياومينغ في مقابلة مع صحيفة تايمز أنه «بعد بريكست» تريد بريطانيا أداء دور مهم في العالم عبر التحالف مع الولايات المتحدة ضد الصين.

وتحاول الصين البحث عن حلفاء للمرحلة الجديدة. وفي هذا الإطار لا خيارات كثيرة أمام بكين لضمان حلفاء إلى جانبها سوى أصدقائها التقليديين، وفي المقدمة روسيا. لكن المرحلة الجديدة التي تكون فيها الصين في مقدة العالم المناهض للغرب قد لا يناسب موسكو التي ترى نفسها صاحبة هذا الدور القيادي. رغم ذلك إلى الآن لم تخرج إلى العلن تباينات بين بكين وموسكو.

حرب باردة؟

وتعكس الملفات الشائكة مدى الخلافات، إذ إنّها تشتمل على مستقبل هونغ كونغ ودور عملاق الاتصالات هواوي في تكنولوجيا الجيل الخامس، مروراً بالتيبت وبحر الصين الجنوبي ومسألة مسلمي الاويغور.

وفي تقرير لوكالة فرانس برس، يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رنمين الصينية تشي يينهونغ: «من الصعب توقع المدى الذي سيبلغه تدهور العلاقات»، مبدياً اعتقاده أنّ الخصمين «شرعا في الانتقال إلى حرب باردة جديدة». وأمس قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره الروسي سيرجي لافروف إن بكين تشعر بأن الولايات المتحدة تحيي «عقلية الحرب الباردة» في سياستها تجاه الصين.

أما المعطيات الواضحة المستمدة من الاستراتيجية الأمريكية، فتقول العكس. فواشنطن تريد مغادرة عقلية الحرب الباردة المؤطرة بمعاهدات الأسلحة النووية بينها وبين روسيا، وهي واعية لعالم جديد يتشكل في الخلف تقوده الصين، وأحياناً يؤدي هذا التسارع الأمريكي في مغادرة عقلية الحرب الباردة إلى إخلاء بعض المناطق للنفوذ الروسي ولاعبين إقليميين أصغر، كما يحدث في سوريا. كما أنها تواجه صعوبة في جلب الغربيين إلى صفها في هذه المواجهة، لذلك تكتسب الخطوات البريطانية الأخيرة مكسباً استراتيجياً للإدارة الأمريكية.

وترى الباحثة في مركز «اميريكن انتربرايز انستيتيوت» للأبحاث، أوريانا سكيلار ماسترو، أنّ «الولايات المتحدة تتفاعل مع تراجع قدراتها عبر زيادة الضغط مهما يكن ما تفعله بكين» التي ترفض من جانبها مثلاً سحب أسلحتها من بحر الصين الجنوبي من دون إدراكها «دوافع السياسة الأمريكية». وتؤكد لفرانس برس نتيجة ذلك، أنّ «رفض الصين طمأنة الولايات المتحدة من شأنه أن يقود نحو الحرب».